انكشف رأس جليد الاستراتيجية الأمريكية في دراسة قدمت في البنتاغون باسم “مادة سرية”، فالهجوم العسكري على العراق هو الغاية الأولى فحسب، والمملكة العربية السعودية هي “الغاية الاستراتيجية” ومصر هي “الجائزة الكبرى”· الغاية: نشر الديمقراطية في مجتمعات تفرخ النمو المنفلت لتنظيم القاعدة· أما الفلسطينيون فينبغي عليهم وفق هذه الخطة أن يجدوا مكانهم في الأردن·
“ كيف يمكن أن يصبح عناق المحبة مصدرا لمتاعب كثيرة لإسرائيل· بقلم أليسك فيشمان· يديعوت أحرونوت، فبراير، السادس من سبتمبر· نقلها من العبرية الى الإنجليزية هاغاي كاترييل·
إنه “عرض ديفيد ساترفيلد”، أي كيف يمكن أحدهم أن يلخص زيارة مساعد نائب وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، وقد مر وقت طويل منذ أن رأينا هذه الكثرة من الابتسامات هنا· فقد أطلق ساترفيلد، وهو أحد الشخصيات البارزة في صوغ سياسة وزارة الخارجية الأمريكية في المنطقة ضحكات صاخبة (لدى الآخرين) في اجتماعاته مع المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين الكبار·
فقد تحدث ساترفيلد على سبيل المثال عن محادثة أجراها مع مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض كوندوليسا رايس· وموضوع المحادثة كان رغبة عرفات في المشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، والضغط الذي مارسته الإدارة الأمريكية على الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان لمنعه من ذلك·· وضحك ساترفيلد وهو يقول: “تعرفون ما اقترحت كوندي (رايس) إذا اقتربت طائرة عرفات من الأجواء الأمريكية على الرغم من كل شيء نسقطها”·
كانت الضحكة العاصفة لكبار المسؤولين الإسرائيليين نموذجا عن رضاهم عن الزيارة التي تركت لديهم استنتاجا واحدا، عرفات تم إلغاؤه، من وجهة النظر الأمريكية· والتنازل الوحيد الذي يرغب الأمريكيون في أن يقدموه الى الفلسطينيين في ما يخص زعامتهم هو أن تغيير السلطة سيكون الالتزام به تدريجيا· فالأمريكيون لا مشكلة لهم مع عرفات إذا بقي مقيما في “المقاطعة”، لكنه لن ينال أي إعادة تأهيل·
وفي هذه القضية، عقد ساترفيلد عشية وصوله الى هنا “إسرائيل” اجتماعا عاصفا مع ثلاثي تفاوضي رفيع المستوى، الروسي فدوفين ميغيل أنخيل موراتينوس “مبعوث الاتحاد الأوروبي” وتيري رود - لارسن “ممثل الأمم المتحدة”، وقد قال هؤلاء بأصوات مجلجلة: المقاربة (Approach) الأمريكية لا تعطيه أي أمل· أنتم تدفعون الفلسطينيين الى الاستنتاج أن لا بديل لديهم سوى الإرهاب”· ولم يقتنع ساترفيلد ومعاونوه، حتى بالأصوات العالية· والتقدير يقول، كما يحدث في إسرائيل، إن هناك علاقة غير مرئية بين المقاربة (Approach) الأمريكية نحو عرفات والحافز الفلسطيني لمواصلة نهج الإرهاب·
خلال زيارة ساترفيلد، صار معروفا أن الأمريكيين غير مستعجلين لإجراء انتخابات للسلطة الفلسطينية· وعلى الرغم من أنهم يريدون الانتخابات باعتبارها وسيلة لتغيير الزعامة، فليس هناك أي استعجال·
كانت نقطة اختلاف ساترفيلد الوحيدة مع رئيس الوزراء أرييل شارون تتصل بالحاجة الى عقد جلسة للمجلس التشريعي الفلسطيني في رام الله للموافقة على حكومة جديدة· ويوم الأحد، خلال اجتماع الحكومة فكر شارون أن هذه فكرة سيئة وألمح الى وزرائه أنه لن يوافق على هذه الجلسة· وبعد يومين تعجب الوزير اسحق ليفي عندما وجد أن شارون غير رأيه· واشتكى ليفي من أن أحدا لا يقول له شيئا·
