يحذر تقرير جديد جريء كتبه مثقفون عرب بطلب من الأمم المتحدة من أن المجتمعات العربية مقيدة بغياب الحرية السياسية وبقمع النساء والانعزال عن الأفكار التي تدفع نحو الإبداع·
وهذا المسح وهو تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002 (كان) مقررا نشره في القاهرة الثلاثاء قبل الماضي·
يلاحظ التقرير أنه في حين أدت المداخيل النفطية الى تغيير المنظر العام لبعض البلدان العربية، فإن المنطقة تبقى “أعظم ثروة وأقل تنمية”· فقد تقلص معدل دخل الفرد في السنوات العشرين الماضية الى مستوى لا يسبق غير معدل دخل الفرد في إفريقيا جنوب الصحراء· والإنتاجية تتدهور·
أما البحث والتطوير فإما ضعيفان وإما غير موجودين· في حين أن العلوم والتكنولوجيا نائمة·
والمثقفون العرب يفرون من بيئة سياسية واجتماعية محبطة إن لم تكن قامعة· هكذا يقول التقرير·
ووجد التقرير أن النساء العربيات محرومات في كل مكان تقريبا من التقدم· فنصفهن لا يستطعن القراءة أو الكتابة· ومعدل الوفيات في أثناء الولادة هو ضعف مثيله في أمريكا اللاتينية وأربعة أضعاف مثيله في شرق آسيا·
واستنتج التقرير أن “العالم العربي، للأسف، يحرم نفسه الإبداعية والإنتاجية من نصف مواطنيه”·
وقد اجتمع فريق استشاري من عرب معروفين في الحياة الدولية العامة للإشراف على الدراسة· وقد تضمن الفريق، ثريا عبيد، وهي سعودية تعمل مديرة تنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للسكان، ميرفت التلاوي، وهي دبلوماسية مصرية ترأس المجلس الاقتصادي الاجتماعي لغرب آسيا، كلوفيس مقصود، الذي يدير مركز الجنوب لدى الجامعة الأمريكية في واشنطن وكان مندوبا للجامعة العربية لدى الأمم المتحدة·
وقد جاءت الأوراق من فريق من نحو 30 هيئة مختصة في مختلف الحقول، بمن فيها علماء اجتماع واقتصاديون وخبراء في الثقافة العربية· ثم استكملت مجموعة مصغرة من هؤلاء الكتاب تمثل مجموعة واسعة من بلدان الشرق الأوسط والبلدان الإفريقية ذات الغالبية العربية هذا التقرير·
وقد اختير نادر فرجاني، وهو مختص في اقتصاد العمل ومدير لمركز المشكاة للبحوث في مصر باعتباره كبير الكتاب· وقد نشر التقرير بالعربية وبالإنجليزية وبالفرنسية بوساطة فريق تحرير لكل لغة· وقد تمثلت النساء في جميع مراحل تحضير وكتابة التقرير·
تقول ريما خلف هنيدي مدير المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية والقوة الدافعة وراء إجراء المسح في مكتبها في نيويورك إن التخطيط للتقرير “بدأ قبل سنة، عندما فكرنا أن هناك مشكلة تنمية خطيرة في الدول العربية· وكانت هناك إشارات مخيفة جدا كانت خاصة بالدول العربية لا بمناطق أخرى”·
ثم جاءت الهجمات على الولايات المتحدة فأعطت التقرير أهمية جديدة باعتبار أن التفسيرات لأسباب الغضب العربي على الغرب صارت مطلوبة·
هذا التقرير، وهو الأول من نوعه تصدره الأمم المتحدة ويختص بمنطقة واحدة، حضّره مثقفون عرب من مختلف الاختصاصات، لا يخطّئون الآخرين في ما يرونه باعتباره “قصورا” “في الثقافة العربية المعاصرة على نحو ما أوضحت هنيدي· كانت ريما خلف هنيدي 49 سنة نائب رئيس وزراء في الأردن وقد ترأس فريق السياسة الاقتصادية في المملكة، وقالت إنها طلبت من الكتاب أن “يأتوا وأن ينظروا الى هذه المشكلة ويقرروا: لماذا تتخلف الثقافة العربية والدول العربية؟”
وأضافت: “ليس الغرباء من ينظر الى الدول العربية· إنهم العرب من يقرر باسم أنفسهم”·
