الظاهرة التموزية في ديوان “فاكهة الندم” للشاعر الفلسطيني عبدالناصر صالح
(1 – 2)

بقلم : أ· د· خليل عودة
جامعة النجاح الوطنية - نابلس
يعد الشاعر الفلسطيني من أكثر الشعراء العرب المعاصرين إلحاحا على الفكرة التموزية في شعره، بسبب ظروف خاصة يواجهها ويتعرض من خلالها الى محاولات تصفية وجوده، وإلغاء هويته، وقلعه من جذوره، وأمام هذا التحدي يحاول دائما أن يؤكد على بقائه، وتجدد الحياة بين يديه، ويتواصل مع عناصر الثبات والنماء التي يتشبث بها في نفسه، وتنعكس روحا ومعنى في كلماته، وهي تتفجر من جديد في بعث أسطوري يؤكد أن العملاق لا يمكن له أن يفنى من ضربة قزم، وأن الحياة لا يمكن لها أن تتوقف عند إرادة البشر· وأن الموت لا يتحقق مع أحلام الآخرين·
وقد بدت الصلة واضحة بين الشعر العربي بشكل عام، والفلسطيني بشكل خاص والرموز القديمة المستوحاة من إله الخصب والنماء تموز، “فهذه الآلهة القوية الجميلة: تموز، بعل أدونيس في سورية وبلاد ما بين النهرين، والرموز العظيمة للحياة والخصب في الشرق الأوسط القديم، أصبحت من أكثر الموضوعات تناولا في الشعر العربي خلال عشرين سنة الأخيرة”· (1)
وما يميز ديوان “فاكهة الندم” هو هذه الروح المتجددة في كل قصيدة من قصائده، إذ يحاول الشاعر أن يرسم الأمل عبر غابات الموت التي تسيطر على مختلف مظاهر الحياة التي يعيشها، وعبر ألوان الحصار التي يعانيها، فهو يعيش حالة من الأمل والتفاؤل، ولا يستسلم لحالات اليأس التي توحي أنه مقتول لا محالة، لأن الاستسلام يعني النهاية، والشاعر لا يريد أن ينتهي، وإنما يريد أن يبدأ من حيث تتوقف الحياة من حوله، ويتجدد من النقطة التي يظن معها أنه فقد توازنه·
ولا نعني بالظاهرة التموزية مجرد بعث أسطوري للإله تموز في ديوان عبدالناصر صالح، وإنما نعني بذلك استيحاء معاني الخصب والحياة التي تضمنتها الأسطورة القديمة في اللغة والصورة والفكرة العامة التي تدور حولها قصائد الديوان، مما يعني خلق مضمون جديد للقصيدة في شعره، يجعل من ديوانه نمطا جديدا ليس على مستوى شعره فحسب، وإنما على مستوى الشعر الفلسطيني في الأراضي المحتلة بشكل عام·
وديوان “فاكهة الندم” يضم مجموعة من القصائد، التي تناول فيها الشاعر عمق مأساته، التي تمثلت في ممارسات الاحتلال ضد أبناء شعبه، ومحاولات قهر إرادة الإنسان الفلسطيني على أرضه، وزرع بذور اليأس في نفسه· ومع تغير موضوعات القصائد واختلاف مضامينها، فإنها تلتقي حول خيط واحد يجمعها في نسيج متكامل، ويوحدها في إطار الفكرة التموزية التي تظهر فلسفته القائمة على الانتصار والتحدي، بالرغم من قسوة الواقع ومرارة الاحتلال، ونراه دائما يؤكد على فكرة البقاء في نفسه، والذي يتمثله بقاء للوطن والقضية، إذ لا فرق بين ذات الشاعر وما يؤمن به، فالوطن همه، وهو يتوحد معه لينتصر به على واقعه الصعب:
“يا وطني
لكأني بك الآن أهتف ملء فمي
يا أعاصير شدي الرحال إلي
أنا قلب هذي الأزقة
والوطن - النبض خاصرتي” (2)