كانت خلفية تغيير رأي شارون هي الدعم الأمريكي غير المحدود تقريبا للنهج الإسرائيلي مع عرفات والسلطة الفلسطينية· وكان الدعم على قدر من الوضوح أعظم مما أن يدخل شارون في مواجهة معهم (الأمريكيين) في قضية ليست مبدئية· والأمريكيون عملوا من جانبهم بطريقة دبلوماسية: فهم لم يعلنوا الاختلاف “بين الأمريكيين والإسرائيليين” وهكذا لم يشعر شارون أنه يرضخ للضغط· وإذا كان عرفات في أي حال رجلا ميتا في عيون الأمريكيين، فلماذا لا يدعونه يستدعي المجلس التشريعي حتى يعين بعض الوزراء غير المهمين·
تذكير بأليستير كروك
نقل ساترفيلد الى الإدارة الأمريكية أنه في اجتماعاته مع شارون ورئيس الأركان موشي يعالون، سمع تعبيرا جديدا، أن الحكومة الإسرائيلية ملتزمة سياسة “التدمير البناء” للسلطة الفلسطينية “قبل أن يسارع رئيس الأركان الى نفي إعطائه مثل هذا التصريح، لكن مع ملاحظة أن الكلمتين مأخوذتان من التقرير الأمريكي بشأن المحادثات معه· وربما أنه أسيء فهمه مرة ثانية” والتدمير البناء يعني أن إسرائيل ستصفي السلطة الفلسطينية من أجل إتاحة المجال لنشوء نظام حكم جديد لا يشينه الإرهاب·
بالمناسبة، جرى بين ساترفيلد ويعالون حديث عن التطورات في المجتمع الفلسطيني، والمحاولات الخاصة بالمفاوضات الداخلية، ومبادرة التنظيم (فتح) لإعلان وقف لإطلاق النار لقي تعزيزا هذا الأسبوع، وقد حصل انطباع لدى الأمريكيين أن إسرائيل لن تعمل على العرقلة، بل ربما تنظر بإيجابية الى هذه المحاولات لإعلان وقف لإطلاق النار، ويقود ساترفيلد جهدا لممارسة ضغط على المتطرفين في الحركات الإسلامية حتى ينضموا الى هؤلاء في إعلان المبادرة· وبناء على ذلك، ذهب الى دمشق حتى يتحدث مع السوريين بشأن مساندتهم لـ “حماس” من الخارج· والأمريكيون بدورهم تركوا انطباعا لدى المتطرفين في المنطقة أنهم سيرفعون أسماءهم الى رأس قائمة الإرهاب إذا عملوا على تخريب عملية السلام ووقف إطلاق النار·
وقبل أن يزعم قادة الجيش مرة جديدة أنهم لم يعرفوا عن أي مبادرات لوقف إطلاق النار، ينبغي أن نذكر أن أليستير كروك، ضابط الاستخبارات البريطانية الذي يعمل مع الاتحاد الأوروبي، أطلع مرة جديدة رئيس إدارة البحوث في استخبارات الجيش الإسرائيلي على هذه المبادرات “وبالنسبة الى الذين ينسون، فإن أليستير نفسه أطلع قادة الجيش الكبار على مبادرة لوقف إطلاق النار كانت تكتمل عشية اغتيال صلاح شحادة المسؤول العسكري لحركة حماس” بالنسبة الى الأمريكيين، من المهم أن تهدأ المنطقة من خلال الترتيب لوقف إطلاق النار، لكن في الوقت نفسه، هناك وتيرة خاصة بالإدارة الأمريكية في كل ما يخص الترتيبات الإقليمية· فالأمريكيون أوضحوا بجلاء للفلسطينيين أنهم لن يحددوا تفاصيل عناصر التسوية النهائية بأكثر مما فعل بوش في كلمته· والآن يتحدث الأمريكيون عن صيف عام 2005 باعتباره موعدا نهائيا للتسوية الأخيرة وتأسيس دولة فلسطين·
وذلك يخص خطة من ثلاث مراحل، بعد عودة ساترفيلد الى واشنطن، ستقدم الإدارة الى كلا الطرفين سلسلة من الخطوات والعلامات الإرشادية من دون تواريخ محددة ينبغي على كل من الطرفين العمل بموجبها· فالفلسطينيون يحتاجون الى تهدئة الأمور على الأرض، والتزام الإصلاحات والذهاب الى الانتخابات، وإسرائيل تلتزم أساسا خطوات إنسانية·
