ستؤدي القرارات التي يتخذها صدام حسين في الأيام القليلة المقبلة بعد عقده اجتماعا نادرا طال يوما لدائرته الضيقة، ستؤدي على الأرجح إلى تحديد مصيره ومصير نظامه·
فالقضية ليست مجرد السماح أو عدم السماح بعودة مفتشي الأسلحة، فقد وافق العراق على ذلك مبدئيا· لكن هناك حسابات دقيقة ينبغي إجراؤها بشأن توقيت الخطوات العراقية التالية ومداها، والمماحكة إذا كان يستطيع·
هذه هي اللحظة التي يلتفت فيها معظم القادة إلى حكوماتهم المصغرة، التي هي دائرة ضيقة من المستشارين الثقات الذين يؤثرون في صناعة القرار والرئيس العراقي دعا إلى مشاورته حفنة من كلا الجهازين السياسيين الرئسيين: مجلس قيادة الثورة المؤلف من ستة أعضاء، وحكومته·
لكن نقطة ضعف صدام، وهي على سبيل التقدير سبب عدم فعله، تكمن في افتقاره الى مستشارين موثوق فيهم لما كان لا يثق في أي شخص، في حين أن الذين يجدون جرأة كافية لإعطائه النصيحة قد يفعلون ذلك على حساب سلامتهم·
عام 1990، قبل أسبوعين من غزوه دولة الكويت، أطلع الرئيس العراقي صدام حسين ثلاثة أشخاص سرا على خططه، أحدهم كان قريبا له، والثاني صهره، زوج ابنته والأخير كان قائد الحرس الجمهوري· وبعد يومين أبلغ رئيس الاستخبارات العسكرية ورئيس أركان الجيش·
في الأول من أغسطس، عشية الغزو، لم يكن أكثر من 14 شخصا يعرفون الخطط· واستنادا إلى الصحافي سعد البزاز، لم يكن وزير الدفاع واحدا منهم· لكن وزير الدفاع عرف أخيرا عن الغزو من الإذاعة مثل جميع الناس·
وعندما سألت مجموعة من الضباط صدام عن عدم إشراكهم في التخطيط، أجابهم: >كان يمكن أن تقولوا لزوجاتكم، وزوجاتكم يبلغن جميع الناس<·
هذه الأيام، لا يستمع الرئيس العراقي في الجانبين الأمني والسياسي إلا لشخصين فقط ابنه الأصغر قصي، وسكرتيره الشخصي عبد حميد محمود، استنادا الى البزاز الذي كان ذات مرة نجما إعلاميا في العراق، ثم هرب قبل 11 عاما ويرأس الآن تحرير صحيفة >الزمان< في لندن·
قصي، 36 عاما، الذي يعتبر الوريث المرجح للرئيس العراقي يحوز سلطات واسعة على الجهاز العسكري العراقي بما في ذلك الحرس الجمهوري والاستخبارات والأمن الداخلي·
وعبد حميد محمود، يتحدر من تكريت بلدة صدام وإن كان ليس قريبا نسبيا من الدرجة الأولى لصدام· وهناك شخص ثالث هو علي حسن المجيد، ابن عم صدام، الذي يتحرك على الأطراف·
كان علي حسن المجيد، المعروف باسم علي الكيماوي لدوره في الفظائع المرتكبة بحق الأكراد، مشاركا رئيسيا في مجزرة العائلة عام 1996 بعدما انشق صهر صدام، حسين كامل حسن، وهرب الى الأردن، وأفشى أسرار أسلحة التدمير الشامل ثم عاد الى بغداد·
وهناك شخصية أخرى قريبة من الرئيس هي عزت إبراهيم نائب رئيس مجلس قيادة الثورة وزعيم قبيلة الدوري الكبيرة والقوية، الذي ساعد في بقائها إلى جانب النظام· وقد تزوجت ابنته لفترة قصيرة عدي الابن الأكبر لصدام·
ليس هناك أي سبب للافتراض أن أيا من هؤلاء، الذين ينبع نفوذهم من العلاقات الشخصية أكثر من كونه نابعا من الخبرة، يمكن أن يشكل عضوا في مجلس تخطيطي معقول وأصيل من أجل أي خطة قد تكون في رأس صدام حسين·
فالرئيس العراقي ليس لديه سوى خبرة بسيطة في العالم الذي خارج العراق، وهو لم يسافر إلى الخارج منذ أكثر من 12 عاما، وهو يعتمد بقوة على وجهات النظر المنتقاة بوساطة مستشاريه للسياسة الخارجية نائب رئيس الوزراء طارق عزيز· ونائب الرئيس المتشدد طه ياسين رمضان، ووزير الخارجية الأكثر لباقة ناجي صبري·
وقال سعد جبر من المجلس العراقي الحر: أحيانا يطلب صدام رأيهم فلا يقولون سوى ما يجب أن يسمع·
وقال سعد البزاز إنه خلال حرب الخليج الثانية بالغ طارق عزيز في تصوير الانتقادات الغربية للسياسات الأمريكية فأدى ذلك الى حسابات غير صحيحة خطيرة·
وبعض المنفيين العراقيين ممن يعرفون النظام جيدا يقولون إن هؤلاء المستشارين يعبرون عن بعض الانتقادات أحيانا، لكنهم يفعلون ذلك ضمن تعبير عن ولاء مطلق، وعادة يكونون أكثر تشددا من زعيمهم·
أدى طارق عزيز، المولود لعائلة عراقية مسيحية، دورا بارزا في السياسة الخارجية منذ أكثر من 20 عاما، لكن بلا نتائج مذهلة، والبعض يعزو نجاحه في البقاء على قيد الحياة إلى غياب قاعدة لقوته في العراق، وهذا يعني أنه لا يشكل أي تهديد لصدام·
والبعض الآخر يقول إنه تجري مناقشات حقيقية داخل النظام أكثر مما يظهر· ويقول سلام علي من الحزب الشيوعي العراقي: >في المستويات الدنيا هناك طاعة عمياء، لكن في المستويات العليا هناك بعض انتعاش· لكن حالما يتخذ صدام قراره يصعب كثيرا تغييره<·
ويشك أحد البريطانيين الذي شارك في الدبلوماسية غير الرسمية مع العراق بأن دائرة المستشارين الضيقة تكتفي بمجرد إسماع الرئيس العراقي ما يحب أن يسمع وقال: ذات مرة، رفع وكيل وزارة في وزارة الخارجية صوته فحصل على سيارة جديدة· وهذا توازن دقيق· لكن صدام ليس مثل العقيد القذافي، فهو لا يتوقع أن يزحف الناس إليه على الأرض·
وفي وقت كان الجزء الأعظم للعالم الخارجي يحض العراق على الانصياع للقرارات الدولية بشأن التفتيش عن الأسلحة إذا كان يرغب في تفادي هجوم عسكري، ليس هناك غير شك ضعيف بشأن ما إذا كانت الرسالة وصلت·
وقد أدى هذا إلى جهود مكثفة من الأجانب، بمن فيهم زعماء عرب وغربيون يحترمهم النظام، مثل مفتش الأسلحة السابق سكوت ريتر، لإقناع العراق بأن مواصلة المماحكة تؤدي إلى كارثة·
وهناك دلائل معينة تشير إلى أن صدام مستعد للعمل طبقا لنصائح الأجانب المحترمين، وإن كان بشأن قضايا تافهة على الأقل· وذات مرة، تأثر كثيرا باقتراح من الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي قال له إن ارتداء بذلة مدنية أفضل لصورته من الزي العسكري·
(الغارديان)