على الرغم من اننتشار الصيدليات والتقدم والتطور في الطب إلا أن التدواي بالأعشاب كثر بين الناس في الآونة الأخيرة·
كتب أ· د· كمال الدين حسن البتانوني كتاباً بعنوان “أسرار التداوي بالعقار بين العلم الحديث والعطار” نقتبس منه هذه المقتطفات:
“فعلى الرغم من التقدم العلمي في العلوم الصيدلية، وصناعة الدواء وتشييد الآلاف من المركبات التي تستعمل في الطب فإن خزانة العطار بما تحويه من عقاقير ذات أصول نباتية أو حيوانية أو معدنية مازالت مصدراً رئىسيا للتداوي ومازال لها دورها المعترف به في العلاج وشفاء الأمراض، بل إن الدعوة القائمة منذ سنوات للعودة إلى العلاج بالأعشاب والعقاقير الطبيعية، قد دفعت بالكثيرين للتفكير في التداوي بأعشاب من خزانة العطار وحانوته، وزاد من ذلك الأمر الدعايات الواسعة للعطارة والعطارين في وسائل الإعلام، بالإضافة إلى الدور النفسي الذي يلعبه العطارون في عرض وصفاتهم وقراطيسهم·
وفي كل مدينة من مدن العالم العربي، نجد مخازن للعطارة، وحوانيت للعطارين خاصة في الأحياء القديمة من هذه المدن حيث كان السوق الرئيسي للمدينة العربية قبل أن تتضخم هذه المدن وتمتد إليها مدن التحديث، ففي القاهرة وأحيائها القديمة وفي مكة المكرمة، وفي الدوحة وصنعاء ومسقط وتونس والرباط وفي كل مدن العالم العربي، وفي الدروب الضيقة والحارات، في هذه المدن تنبعث روائح الأعشاب والنباتات الطبية، حيث تكتظ محلاّت العطارة بالكثير من العقاقير النباتية والحيوانية والمعدنية·
وعادة ما يعرض العطار التوابل والعقاقير شائعة الاستعمال أمام متجره أما العقاقير قليلة الاستعمال، فإنه يحتفظ بها في داخل محله·
وفي كثير من الأحيان لا تقتصر مهمة العطار ووظيفته على بيع الأعشاب والمساحيق وبعض المواد الكيميائية والعطور، بل كثيراً ما يقوم بتحضير مخاليط من بعض هذه العقاقير، لتكون أدوية مركبة، بناء على وصفات، تعتمد في كثير من الأحوال على كتب الأدوية المفردة والمركبة التي خلفها العلماء المسلمون، أو على خبرة يتوارثونها عمّن سبقهم·
ولا شك أن للعطارين القدامى، خبرات مكنتهم من عمل قراطيس طبية، إضافة إلى استخدامهم للتذكرة وغيرها، وبعض العطارين المتمرسين يقومون بتحضير الأمزجة، وتركيب الأدوية السائلة والمركبة مثل شراب الجلاب، وشراب الورد، ويحضرون “الجوارشنات” التي تساعد على الهضم، وشراب السعال، ويذيبون بعض المواد في الزيت، لتحضير الدهانات التي تشفي الجروح والحروق والقرحات، واللبخات التي تزيل الورم والألم·
ولا تقتصر مهمة العطار على تحضير الأدوية المفردة والمركبة، بغرض العلاج والتداوي من العلل والأمراض، بل إنه يقوم بتحضير بعض مستحضرات التجميل من دهان للوجه وتنظيفه، وحمرة الخد، وكحل للعينين، بل إن الوصفات التي يقدمها العطارون للتسمين والتخسيس أو لتقوية الناحية الجنسية، أصبحت من أهم ما يجذب كثيراً من العملاء للتردد على محلات العطارين وحوانيتهم، ويؤكد ذلك اكتظاظ هذه المحلات بالرواد من جميع المستويات والأجناس، وكل له غايته ومطلبه، والعطّار كفيل بذلك، سواء عن علم أو غير علم·
ولقد كان للعطارين قبل تطور العلم وتقدّم العلوم الطبية والصيدلية، دور مهم في التداوي والتطبيب·
وينبغي أن نعلم أن كثيراً من العقاقير التي تباع في محلات العطارين وحوانيتهم، سواء من أصول نباتية أو غيرها، مدرجة في كثير من دساتير الأدوية العلمية، ولها مواصفات تبين حدود كميات المواد الفعالة ونسبها، وهي دساتير أقرت بعد دراسات مستفيضة عن تحليلها وكمية المواد الفعالة فيها، كما أن هناك عقاقير كانت ضمن المواد الدستورية، ثم ألغي استعمالها·
ولا شك أن أكثر العقاقير الموجودة لدى العطّارين، جربت عبر قرون من الزمان، وأثبتت الكثير منها أثراً فعالاً في علاج الأمراض، لكن تعترض استعمال هذه العقاقير عدة مشكلات: منها أن كل عقار يتميز بوجود قدر معين من المواد الفعالة، إذا ما تم جمعه في موسم معين، وقد لا نضمن أن جمع العقار تم طبقا لهذه المواصفات· فمثلاً توجد بعض العقاقير التي يشترط لوجود المادة الفعالة فيها بقدر كفيل بأحداث الآثار المطلوبة، أن تجمع في وقت معين من العام أو من اليوم، أو عند طور معين من أطوار حياة النبات، وفي الصناعات الدوائية الحديثة ينبغي وجود نسبة معينة من المادة المعنية تحدّدها دساتير الأدوية، وقد يكون هذا الأمر غير مضمون في العقارات التي يقدمها العطار·
وهناك مشكلة أخرى وهي طريقة التخزين ومدة التخزين فلكل عقار طريقة معينة لتخزينه، فقد يؤدي تعرضه للرطوبة أو لدرجات الحرارة المرتفعة أو الهواء إلى نقص بعض المواد الفعالة·
ولعل أهم مشكلة تجابه مستعمل العقاقير من محلات العطارة، عدم علم العطار ببعض الأنواع المطلوبة، وإبدالها بما يتيسر له من عقاقير، قد تكون غير مفيدة وعلى ضوء نقص العقاقير، فإن بعض العطارين يلجأون إلى إيجاد بدائل لها· مثل عرضهم شرائح جذور البطاطا الحلوة المجففة بدلا من عود القرح المغربي وفي مثل هذه الحالات يكون الغش مقصودا،أو عن غير علم·
ومن المشكلات التي تواجه مستعمل العقاقير من محلات العطارة، مشكلة تقدير الجرعة اللازمة، فهناك الكثير من العقاقير التي تضر متعاطيها، إذا تناول أكثر من جرعة محددّة، أو أسرف في استعمالها، وتختلف الجرعة من إنسان إلى آخر حسب عمره ووزنه وصحته العامة·
وغش العقاقير، خاصة المسحوق منها، بإضافة مواد رخيصة الثمن، عديمة الأثر، من الأمور المتوقعة في أحيان كثيرة!!
وعلى الرغم مما سبق ذكره من مشكلات تعترض تعاطي العقاقير من حانوت العطار، والتداوي بها، إلا أن هناك بعض العطارين ذوو معرفة جيدة وذوو أمانة ودقة وصدق، مما يدعو للاطمئنان إليهم بدرجة كبيرة· والاتجار في العطارة كأي مهنة تضم الجيد والرديء، عمل معرض لمشكلات الجهل أو الغش·