رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 25 رمضان-1 شوال 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر-6 ديسمبر 2002
العدد 1555

وتد

قـف ·· فالإشارة خضراء

 

نشمي مهنا

بعد دقائق أو ساعات، حينما تقف أمام إشارة مرورية حمراء، تخيل أن يصدر قرار في يوم ما - وعلى غير المتعارف عليه - بتبديل “تعليمات” الألوان التي تحملها هذه الإشارة، ويعمم هذا القرار على جميع أبناء القرية الكونية، فيصبح “الأخضر” للوقوف، و”الأحمر” للسماح بالمرور··!

لن يتغير شيء، سوف نعتاد على هذه الأوامر المرورية، فمن أعطى هذا الحزم والمنع “للأحمر” والسماح (أو السماحة) للأخضر سوانا!

في أثناء وقوفك أمام الإشارة الحمراء، تساءل: ماذا يثير هذا اللون في نفسك كلما اقتربت·· وخففت سرعتك·· لتتوقف أمامه؟

انتباه، خطر، ضيق، ملل، و”الأخضر” وما يترك في نفسك من أحاسيس: انفراج، راحة، تخلص···

مشاعر وقتية، تتجمع كرأس الإبرة وتتلاشى بلمح البصر، لا ننتبه إليها، لأننا ألفناها مع كثير من العادات اليومية الصغيرة·· لذا لم نفتش عن أسرارها·

نحن أعطينا الألوان معاني، وحملنا الكلمات مشاعر، وهواجس، ودلالات، حتى عاد من الصعب علينا أن نتأمل أصولها، وآثارها التي تتركها في نفوسنا، فلم يعد بإمكاننا إبطال مفعولها·

فكلمة “حامض” تسيل لعابنا، و”المر” تجفف حلوقنا، وكلمة “حب” ترشنا برذاذ مطر، و”الحسد” و”البغض” و”الكراهية” تقبض نفوسنا، ولكل كلمة في قاموسنا وخزة في جسد المعنى، ولها خلطتها في كيمياء النفس·

قلنا الألوان، والكلمات، ونضيف - الى ما لا حد له - كثيرا من العناصر البيئية المحيطة بنا، مثل الظواهر الطبيعية، فللمطر أياد سحرية تحفر في أرواحنا البهجة، وإن اختلف عنا أهالي الجزء الشمالي من القرية الكونية في مدلولات المطر!

كثيرا ما نأخذ موقفا حتى من الأسماء، حبا وكرها أو استحسانا وامتعاضا، قد تكون خبراتنا الخاصة قد صبغت بعض الأسماء بانطباعات، وركبت عليها وجوها قد تكون غائبة عن ذاكرتنا أو متوارية في زواياها، فما يثيره اسم عبدالهادي، عبدالرحمن، عباس، إبراهيم، سيف، محمد، في نفس أحدنا، يختلف في شكل الإثارة عن الآخر·

***

هناك قصة فلسفية معروفة، تقوم حبكتها الافتراضية على وجود مجموعة من البشر، ولدوا وعاشوا فترة طويلة من الزمن في جوف كهف، سقفه على مستوى الأرض، لا ينفذ إليهم سوى خيط من الضوء، يرسم هذا الضوء قامات البشر المارين بقربهم، لكنه يقلب ظلالهم على جدران الكهف، فآمنوا بما رأت أعينهم، وفي لحظة المواجهة مع العالم الخارجي تفاجؤوا بشكل القامات المستقيمة، وظلوا على إيمانهم يعتقدون أن “الناس تمشي بالمقلوب”!!

***

فالبشر على ما اعتادوا من إيمان سواء بالظواهر الطبيعية، أو الألوان، أو الكلمات (التي نقشوها بأنفسهم)، أو العقائد، أو السلوك·· قليل من يستهويه الشك في المشاهد الثابتة، فيحرك بعض عناصرها، أو يرفع بعض أحجارها·· علّه يجد تحتها الحقيقة الغائبة· رحلة شيقة هي البحث عن الحقيقة، وتتبع آثار خطواتها، أمتع ما فيها “المحاولة والخطأ”، حتى وإن امتلأت عقولنا بالكدمات·

فمن قال إن الآخر “يمشي بالمقلوب”، بعد أن أطلنا المكوث في كهوفنا، وآمنّا باعتدال قاماتنا؟

ومن قال إن كلماتنا وأسماءنا لا تحتمل معاني أخرى؟

ومن قال إن الإشارة الحمراء تعني “الوقوف”·· سوانا!

nashmi@taleea.com

طباعة  

دراسة
 
كتاب
 
المرصد الثقافي