هناك 280 مليون نسمة في 22 بلدا عربيا يغطيها التقرير الذي شارك في رعايتها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وهو مؤسسة مالية للتنمية أنشأها أعضاء الجامعة العربية· وعدد العرب يمكن أن يرتفع الى 410 ملايين نسمة أو 459 مليونا بحلول السنة 2002·
بالنسبة الى الفلسطينيين تحديدا، يقول التقرير إن التنمية البشرية مستحيلة تحت الاحتلال الإسرائيلي· وفوق ذلك، كان النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي سببا وذريعة لتأخير التغيير الديمقراطي· كما تؤكد هنيدي التي ولدت في الكويت لأبوين فلسطينيين· وقد درست في الجامعة الأمريكية في بيروت وجامعة بورتلاند في أوريغون حيث نالت دكتوراه في علم النظم·
لا ينتقد التقرير التشدد الإسلامي وآثاره على التنمية الفكرية والاقتصادية مباشرة، على الرغم من أن هنيدي قالت إن ذلك وارد في سياق التقرير الذي يعالج بيئة اجتماعية ضعيفة التسامح·
على الرغم من ازدياد السكان، ارتفع مستوى المعيشة في الدول العربية إجمالا بقدر واضح· ومتوسط العمر هو فيه أطول من المتوسط العالمي بنسبة 67 سنة كما ورد في التقرير· لكن مستوى الفقر هو الأسوأ في العالم· والإنفاق على التعليم هو أعلى مما في بلدان أخرى من العالم النامي·
لكن استعمال الإنترنت ما زال ضعيفا· وصناعة الأفلام تبدو متدهورة· ويكتب واضعو التقرير عن “نقص خطير” للكتابات الجديدة وعن ندرة ترجمة الأعمال الأجنبية· ويقول التقرير إن العالم العربي يترجم نحو 300 كتاب سنويا أي خمس ما تترجمه اليونان، واستنتج التقرير أنه منذ عهد الخليفة المأمون قبل ألف سنة ترجم العرب كتبا يساوي عددها ما تترجم إسبانيا في سنة واحدة·
وقالت الكاتبة المصرية ليلى أبو سيف، وهي أيضا مخرجة مسرحية أقفلت مسرحها في القاهرة عام 1979 بعدما أخرجت مسرحية تنتقد تعدد الزوجات، إن العامل الإسلامي ينبغي الاعتراف به في تفسير ظروف العالم العربي الذي كان مركزا للفنون والعلوم·
وتعيش ليلى أبو سيف، وهي مصرية قبطية· الآن في الولايات المتحدة· وهي قالت إن الإبداعية بين العرب تخضع في غالب الأحيان للمقولات الدينية·
وتضيف أبو سيف، أن الكتب لا يترجمونها في غالب الأحيان بفعل الضغوط الإسلامية· وهي ألفت كتابا بعنوان “دورية الشرق الأوسط: رحلة الى قلب العالم العربي· وهي تعتبر أن الأدبيات الدينية هي الأكثر مبيعا·
وقال فؤاد عجمي، وهو مدير دراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز ومؤلف كتاب “قصر أحلام العرب أوذيسا الأجيال” في مقابلة إن هناك إحساسا غريبا أن الحياة في العالم العربي تتعرض لقمع الدولة وقمع التشدد الإسلامي في آن· ويضيف فؤاد عجمي أن “العرب يشعرون الآن أنهم مراقبون” وهو يعزو تضاؤل الحرية الفكرية الى القوة المتنامية لطبقة وسطى دنيا أفرادها متعلمون لكن ليسوا مثقفين· ويقول إن هذه المجموعة “تبدي نفورا من كل شخص ذي فكر حر ومن كل منشق “عن التيار العام” ومن كل مختلف·
ويضيف فؤاد عجمي أن الخيار الوحيد أمام كثير من المثقفين العرب هو المنفى “إن هناك حنينا عميقا جدا جدا في العالم العربي· والمجتمعات التي تتطلع الى الأمام وتشعر بحركة إيجابية لا تستسلم للحنين”·
في النهاية، ليس هناك أي حركة في السياسة كما قال فؤاد عجمي، حتى الانتخابات· وليس هناك غير أن تبقى في السلطة وتكوّن سلالة· وأضاف عجمي: “الناس لا يعرفون كيف يطيحونهم، وكيف يكون الإصلاح، وكيف يكون تغييرهم”·
نيويورك تايمز