أصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية في جامعة الكويت تقريرا عن الشرق الأوسط من منظور أمريكي وفي ما يلي نص التقرير:
مع دنو نهاية المهلة الممنوحة للنظام العراقي للإعلان عن كل ما يملكه من برامج تسليح في 8 ديسمبر المقبل، ترتفع نبرة التهديد في الإدارة الأمريكية ضد الرئيس صدام حسين وتوعده بدفع ثمن غال إن لم يقدم تصريحا كاملا وشاملا عن هذه البرامج، وقد تجلى هذا واضحا في خطاب الرئيس الأمريكي بوش أمام أعضاء حلف الناتو يوم 20 نوفمبر إذ قال: " إذا نفى صدام مرة أخرى امتلاكه لترسانة الأسلحة فإنه سيبدأ مرحلته الأخيرة بكذبة، والخداع هذه المرة لن يقابل بالتساهل، وعواقب المماطلة والتحدي ستكون وخيمة جدا"·
كما عكست تصريحات أخرى لمسؤولين أمريكيين النبرة نفسها التي طبعت كلمة رئيس الوزراء طوني بلير أيضا في القمة إذ تحدث عن إجماع دولي حول ضرورة التزام صدام حسين بقرار الأمم المتحدة 1441 أما وزير الخارجية الأمريكي كولن باول فقد كان حازما في تصريحه لمحطةMSNBC في 21 نوفمبر حيث قال: " من الأفضل لصدام أن يكون واضحا لأننا نعلم ما ينبغي أن يحتويه الإعلان المطلوب من بغداد، وسنرى إن كان جديا فعلا في التعامل مع المجتمع الدولي"، ثم أضاف: "إن أهمية إعلان 8 ديسمبر لا تكمن في ما يحتويه من تفاصيل بل في مدى ما يظهره من تعاون، وإذا لم يفعل وعاد إلى لعبته القديمة فسيكون ذلك بمثابة إشارة واضحة لنا للقيام بما يتعين علينا فعله، ومهمة فريق المفتشين لا تنحصر فقط في التفتيش عن الأسلحة بل تشمل أيضا الوقوف على سلوك النظام ونواياه"·
وقد بدأ هذا الإجماع بين المسؤولين الأمريكيين حول مسألة العراق الأسبوع الماضي في تناقض واضح مع الصورة التي عكستها مقالات الصحافي الشهير بوب وودوورد عن الإدارة الأمريكية أخيراً، كما نشر هذا الأخير وهو مفجر فضيحة ووتر غيت، كتابا بعنوان " بوش يخوض الحرب" كشف وجود انقسامات حادة داخل الإدارة الأمريكية حول مدى أهمية دعم الأمم المتحدة لسياستها بشأن العراق، ويظهر وودوورد كولن باول في كتابه كمتزعم للاتجاه المضاد والمتمثل في نائب الرئيس ديك تشيني ، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد·
ويصف الكاتب اجتماعا ضم باول وبوش يوم 5 أغسطس وواجها فيه عدة تعقيدات تتعلق بالحرب ضد العراق، وينقل عن باول قوله : "جميل أن نقول إننا نستطيع "اجتياح" العراق بقرار أحادي لكننا لا نستطيع في الواقع"· ويضيف وودوورد أن تنفيذ خطة عسكرية ناحجة يتطلب استعمال قواعد ومنشآت في المنطقة وذلك يقتضي الحصول على إذن بالتحليق فوق أجواء بعض البلدان مما يؤكد حاجة واشنطن إلى حلفاء، وربما تكون المعطيات الجغرافية قد تغيرت بشكل كبير اليوم، مما يعني أن الضربة هذه المرة لن تكون مثل حرب الخليج الأخيرة حين كانت الرحلة من السعودية المتعاونة إلى الكويت تستغرق أكثر من ساعتين، وكان هدف التحرير لا يبعد سوى 40 ميلا·
ويذكر وودوورد أن باول أشار في أثناء اجتماعه ببوش إلى أزمة الشرق الأوسط التي لا تزال معلقة، وهي تمثل أولى الأولويات بالنسبة إلى العالمين العربي والإسلامي مضيفا أن الحرب ضد العراق ستعرض اسرائيل لهجوم عراقي وأن صدام بوصفه إنسانا معتوها يمثل تهديدا حقيقيا لا يمكن التكهن بما قد يصدر عنه وإن تم احتواؤه وردعه إلى حد كبير منذ حرب الخليج، ومجمل القول إن أي حرب جديدة قد تسفر عما تسعى واشنطن إلى منعه تحديدا·
ويذهب وودوورد إلى أن النقاش هو ما حدا ببوش إلى التماس غطاء دولي وكانت النتيجة إرسال فرق التفتيش إلى بغداد، وقد يكشف رئيس المفتشين هانز بليكس مشاعر القلق التي تساور العراقيين بسبب ضيق الوقت الذي قد لا يكفي لجمع المعلومات المطلوبة قبل 8 ديسمبر ومخاوفهم المتعلقة بالإبلاغ عن المصانع السليمة وهي كثيرة، ويبدي بليكس تفاؤلا بشأن مصير العراق إن هو تعاون بشكل كامل مع فريقه إذ توقع أن ترفع عنه العقوبات بعد انتهاء عمليات التفتيش خلال سنة بعد أن يكون قد برهن على التزامه بمطالب مجلس الأمن·