في نهاية عام 2003، وبداية عام 2004، ينعقد اجتماع دولي تناقش فيه اتفاقات المرحلة النهائية، وعندها، تصاغ خطة العمل الرامية الى وضع نهاية للنزاع، والمرحلة الثالثة، في بداية عام 2005، يفترض أن تتمثل بتنفيذ اتفاق التسوية الدائمة· وبعبارات شرق أوسطية، فنحن نتحدث عن نهاية الزمن تقريبا، فمن يعرف ماذا يمكن أن يحصل بحلول هذا الوقت·
الأكيد: بخطة مثل هذه يخترق شارون الانتخابات المقبلة من دون أي عطاء أو انسحاب أو تنازل للفلسطينيين، وهذا هو ما يريده·
مصر هدفا
إن وضعية الفلسطينيين على الساحة الدولية مزرية· ففي عامين من الانتفاضة خسروا حتى ملابسهم الداخلية، هذا إذا استعملنا التعابير المستخدمة في الكازينو، وعرفات هو المسؤول شخصيا عن هذا الوضع، فعندما توجه نحو الانتفاضة، لم يأخذ عرفات في الحساب عنصرا مكونا مهما، الثورة الكبرى، التي يصعب الإمساك بزمامها، في نهج الإدارة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وهذه الثورة تأتي من مدرسة نائب الرئيس ديك تشيني والمسؤولين الكبار في البنتاغون، التي طالت أيضا سكان البيت الأبيض·
ويقول البروفسور ايهود سبرنتزاك الخبير العالمي في الإرهاب والباحث في معهد هرتزيليا للبحوث المتقاطعة علميا الذي عاد في الفترة الأخيرة من سلسلة لقاءات مع قادة البنتاغون، يقول: “نحن نتحدث عن مجموعة ثورية، ذات مقاربة مختلفة كليا نحو العالم العربي والتهديدات الآتية منه، ويمكن أحدهم أن يلخص مقاربتهم بجملة واحدة، يعتقدون أن العالم العربي هو عالم متخلفين لا يفهمون غير لغة القوة”·
وانطلاقا من هذا، يمكن أن يكون أسهل علينا أن نفهم المقاربة (Approach) الأمريكية الحالية تجاه النزاع مع الفلسطينيين وتجاه المجابهة المتوقعة مع العراق، والكلام الذي يتردد في البنتاغون عن “الخطر السعودي” إن اللاعبين الرئيسيين في هذه الثورة هم نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، لكن التفسير الأيديولوجي الذي يغذي كل خطط العمل في الثورة يأتي من ثلاث شخصيات أخرى، نائب وزير الدفاع بول وولفو فيتش، ونائبه دوغلاس فايث، وفوقهما الأيديولوجي ريتشارد ديك بيرل· ويرأس بيرل “اللجنة الاستشارية للبنتاغون” وهي عبارة عن مؤسسة مدنية· ورأس الجليد لهذه الرؤية العالمية وراء هذه الثورة الأمريكية ظهر في الفترة الأخيرة من خلال تسريب من دراسة أعدها معهد “راند” (RAND) وقدمت في منتصف شهر أغسطس وسميت “مادة سرية”، ويضطلع معهد “راند” بالبحوث والعمل التخطيطي لمصلحة الإدارة الأمريكية منذ عقود، لا سيما البنتاغون، وقد تبين أن ريتشارد بيرل طلب دراسة من “راند” بعنوان “كيف يجب أن تكون الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط”· وهنا يعني الشرق الأوسط منطقة تمتد من شمال إفريقيا حتى أفغانستان، وباعتبار ذلك جزءا من عرض الدراسة في البنتاغون، تم عرض صورة إسقاطية ظهرت فيها المملكة العربية السعودية باعتبارها “عدوا يحتاج الى التعامل معه”· وقد تسربت محتويات هذه الصورة الإسقاطية وتعرضت لتغطية إعلامية واسعة· وقد هدد السعوديون بسحب أموال من الولايات المتحدة وسحبوها فعلا·