ويمكن من خلال استعراض بعض القصائد الواردة في الديوان، استنباط المعاني التي تؤكد الفكرة التموزية القائمة فيها، مما يعني وجود قاسم مشترك بينها، يتجسد في إحساس الشاعر بفلسفة ذاتية يؤمن بها، ويعمقها بوعي أو من دون وعي في هذا العمل الفني، ففي قصيدته “ملائكة خضر” يبدأ القصيدة بالحديث عن الشمس التي تسطع في عنفوان التوجع وتقهر الموت، لتبدأ البراعم رحلة الحياة الجديدة، وهي تستمد سر بقائها من الماء الذي يغسل الوجه من مرحلة الغثيان، ويعيد إليه بهاءه ونماءه:
“لك الشمس تسطع في عنفوان التوجع
في ضجة الموت بين الميادين والطرقات
لك الماء يسقي براعم أغصانك الشامخات
ويغسل وجهك من غثيان الشتات الخفي
يعيد إليك خطوط البهاء المصادر” (3)
والبحار التي تضيق الخناق على الشاعر، هي نفسها التي تستفيق من جديد لتهبه قبلة الحياة مع تدافع أمواجها، التي تتجدد وتتواصل بين يديه، ليشكل منها بناء جديدا، يعيد إليه الثقة بنفسه:
“البحار التي حاصرتني
أفاقت تقبلني
موجة
موجة
فاحتفلت بمرجانها
وأعدت بناء هياكلها من جديد” (4)
ثم تأتي صورة البعث في أبواب جديدة يفتحها الشاعر، تسمح لكل معاني الحياة أن تتواصل معه ويتواصل معها، في عملية انصهار جديدة بين الشاعر والطبيعة من ناحية، وبين عناصر الطبيعة بعضها ببعض من ناحية أخرى:
“يندمج الغصن بالغصن
يندمج الماء بالماء” (5)
وصور البعث والتجدد لا تكتمل بعيدا عن الشاعر، وإنما تتوالد في نفسه التي تتوحد مع الطبيعة في حركة متجددة تحمل معاني النصر الذي هو ثمرة الجهود التي يبذلها من أجل أن يظل موجودا على أرض الواقع، والنصر يساوي البقاء والحياة، وهو لا يتحدث عنه إلا عندما تصبح أرض الواقع صالحة لمثل هذا الوجود:
“فافتح يديك ليخضل طينهما
قد دنت ساعة النصر يا وطني” (6)
وتأتي فرحة اللقاء مع هذا العرس الاحتفالي الذي نشهده في نهاية القصيدة في رقصات أشبه برقصات الحياة عندما يتدفق مطر سرمدي، وتكلل الحقول بالسنابل، ويصبح الوطن مخضرا يانعا، ينبض بالحياة، ويتوهج أمام الشاعر بالحيوية والنضارة:
“لك الريح والمطر الدافق السرمدي
الحقول مكللة بالسنابل
تشدو على نغم الماء موالها
لكأني أسميك يا وطني سيد الكون
سيد كل العصور
الفصول” (7)
وهنا يصبح الوطن عنصر حياة للشاعر، ومصدر بعث لروح جديدة، تنبعث وسط زمن مهترئ، يرمز الى الفناء والخراب، ومع هذا البعث تصبح الفرصة أمام الشاعر متاحة لكرنفال كبير يمنح قلبه قطرات جديدة من الدم الذي يبعث فيه الحياة، ويجعله قادرا على الفرح من جديد، وسط زحمة الخراب القائم· وهياكل التاريخ، التي يستقي منها الشاعر أسطورة البعث:
“يا وطني···
لكأنك بي قطرات دمي
لكأنك بي قدري،
فامنح القلب أن يتهيأ
للاحتفال العظيم
وأن يتوثب
كي نبعث الروح في هيكل الزمن المهترئ” (8)
وفي قصيدته التي يتحدث فيها عن شهداء المسجد الأقصى المبارك، نجده يباشر القصيدة بالحديث عن الصباح والشمس في عملية استجلاء واضحة للفكرة التي تسيطر على مجمل خياله، والتي تجعله ينطلق الى بدايات جديدة تنبعث من أعماق الموت الذي يلاحقه، ويلح عليه في كل منحى من مناحي حياته المختلفة:
“جاءت تباشير الصباح
وأطلقت شمس الحقيقة من إسار الموت” (9)
