
بقلم: مقتدر خان*
يطرأ على التوجه الإيديولوجي للعالم انعطاف بطيء لكن واضح نحو اليمين· وإذا قارنا الانتخابات الأخيرة في بعض البلدان الرئيسية بالانتخابات التي جرت فيها خلال أواسط تسعينات القرن العشرين أو في أواخرها يبدو لنا هذا التحول العالمي واضحا بجلاء·
في التسعينات، عندما بلغت العولمة ذروتها، كانت الأمم ناجحة جدا في الأداء الاقتصادي وتشعر بثقة في تعزيز دولة الرعاية· وهكذا جاء بيل كلينتون في الولايات المتحدة، وطوني بلير في بريطانيا، ومحمد خاتمي في إيران الى السلطة· وهؤلاء ينتمون جميعا الى يسار الوسط في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، وكانت استراتيجياتهم الانتخابية تقوم على إعادة تكوين هيئة دولة الرعاية من أجل استيعاب النمو السريع للاقتصاد العالمي، وكان فوزهم بتأييد الناخبين عائدا الى مزيج من تأييد النساء وشرائح يسار الوسط·
لكن في نوفمبر من عام ألفين واثنين وحده، شهدنا انعطافا مهما في اتجاهات الرأي العام· ففي الولايات المتحدة، لم يعزز الحزب الجمهوري بقيادة اليمين سيطرته على مجلس النواب فقط إنما استعاد السيطرة على مجلس الشيوخ أيضا، وإضافة الى ذلك، كان أداء الحزب الجمهوري جيدا بصورة غير متوقعة في انتخاب حكام الولايات، في ظاهرة تشير الى أن الانعطاف الى اليمين ليس مقتصرا على القضايا الوطنية المتصلة بالأمن والحرب على الإرهاب، إنما بالقضايا الوطنية الصغرى أيضا·
في تركيا، وصل حزب العدالة والتنمية ذو الميول الإسلامية بصورة غير متوقعة الى السلطة بغالبية ساحقة في البرلمان تجعله قادرا على تغيير دستور الجمهورية، وإذا كان حزب العدالة والتنمية ليبراليا في الاقتصاد، في تركيزه على العدالة الاقتصادية فهو محافظ اجتماعيا، ويمكن أن يميل نحو اليمين في قضايا السياسة الخارجية·
وبركوب موجة الغضب الشعبي من العمليات الأمريكية في مكافحة الإرهاب في أفغانستان وباكستان، استطاع تحالف ستة أحزاب دينية ومحافظة انتزاع السلطة في اثنتين من ولايات باكستان الأربع، وحقق “مجلس العمل المتحد”، الذي قدم برنامجا معاديا للولايات المتحدة مكاسب مهمة في البرلمان الباكستاني المركزي وصار أكبر ثالث حزب في البلاد، فنال دورا حاسما في تشكيل حكومة ائتلافية·
من الممكن إقامة صلة بين النتائج الانتخابية في كل من الولايات المتحدة وباكستان، وبين تداعيات الهجمات على الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001، ذلك أن الإحساس العالمي بانعدام الأمن باعتباره نتيجة لخطاب الحرب والعنف المضاد هو السبب الأول للانعطاف العالمي نحو اليمين· ومن المهم أيضا أن نلاحظ أنه بالتزامن مع الانعطاف نحو اليمين، يأتي نهوض النفوذ الديني في السياسات، وهذا يمكن أن يرى بجلاء في الأهمية المتزايدة لليمين المسيحي في الولايات المتحدة ونجاح الأحزاب الإسلامية في تركيا وباكستان·
ماذا يعني كل هذا؟ يعني أن الأمن سيتغلب على التجارة والاقتصاد في جدول الأعمال العالمي، والإنفاق الحكومي على التنمية والبنى التحتية سيفسح مجالا للإنفاق على الأمن، وعلى زيادة الميزانيات العسكرية وسيؤدي الى زيادة الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية وزيادة الأرصدة المخصصة للاستخبارات· لقد أدت المخاوف من الإرهاب الدولي أصلا الى خلق توتر بين الدول واللاعبين غير الرسميين· فالدول ستضع مزيدا من القيود على الانتقال الحر للأشخاص والأفكار ورؤوس الأموال والتكنولوجيا عبر حدودها·
وسوف تتباطأ وتيرة العولمة بقدر كبير، وربما نشهد تراجعها في الاتجاه المعاكس، أما الإجراءات الخاصة بالهجرة واللاجئين فسوف تخضع لمزيد من التمحيص على الرغم من كل الدعوات الى التعاون ضد الإرهاب، ذلك أن الدول ستتخذ مزيدا من التدابير وحيدة الجانب ضد الأخطار الحقيقية أو المفترضة على مصالحها في الداخل والخارج، وسيؤدي الخوف من العنف والمساندة التقليدية من اليمين لدولة الأمن الى تهديد الحريات المدنية والديمقراطية في عدد من البلدان حيث يصعد اليمين·
ربما يثبت الانعطاف نحو اليمين أنه موقت أو طويل الأمد، لكنه سيؤدي حتما الى إعادة هيكلة كبيرة للاقتصادات الوطنية ولطبيعة التجارة الدولية·
*مدير الدراسات الدولية في جامعة أدريان ومؤلف كتاب “المسلمون الأمريكيون: جسر الإيمان والحرية”
المصدر Foreign Policy in Focus