وأصيب الرئيس جورج بوش بقلق، ودعا الأمير بندر بن سلطان الى جلسة مصالحة، ثم بدأت “راند” تنأى بنفسها الى حد معين عن الدراسة التي أعدت، لكن ذلك لم يعد يهم في شيء· فهذه الدراسة تعكس الأيديولوجية التي يؤمن بها من طلبوا الدراسة· وبالمناسبة، تمتع الإسرائيليون الذين زاروا البنتاغون في الفترة الأخيرة وناقشوا القضايا الخاصة بالشرق الأوسط، تمتعوا تماما بالفتات الذي سقط من الدراسة·
دراسة “راند” تضع أيضا الحرب على العراق ضمن إطار منطقي معين يندرج ضمن صورة أوسع· واستنادا الى أحد المصادر، فإن العرض التلخيصي لتقديم الدراسة، الذي هو في الواقع تلخيص للاستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط، يقول: الهجوم الأمريكي على العراق هو في الواقع “هدف تكتيكي”، والمملكة العربية السعودية هي “الهدف الاستراتيجي” ومصر هي “الجائزة الكبرى”·
وهذا يعني أن هذه المجموعة ترى، في الواقع، تغيير الأنظمة في هذه الدول الثلاث باعتباره هدفا استراتيجيا· والمنطق الذي يقف وراء هذه الاستراتيجية يقول إن تنظيما مثل القاعدة - وهو قلب الإرهاب وعدو الثقافة الأمريكية - ينمو انطلاقا من النظم التعليمية والنظم الاجتماعية والحاكمة القائمة الآن في مصر والمملكة العربية السعودية والعراق· وهذه المجتمعات فرخت النمو المنفلت لـ “القاعدة”، وبناء على ذلك يجب إحداث التغيير - أي نشر الديمقراطية والليبرالية والتغريب - وبعبارات أخرى: يجب على هؤلاء أن يتوقفوا عن تهديد الولايات المتحدة بوساطة مصالحها في البلدان العربية· ونحن نتعامل مع بلدان متخلفة، وينبغي التعامل معها على هذا الأساس·
ولا عجب في أن رئيس الوزراء أرييل شارون، الذي زار الولايات المتحدة ست مرات، وعقد اجتماعات مطولة مع كبار القادة في البنتاغون، عاد الى إسرائيل وأخبر المحيطين به نوعا من الارتياح: “لا حاجة الى الخوف من أفكار الوزير إيفي إيتام (الداعية الى التطهير العرقي للفلسطينيين) فإذا ما قورن بأصدقائنا الأمريكيين فهو حمامة بيضاء”·
الديمقراطية وآيات الله
في الفترة الأخيرة، سمع البروفسور إيهود سبرنتزاك من الأمريكيين سبب الرأي القائل إن من المناسب البدء بالتعامل مع العراق، وحسب تقديرات الأمريكيين، يمتلك العراق قوة بشرية ذات نوعية جيدة، يمكن تسخيرها للتنمية الاجتماعية الاقتصادية والتطلعات الديمقراطية· وعندما يحصل ذلك، يقدم النفط العراقي حلا جيدا للغرب بدلا من الاعتماد على النفط السعودي· لكن العراق ليس سوى البداية، كما قيل· وقد التقى مسؤول إسرائيلي سابق في المؤسسة العسكرية، وليس مشكوكا في كونه يساريا، التقى في نهاية أغسطس مع أعضاء كبار في اللجنة الاستشارية للبنتاغون عرضوا أمامه رؤيتهم العالمية الخاصة بالاستراتيجية النهائية في الشرق الأوسط، وقد أصيب هذا المسؤول بصدمة بفعل الاحتمالات الخطرة التي تنطوي عليها هذه الرؤية العالمية بالنسبة الى المصالح الإسرائيلية وعبر عن رأيه للأمريكيين قائلا: إذا أردتم إحداث انفجار كامل مع العالم العربي، وإذا أردتم أن تضعوا إسرائيل داخل فوضى تتصارع فيها مع أنظمة مجنونة عندئذ أنصحكم بتكرار الخطة الناجحة للرئيس جيمي كارتر بنشر الديمقراطية في نظام شاه إيران، والرسالة كانت واضحة: المطامح المبالغ فيها جاءت بآيات الله الى السلطة في إيران، وهذا هو تماما ما يمكن أن يحدث في مصر وفي المملكة العربية السعودية وفي بلدان أخرى معتدلة في العالم العربي·