أما صورة الشهداء فتتراءى أمام عينيه في حركة متواصلة بين الدفاع والسقوط، أو بين السقوط والنهوض، ولا تنتهي الحركة التي يمارسها المدافعون الى السقوط ثم العدم، لأن هذا يعني الفناء، وهي فكرة مرفوضة على مستوى الواقع والخيال والحلم، ولا تتجسد إلا في واقع مهزوم يرفضه الشاعر، كما أنها لا يمكن أن تكون مع شهداء سقطوا دفاعا عن المسجد الأقصى:
“يدافعون
ويسقطون
ويبعثون
ويسقطون وينهضون” (10)
وهي معادلة قاسية بين السقوط والبقاء، بين الموت والحياة، بين أن يكون الإنسان أو لا يكون، وتنتهي بتأكيد فكرة رفض الموت، والحرص على استمرار البقاء الذي يتمثل في صورتي الدفاع والصمود:
“دمنا هويتنا
فإما أن نكون
أو لا نكون
ويدافعون
لا الموت يهزمهم ولا خوذ الجنود اليائسين
ويصمدون” (11)
والشاعر يستمد من القدس عظمة هذا الوجود الذي يرد عنهم جنون الموت، ويستعيد معهم أسرار الوجود والحياة، وهو بذلك يؤكد على عمق الصلة بين هذا الوجود والواقع الديني الذي يبعث فيهم مصدر التواصل مع الحياة:
“القدس خندقنا الأخير وصرح وحدتنا
هي خندق الروح الذي سيرد عن دمنا
جنون الموت،
أو هستيريا القتل الجماعي·
هي قلعة الروح التي ستعيد للشمس انطلاقها
وللأنهار صحوتها
وللأضلاع وحدتها
وللزيتون سريان البقاء·” (12)
والشاعر يوظف كل العناصر المتاحة بين يديه لتأكيد الفكرة التموزية التي تلح عليه وتجعله في حالة صراع دائم بين الحياة والموت، وهو يرى في مصادر الحياة التي يبعثها من أعماق اليأس، مصدر قوة له:
“العيون التي لا تزال تحاصرني،
ثم تخطف قلبي
تعلمني أن أكون مداد النشيد الذي سوف يأتي
وماء الحياة التي سوف تبدأ·” (13)
وهو يعرف كيف يوظف كل العناصر الإيجابية لخدمة الفكرة العامة في قصائده ولا سيما عناصر الطبيعة التي يتوحد معها في عملية بعث صعبة تشبه لحظة المخاض، أو العلاج القاسي الى الشفاء الدائم:
“وارتجلت قصيدة بعثنا
ريح ترد الي نبض الأرض
تفتح فجوة في ظلمة الغابات
يزهو في الندى شجر المحال” (14)
وفي إطار هذه الفكرة يتوحد الشاعر مع الجبل في عملية بناء جديدة لقلعة شامخة من قلاعه التي تقهر الموت وتتحدى العدم، ويشارك نجما يمد ذراعيه في ليل معتم بدء مرحلة جديدة:
“سأبني على جبل قلعتي
وأساهر في الليل نجما يمد الي ذراعيه
يتلو على مسمعي سورة البدء” (15)
ودائما نجد عنده هذه المشاركة مع عناصر مختلفة من الطبيعة يشاركها مرحلة البدء التي يتجدد فيها مع ذاته، وهو يستطيع أن يوظفها توظيفا فنيا يحمل معاني مختلفة من التوحيد الإيجابي المثمر:
“أشم روائح عينيك في المخمل الأنثوي
فتزدان عصفورة غزل البرق أوتارها
لتشارك هذا الفضاء المغيب زرقته
والتراب المقيم أصالته
وتشاركني روعة البدء
في مهرجان الجسد” (16)
والشاعر من خلال هذه الظاهرة التي تسيطر على خياله وفكره، يتمثل قدرته على النهوض وسط حزن يشد قبضته عليه، ونار تلتف حوله، ووجع يلازمه، لينتهي من ذلك كله الى تقرير حقيقة يؤكدها استفهامه القائم بين إمكانية المساواة بين عشق الحياة والنهوض، والموت الذي يحاول أن ينهي قدرته على المواجهة والصمود والبعث المتجدد:
“سأنهض من قبضة الحزن
من ربقة النار
من وجع الذات
هل يستوي العشق والموت؟” (17)
