بقلم باتريك سيل
مشى السودان، الذي دمرته حرب أهلية طويلة، خطوة عملاقة باتجاه السلام، وهذا تطور ذو أهمية قصوى بالنسبة إلى شرق إفريقيا والوسط كما بالنسبة إلى العالم العربي وخاصة مصر التي هناك صلة بين مصالحها الحيوية وبين الأمن في النيل·
هناك في الواقع درس ذو مغزى للشرق الأوسط في السلام، درسٌ تتضح مضامينه فوق جميع أنحاء إفريقيا، والدرس هو أن النزاعات طويلة الأمد، التي بدت أعواماً طويلة غير قابلة للحل تماماً، يمكن حلّها فعلياً· وإذا أمكن تحقيق حلول سلمية لحروب إفريقيا الثلاث الكبرى، في السودان، الكونغو وأنغولا فإن حلاً سلمياً للنزاع العربي الإسرائيلي يمكن تحقيقه·
لقد بلغ سفك الدماء في الشرق الأوسط الذي كانت مجزرة غزة التي ارتكبتها إسرائيل آخر مثال عليه، مستويات رهيبة· وهذا ينبغي أن يتوقف·
وهذا هو التحدي الأعظم العاجل الذي يواجه المجتمع الدولي· في أنغولا، لا أحد يعرف على وجه الدقة عدد القتلى، وعدد الأجساد الشابة التي تعرضت للتقطيع، أو كم عشرات آلاف العائلات الجوعى التي رحِّلت من ديارها قبل أن ينفتح باب السلام فجأة بوفاة جوناس سافيمبي في وقت سابق من هذه السنة·
هذا الأسبوع (الماضي) حمل أنباء سارة من ميدان معركة مشؤوم آخر· فبعد حرب كارثية طالت أربع سنوات وحصدت مليوني شخص تم إبرام اتفاق سلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وجارتها الشرقية رواندا في بريتوريا في22 يوليو· وبفضل وساطة جنوب إفريقيا، وعدت رواندا بسحب قواتها المؤلفة من 35 ألف جندي يحتلون الآن شرق الكونغو، في حين تعهدت الكونغو أن تعيد “تجميع” المقاتلين الهوتو (المتهمين بقتل أكثر من نصف مليون شخص من إثنيّة التوشي الحاكمة الآن في رواندا) ونزع أسلحتهم والموجودين في أراضيها ويقدر عددهم بنحو 25 ألفاً· وهؤلاء هم القتلة الذين نفذوا مجازر عام 1994 الرهيبة وهددوا أمن رواندا مذ ذاك· الاتفاق ستعقبه فترة 90 يوماً ينبغي فيها تنفيذ تعهدات الطرفين وتطبيق الاتفاق، وهذا لن يكون سهلاً· ولا أحد يستطيع الوثوق في أن السلام سيصمد، لكن الأمل انتصر لحظة واحدة على الأقل على الخوف، ربما كان أفضل الأنباء يأتي من السودان· فهناك الآن أمل حقيقي في المصالحة بين الشمال المسلم، الأقرب إلى العالم العربي، والجنوب المسيحي والوثني الذي يعدّ جزءاً من جنوب الصحراء الإفريقية· وهكذا يكون أطول نزاع في إفريقيا قد شارف على نهايته·
في 20 يوليو، وبعد 19 عاماً من حرب أهلية مريرة قتلت نحو مليون ونصف مليون شخص وهجّرت أربعة ملايين آخرين، وقع الرئيس السوداني عمر حسن البشير وزعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق بروتوكول ماشاكوس، وقد حمل البروتوكول اسم بلدة كينية شرق نيروبي حيث دارت المفاوضات التي دامت شهراً، وقد لعب رئيس كينيا دانييل آراب موي دور وساطة مهماً في المفاوضات·
يتصدى بروتوكول ماشاكوس لكثير من مآسي الجنوب الحادة، فهو يعلن أن شعب الجنوب يملك حق إدارة شؤونه بنفسه، وأن السلطات ستخضع للتطوير بدءاً من الخرطوم وصولاً إلى الجنوب، وأن الشريعة الإسلامية لن تكون مصدر التشريع في الجنوب·
وحرية العبادة ستكون مصونة وفق دستور جديد، وربما كان الأشد مفاجأة أن البروتوكول يوفر للجنوب الحق في أن يصوت بعد ست سنوات على الوحدة أو الانفصال في استفتاء يخضع لإشراف دولي·
ربما يؤكد بعض الناس أن الخرطوم أعطت الكثير·
من جهة أخرى، لم يتوقع غير عدد قليل من الناس أن توافق الحركة الشعبية لتحرير السودان على مرحلة من ست سنوات، وفوق ذلك، يشدّد البروتوكول على أن وحدة السودان يجب أن تكون أولوية جميع الأطراف، وأن كل جهد يجب أن يبذل لتلبية تطلعات الجنوب ضمن إطار الوحدة·
هكذا يكون الاتفاق تسوية ماهرة· فهو يعطي الجنوب الحق الشكلي في الانفصال، لكن دعوته إلى صيغة “نظامين في بلد واحد” توفر كثيراً من الأسباب حتى يختار الجنوب البقاء داخل سودان موحد·
كيف حدث مثل هذا الاختراق الكبير باتجاه السلام؟ ما العوامل التي جعلته ممكناً؟ لا شك أن الخطوات باتجاه السلام في أنغولا كان لها تأثيرإيجابي على جميع العوامل الإقليمية والدولية، ويكفي أن نتذكر أنه حتى النزاعات الأشد صعوبة يمكن أن تنتهي·
وأول ما يمكن أن يقال هو أن اتفاق السودان ما كان ممكناً أن يتم على الأرجح من دون ضغط دولي كبير من الولايات المتحدة، ومن بريطانيا والنرويج أيضاً· وإذا توجّب أن يصمد السلام، ينبغي أن يظل الضغط الدولي قائماً·
وعلى الرغم من بقائه على قائمة الإرهاب، تعاون السودان مع الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، فأرسل إلى واشنطن معلومات كبيرة الأهمية حول أسامة بن لادن· وهذا شجّع الولايات المتحدة على استعمال نفوذها لإنهاء الحرب الأهلية·
إن الرئيس الأمريكي جورج بوش شديد الانتباه إلى وجهات نظر المحافظين المسيحيين في الولايات المتحدة الذين يشكلون جزءاً حيوياً من ناخبيه· فقد شن اليمين المسيحي منذ وقت طويل حملة لإنهاء التمييز الإسلامي بحق المسيحيين في السودان·
وقبل اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر بخمسة أيام عين بوش السيناتور السابق جون دانفورت، وهو قسيس من ولاية ميسوري مبعوثاً خاصاً له إلى السودان· وقد استطاع دانفورت التفاوض على وقف إطلاق النار في جبال النوبة جنوب الخرطوم وهي منطقة دمرتها الحرب الأهلية· وعندما تأثَّر بما حققه دانفورت، طلب منه بوش العمل على إنهاء الحرب كلها·
وخلافاً لما في الشرق الأوسط، حيث يكلف السلام بين العرب والإسرائيليين مليارات الدولارات، وربما يتطلب قوات حفظ السلام، وجهوداً لا تنتهي للوسطاء الدوليين، فإن السلام في إفريقيا رخيص الثمن نسبياً ولا يتطلب غير عدد قليل من الناس لتحقيقه·
“الدايلي ستار” اللبنانية