إن عناق المحبة الأمريكي يخدم إسرائيل في مواجهة الفلسطينيين، لكن هذه المحبة قد تسبب في المستقبل متاعب عظيمة لنا (الإسرائيليين) واللااستقرار في المنطقة هو واحد منها·
تعمل المجموعة الثورية في البنتاغون على صوغ مفاهيم “راند” عن العالم في خطط عملانية (Operational)· والغاية: تغيير الخارطة السياسية بوسائل عسكرية· وبالمناسبة، لدى هؤلاء خطة مفصلة من أجلنا، فعلى سبيل المثال، وخلال تقديم الدراسة في البنتاغون، جاء أن “فلسطين هي إسرائيل عمليا”· وقالت من ناحية أخرى، أن الفلسطينيين سيكونون قادرين على تحقيق تطلعاتهم القومية أساسا في دولة مثل الأردن·
والأردن يؤدي دورا مهما· فاستنادا الى الخطة، وعندما تنتهي قصة البعث في بغداد، سيعود العراق الديمقراطي جزءا من المملكة الهاشمية، وليس هناك أي مصادفة في أن الأمريكيين دعوا الأمير الحسن بن طلال الى اجتماعين مع المعارضة العراقية المقيمة في الأردن، ويمكن أن نجد دليلا على مقاربة أن “فلسطين هي إسرائيل” في التصريح العلني لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي تحدث عن وجود إسرائيل في الأراضي بـ “ما يسمى الاحتلال”·
كيسنجر لا يتصل بالهاتف
وقف ثلاثة من الجمهوريين الكبار السابقين علانية حتى يعارضوا السباق نحو المواجهة مع العراق، هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأسطوري سابقا، وبرنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي لدى بوش الأب، وجيمس بيكر، وزير الخارجية (سابقا) ورئيس طاقم البيت الأبيض (سابقا) ومستشار الأمن القومي (سابقا) وأساسا محامي بوش الابن الذي تولى معالجة قضية الأصوات في فلوريدا لمصلحة بوش وجاء به الى الرئاسة· وهذا الثلاثي يملك حججا: الظروف ليست ناضجة، وليس هناك دعم خارجي، وليس هناك دعم داخلي، لكن السؤال المطروح هو لماذا تحدث هؤلاء علانية، ولا شك أن كلا منهم يعرف رقم هاتف منزل بوش ويمكنه أن يتحدث إليه·
وقد تبين أن هؤلاء الدبلوماسيين الثلاثة الكبار اعتراهم خوف من المسكونية (Messianic) (العالمية) الأيديولوجية للمجموعة الثورية في البنتاغون والبيت الأبيض·
وفي هذه الأثناء، يتسرب مخزون الجزء العلوي في الساعة الرملية للحرب مع العراق· أما الالتزامات الصارمة للرئيس بوش فتدفعه الى الزاوية: فإذا لم ينفذها، قد يجد نفسه خارج الصورة في الانتخابات المقبلة باعتباره شخصا أخفق في تحقيق التزاماته، ذلك أن والده الذي قال “اقرؤوا شفتيّ” "Read my lips" بشأن زيادة الضرائب لم يحقق التزامه ودفع الثمن·
على مستوى المبدأ، تم اتخاذ خوض الحرب· وإذا حاول أحدهم أن يتعلم شيئا من خلال حجب دخان الحرب النفسية، فإنه يجد أن البنتاغون ما زال يغير الخطط· ففي البداية كانت هناك خطة ضخمة من خلال 500 ألف جندي على وشك اعتمادها· وفي وقت لاحق تم خفض العدد الى 180 ألفا، لكن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد لم يرض بعد، فهو يريد مشروعا متطورا قوامه 75 ألف جندي وكثير من القوات الخاصة، والأسلحة الذكية، والعمليات ذات النمط الأفغاني: وكانت دعوة الأمير حسن الى لندن تذكر بالحل النهائي الأفغاني: إسقاط النظام وإعادة الملك الطيب السابق·
في هذه الأثناء، تستمتع إسرائيل بسياسة ما بعد 11 سبتمبر· ويمكن أحدهم أن يستمتع بطرائف “كوندوليسا” رايس على حساب عرفات، لكن ينبغي التذكر أنه وراء هذه الطرائف تكمن خطة أكبر لا ينبغي حتما أن تجعلنا أكثر سعادة·