رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 15-21 رجب 1423هـ - الموافق 21-27 سبتمبر 2002
العدد 1545

صدام عاد إلى أساليبه القديمة والولايات المتحدة قد تضطر إلى إسقاطه وحيدة

قد لا يقولون ذلك، أو قد لا يقولونه علانية على الأقل، لكن بعض مستشاري الرئيس جورج بوش الأكثر تشددا لا بد أنهم يفكرون في أنفسهم أما قلنا لك ذلك· أدخل الأمم المتحدة في عملية إطاحة صدام حسين حتى ترى الدكتاتور العراقي يعود إلى حيله القديمة، المراوغة والتراجع والتملق أي حرفيا كما قال الرئيس بوش في مطلع هذا الشهر· ولا شك أن صدام حاول في وقت كانت تسعى الولايات المتحدة إلى شن هجوم دبلوماسي مباشر عليه، أن يعرقل العمل· فبعدما رفض طيلة أربعة أعوام المطالبات الدولية بإعادة إدخال مفتشي الأسلحة الدولية، عرض صدام أخيرا السماح لهم بالعودة "بلا شروط" عراقية ولا يعتقد غير حفنة صغيرة من معاوني بوش الأقربين أن صدام ينوي فعلا أن يعطي المفتشين حرية الحركة غير المقيدة التي يحتاجون إليها· لكن صدام حسين فعل ما يكفي لإبطاء تجمع الزخم وراء الحملة الدبلوماسية الأمريكية ضده                                                                                        

بعد كلمة بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس قبل الماضي، التي عرض فيها إعطاء فرصة للدبلوماسية المتعددة الأطراف، ازداد الضغط على العراق من جميع الأطراف، وقد جاء عرضه عبر رسالة الى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان سلمها وزير الخارجية العراقي ناجي صبري، باعتبارها ردا على مناشدات جاءت من عنان نفسه بوساطة الأمين العام لجامعة الدول العربية وبوساطة لبلدان عربية وإسلامية صديقة أخرى

رسالة ناجي صبري تبقي مجالا للشك وإن كان يبدو ظاهريا أنها تلبي طلب العودة غير المشروطة لمفتشي الأسلحة· فهي لا تقول سوى أن بإمكانهم العودة وأن بإمكانهم الوصول الى حيث شاؤوا لكن ليس بوضوح· والرسالة تتحدث عن ملاحظات قدمها عنان ومفادها أن التفتيش هو >خطوة أولى< نحو >حل شامل<، وتوحي الرسالة بأنه حالما تبدأ المحادثات فإن العراق سيحاول مرة أخرى، كما فعل في السابق، بأن يربط ما بين التفتيش ورفع العقوبات الدولية وإسقاط التهديد بعمل عسكري أمريكي·

سواء كانت الرسالة تمثل تنازلا حقيقيا من صدام حسين أم مجرد مناورة مدروسة، فإنها تشكل اختبارا لفعالية الحملة الدبلوماسية الأمريكية التي أضرمتها كلمة بوش· ففي هذه الكلمة، تحدى بوش الأمم المتحدة حتى تفرض انصياع العراق لكثير من القرارات الدولية التي أصدرها مجلس الأمن منذ حرب الخليج الثانية عام 1991· وحسب كلمة بوش· انتهك صدام حسين 16 قرارا منها· وقد أوضح بوش أنه إذا لم تتعامل الأمم المتحدة مع التهديد الصادر من العراق، فإن الولايات المتحدة ستفعل· وقد ركز بوش على جهود العراق الرامية إلى بناء ترسانة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وربما النووية، وخطر أن تجد هذه الأسلحة طريقها إلى أيدي الإرهابيين· لكن في سعيه إلى تبديد المخاوف من أن الولايات المتحدة تسعى إلى عمل عسكري وحيد الجانب، أعطى بوش الأمم المتحدة كما صدام حسين فرصة أخيرة للاتفاق - وهذه المرة - لإصدار قرار آخر·

لكن بوش كان حريصا في الوقت نفسه على الاحتفاظ بخيار العمل العسكري الوحيد الجانب، وعلى تفادي أي ذكر لعودة مفتشي الأسلحة· وبدلا من ذلك، أورد بوش خمسة شروط واسعة لا بد أن يلبيها النظام العراقي "إذا أراد السلام"·

وهذه الشروط لم تبدأ بالسماح بعودة المفتشين إنما بالمطالبة بأن يكشف العراق فورا وبلا أي شروط عن كل أسلحة التدمير الشامل وأن يدمرها، وأن يدمر الصواريخ البعيدة المدى وكل المواد ذات الصلة بها· وقد غطت الشروط أيضا المساندة المزعومة من نظام العراق للإرهاب، وملاحقة الشعب العراقي وامتناع العراق عن كشف مصير المفقودين منذ حرب الخليج الثانية عام 1991·