وقد أثير تساؤل في الأسبوع الماضي حول ما إذا كان تقديم العراق لإعلان 8 ديسمبر ناقصا، يشكل خرقا ماديا وبالتالي سببا لقيام الحرب· إلا أن معظم المحللين الأمريكيين يذهبون في تحليلهم للقرار 1441 إلى أن فشل صدام في الالتزام بالمهلة المحددة لا يشكل في حد ذاته سببا كافيا لشن حرب، ويستندون في ذلك إلى الفقرة الرابعة من القرار التي تنص على أن البيانات الخطأ والمنقوصة لا تعتبر خرقا ماديا ما لم يصاحبها تقاعس من الجانب العراقي عن التعاون بشكل كامل في تنفيذ القرار، وهذا يعني أن الحرب لن تندلع مباشرة بعد تقديم الإعلان العراقي مهما شابه من ثغرات·
والأرجح أن واشنطن ستترك فريق المفتشين يكمل مهمته لأنها واثقة من أن صدام سيعود مرة أخرى إلى الخداع وعرقلة عمل المفتشين ليقدم لها بذلك ذريعة الخرق المادي الذي ينتظرها·
ومن جهة أخرى بيدو بليكس مستفيدا من النبرة الحادة في تصريحات المسؤولين الأمريكيين لأنها تدفع باتجاه إجبار العراق على الالتزام بالقرار الدولي، ومن شأن كل هذا أن يعطي كلا من الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس الوزراء البريطاني طوني بلير دورا محوريا في سد بعض الفجوات· فبينما يتابع بليكس مهمته قد يظهر بلير كلاعب أساسي يلجأ إليه بوش للزعم بأن هناك تحالفا يقف وراءه·
ويشير بيان عسكري إلى أن المضادات الدفاعية العراقية أطلقت النار سبع مرات في الأيام الماضية التي أعقبت قبول العراق بقرار الأمم المتحدة على الطائرات الأمريكية، وذكرت شبكة SNN أن هذه الأخيرة قصفت ثمانية أهداف مختلفة في العراق بعد أن تعرضت لإطلاق نار خمسين مرة· ويرى رامسفيلد في هذا خرقا لقرار 1441 الذي ينص على عدم تعرض العراق بأي عمل عدائي لأي عضو في الأمم المتحدة، ولكن من الواضح أن ثمة تفاهماً ضمنياً بين أعضاء مجلس الأمن على استثناء مناطق الحظر الجوي من أحكام القرار، ويبدو أن بريطانيا نفسها مترددة في إثارة مشكلة حول هذه الضربات وقد برر دبلوماسي بريطاني ذلك بالقول إن القرار 1441 يتعلق بنزع السلاح وليس بمنطقة الحظر الجوي مثل قرار 688 الذي يعتبر مهاجمة الطائرات فيها انتهاكا· ويعتقد كثير من المعلقين الأمركيين استعراض هذه الهجمات والتركيز عليها يدخل في إطار بحث الأمريكيين عن خرق مادي·
والسؤال المطروح هو ما الذي يبغيه العراق من وراء هذه الهجمات؟ هل يريد إثارة النزاع مع الإدارة الأمريكية حول مسألة خلافية داخل مجلس الأمن أو يحاول فقط إنقاذ ماء وجهه في وقت يجوب فيها المفتشون الدوليون أرجاء البلاد أم أنه يحاول خلف نمط من التحدي؟ لا شك أن واشنطن ستعتبر هذا النمط من التحدي وأي نقص في إعلان 8 ديسمبر بالإضافة إلى أي تصرف يعيق عمل المفتشين سببا كافيا لشن الحرب حتى وإن لم يتم تسجيل حادث واحد يمثل في حد ذاته خرقا ماديا صارخا للقرار·
وفي حال توقف العراقيون عن إطلاق النار على الطائرات الأمريكية سيعني ذلك تقويضهم لنمط التساهل الذي كرسوه داخل الأمم المتحدة إزاء الخروقات الصغيرة كما سيؤدي من جهة أخرى إلى إحباط السياسة الأمريكية التي لا تعرف التسامح البتة حسب ما عبر عنه الرئيس بوش، ولكن من المستبعد في ظل التصميم الأمريكي الواضح أن يشكل ذلك الاستراتيجية المثلى لينفذ العراق بجلده·
ومجمل القول إن الخيارات المتاحة أمام النظام العراقي باتت قليلة، ويرى عدة محللين أمريكيين أنه لم يعد يملك لنفسه شيئا، وإذا كان ينوي تبني استراتيجية تقوم على عدم التصريح بما يملكه من أسلحة وترك الأمر لمنظمة الأمم المتحدة لإثبات عكس ذلك حسب ما يتوقعه المحلل الأمريكي كينيث بولوك يكون قد أغفل أن يتعامل مع إدارة أمريكية لا تقيم وزنا لتوافر دليل دامغ من عدمه·