وعندما يخاطب وطنه يتوحد معه في جرحه وأسره وضياعه، ويحدثه حديثا جريئا يبعث فيه الأمل، ويدفع عنه الموت:
“أتيت يا وطني المكبل
شاهرا دمي المباح لهم
وإرث الزنبق المسروق
فاخلع عنك ثوب الموت،
ها إني أتيت
مجددا عهد الجداول
والأيائل” (18)
ومثلما يتوحد الشاعر مع الوطن يتوحد مع البحر الذي يحتضن خياله وذاكرته، ويمثل في شعره صورة من صور التجدد الذي يأتي مع تدافع أمواجه التي تتكسر على الشاطئ، وتنبعث من جديد في حركة متواصلة لا تنتهي أو تتوقف، ولعل في ذلك ما يفسر سبب إلحاح الشاعر على صورة البحر في مجمل قصائده في الديوان، فهو رمز مرادف لتجدد الحياة، وصورة من صور الانتصار والتحدي:
“سأدخل في تفاصيل البحار
أعيد للأمواج زخرفها الوحيد
ومهرجان شموخها
سأعيد خارطة البلاد
الى مدائن ضيعت صلصالها
وأعيد للبدر المسافر يقظة الأيام
أكتب صحوتي” (19)
وهو يستمد من البحر أسرار قوته، ويكتسب في توحده معه عناصر بقائه وأسرار وجوده:
“سأنهض
عانقني صدف البحر والموج
والقادمون الذين استعادوا قيامتهم” (20)
وعندما يخرج عن سياق البحر الى النيل، فإنه يرى فيه صورة أخرى من صور البحر وعظمته، وينظر إليه على أنه وسيلة النجاة في بعث الحياة من الاندثار والضياع:
“يا سيدي النيل
كيف استعدت رمادي من سطوة النار
وأنقذت عمري من الاندثار؟” (21)
وفي قصيدته “فاكهة الندم” التي جعلها عنوانا للديوان، تأتي كلماته قوية معبرة عن الاستعداد لمرحلة البدء الذي يأتي من نزيف الشوارع المثقلة بعبء المرحلة التي يعيشها الشاعر، وتولد معها وردة ندية من رحم الأرض اليابسة التي تنعشها دمعة حزن من عينين لا تعرفان النعاس، ولا يطأ الخوف جفنيهما· وهذا كله يتوحد مع أرواح الشهداء الذين وهبوا الأرض حياتهم، لنعود إليهم ويعودوا إلينا في بعث جديد نتواصل فيه معهم، ويتواصلون فيه معنا:
“عائدون الى صوتهم
عائدون الى وقتهم
والى حبر أيامهم
عائدون” (22)
والعودة ينسجها دائما العاشقون للحياة، الذين يرتفعون فوق جراحهم، ولا يستسلمون ليأس المرحلة فيهم:
“ها هم العاشقون
يطفئون جراحاتهم
ينسجون من الفرح الآدمي بشائرهم
ويعودون” (23)
وإذا كان العاشقون يطفئون جراحاتهم بالعودة والتجدد مع الحياة، فإن مظاهر الكون كلها تتجدد مع لقاء الأرض بأبنائها:
“النوارس تملأ محرابها
والعناقيد تنهض خضراء
والماء يصفو
وقد ورث الأرض
أبناؤها” (24)
الهوامش:
1· نذير العظمة: الحركة التموزية في الشعر وتأثير تي إس اليوت في السياب، ترجمة سامي محمد، مجلة الأقلام، بغداد، العدد الأول، السنة العشرون، كانون الثاني 1985، ص5·
2· عبدالناصر: ديوانه “فاكهة الندم” صدر عن المركز الثقافي الفلسطيني “بيت الشعر”، الطبعة الأولى 1999، ص35·
3· ديوانه، ص34، 4· ديوانه، ص36، 5· ديوانه، ص37، 6· ديوانه، ص37، 7· ديوانه، ص37،38، 8· ديوانه، ص38، 9· ديوانه، ص79، 10· ديوانه، ص82، 11· ديوانه، ص82، 12· ديوانه، ص83، 13· ديوانه، ص68، 14· ديوانه، ص59، 15· ديوانه، ص 19، 16· ديوانه، ص54، 17· ديوانه، ص20، 18· ديوانه، ص61، 19· ديوانه، ص63، 20· ديوانه، ص19، 21· ديوانه، ص15،16، 22· ديوانه، ص4، 23· ديوانه، ص6، 24· ديوانه، ص8·