ولم يكرر الرئيس بوش في كلمته ما قالته إدارته في كلمات كثيرة عن حاجة العراق إلي " تغيير النظام" لكن حفنة فقط من الذين استمعوا الى كلمته اعتقدوا أن شيئا أقل من إطاحة صدام سيحقق التغييرات التي يريدها بوش في العراق، في حين أن الاستعدادات لهجوم على العراق كانت تزداد وتيرتها· ففي الأسبوع الماضي، أعلن في الولايات المتحدة عن مناورات تتضمن مشاركة 600 ضابط من القيادة المركزية للجيش الأمريكي ونقلهم إلى دولة قطر، وفي 16 سبتمبر أعلن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد أنه منذ الشهر الماضي أخذت الطائرات الحربية الأمريكية تقصف مراكز القيادة والاتصالات والدفاعات الجوية في العراق·

غير أن الجهود الأمريكية الرامية إلى تعبئة 14 عضوا في مجلس الأمن الدولي لتمرير قرار صارم ضد العراق، ودعمه بتهديد جدي باستعمال القوة، ركزت حصريا وعلى نحو مفهوم على قضية التفتيش عن الأسلحة· وكان رفض صدام حسين السماح بعودة المفتشين أعظم انتهاك لقرارات الأمم المتحدة، أما أسلحة التدمير الشامل التي يعتقد أنها بحوزته في الطريقة الواضحة لتشكيله خطرا على جيرانه والعالم عموما·

لكن كما أكد صقور الإدارة الأمريكية، كانت هذه المقاربة تنطوي على عيوب بالنسبة إلى الولايات المتحدة·

ففي المقام الأول، هذه المقاربة تسمح بتأخير في وقت يأخذ العراق بالمساومة على شروط عمل المفتشين، وحتى لو عاد المفتشون الى العمل بسرعة، فقد تنشأ خلافات متكررة عندما يحاولون أداء مهماتهم على نحو ما كان يحدث في الماضي، وهذا قد يتطلب أشهرا لحله، وحتى لو جرى عمل المفتشين بسهولة، فقد يقضون وقتا طويلا يكفي لاستبعاد أي اجتياح للعراق هذا الشتاء، ثانيا، عبرت شخصيات بارزة في الإدارة الأمريكية، وتحديدا نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، علانية عن عدم ثقتها بنظام التفتيش· وقد أشار هؤلاء أن صدام حسين برع في إخفاء أخطر أسلحته والمختبرات والمصانع التي تنتجها·

وهكذا لا يكون من قبيل المفاجأة أن ردة الفعل الأمريكية الأولية على العرض العراقي كانت متشككة· غير أن روسيا، أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، والأكثر ميلا نحو الوقوف الى جانب العراق، سارعت الى الترحيب بالعرض· وقال وزير خارجيتها ايغور ايفانوف: بفضل جهودنا المشتركة استطعنا تفادي خطر سيناريو الحرب والعودة إلى الوسائل السياسية لحل القضية العراقية وأضاف أنه لم تعد هناك أي حاجة إلى قرارات دولية جديدة على الرغم من أن الولايات المتحدة أصرت على وجود الحاجة·

أما بريطانيا، أشرس حليف للولايات المتحدة في مساندتها للعمل العسكري· فقد واصلت سعيها إلى إصدار قرار جديد· وقد قال وزير خارجيتها جاك سترو إن مصير العرض العراقي هو معاملته بتشكك دولي كبير· غير أن وزير الداخلية البريطاني ديفيد بلانكت وصف العرض العراقي بأنه خطوة إلى الأمام· لكن مع التعبير عن ارتيابه في أن صدام يحاول أن يخدع العالم· لكن تغيير القناعة العراقية كان يرمي بوضوح مثل نوايا صدام إلى إبراز الخلافات بين سياسة أمريكا وحتى أقرب حلفائها، الذي امتنع بريطانيا عن توقيع موافقة على تغيير غير مشروط للنظام·

استنادا إلى تاريخه سيخاطر نظام صدام حسين بأي شيء للمحافظة على برامج الأسلحة· والسؤال الآن هو ما إذا كان يخاطر ببقائه على قيد الحياة· ويعتقد حتى بعض ألد أعداء النظام أنه لن يفعل، وأن التفتيش الدولي ينبغي أن ينال فرصة بناء على ذلك· وبالنسبة إلى أمريكا، فإن هذا يعني التخلي عن تغيير النظام، أو على الأقل تأجيله، أو إسقاطه من دون تغطية حمائية لمظلة متعددة الأطراف·

(الإيكونوميست)

طباعة  

بينما ينشغل العالم أجمع بالبحث عن مرتكبي أحداث 11 سبتمبر
جزار صبرا وشاتيلا أصبح رئيسا للوزراء

 
صدام وعملية اتخاذ القرار في موقف حرج:
أي مستشارين؟
وماذا يمكن أن يفعلوا؟

 
بوش أمام عرض عودة المفتشين حتى لا تضعف الحرب على الإرهاب
 
"نعم" عراقية و"لا" أمريكية