كتب المحرر الثقافي:
حسن خضر شاعر شاب من الجيل الذي “يتحدث مع غائبين”، تورط في هذه اللعبة المسلية - في بادئ الأمر - أرعبته تلك الوجوه بكثرتها، وازدحامها حول رأسه، فتألقت بالحضور، وبادلها الغياب· احتشدت حوله قبائل من أنفاس غائبة، مغيبة، مهمشة، منسية، فاعتادها - أخيرا - تهيألها، وهيأ عالمها - وعالمه الخاص - بالحوارات الخفيضة، والحيية، العميقة بلؤمها·
شاعر أبدع بناء بيته “النثري” ليسع كل هؤلاء الضيوف: وجوه أخفت نصف ملامحها خلف غبار، حياة يومية سريعة الوقع سرقت الخطوات، تفاصيل صغيرة اشترطت مجهر شاعر، وشؤون منسية “على عتبات سلم”··· فازدحم الـ “خضر” وبيت مخيلته بالكائنات:
نفوسنا
التي تدفعنا الى فعل أشياءٍ
تبدو جميلة
ثم نندم
دون أن نكفّ عن فعلها
لنندم من جديد
يطل حسن خضر من شرفة التأمل الى داخله، فهاله - بالطبع - ما رأى، يحدثهم، أو يفتعل حديثا معهم، يحرث، يفتش في تربة حياتهم عن ذكرياته، يتوقف أمام مرايا “العادي” ليضع منه وجها آخر جديدا، يرى أو يتراءى له·· لا يهم، يستمر يدور في متتالية “اليومي”، لا يكف عن الدوران·· ولا يكف عن “الندم”:
نفوسنا الحرة
التي تعب الآباء من إعادتها
الى الأدراج
وأشفقت الأمهات على بياضها من الأتربة والآخرين
فذهبت بنا الى الحب والشعر والسعال
يا لها من نفوس مرهقة وضالة
يالنا من تعساء حقا··
نحب الحياة
ولا نملك غير هذه النفوس
يجمع حسن خضر “جماجم” الماضي، ليدفنها في مقابر النسيان، ليبدأ من جديد، حياة أخرى، بعد تصفية حسابه، أو “تصفيره” من الذكريات·· فهل ينجح في “جنايته”؟ أم أراد بفعله التدميري لعبة يتسلى بها الى حين، ويورثها أطفاله:
أدرب أطفالي أن يحرقوا - كل صباح - حزمة من الشرايين واللغة·
وفي المساء، تحت ضوء شرور أعينهم بعد أن أفقأ فيها الشفقة، آكل ثدي أمهم، الوديعة
زوجتي
إنني أربي أطفالا بأسنان لا تصدأ أبدا
في المستقبل
يستطيعون بلا ندم
أن يدبروا ميتات
أكثر جاذبية من حياتهم
في قصيدة “وحيدة ترعى الصبّارات”، يقترب حسن خضر أكثر من الغائبين، يدير حوارا معهم، الغائبون الذين لم يعصمهم من حقيقة الغياب سوى خيط، علق وجوههم وأيامهم على حائط:
بعد كل هذه السنوات
تأكدت من أنكم لن تعودوا
ولن يحدث ما أريد
أن تزيد نبضة
أو تغيب نبضة
عن دورها
فأموت
يستمر خضر في حواره / غيبوبته، يتقمص قلب أم أتعبها الفقد، يلجأ الى “حلاوة” الوهم، يقعده على أريكة الصالة في منزله المليء بأشباحهم، وبعيدا عن مرارة الواقع·· يهذي:
ثم خرجتم الى الصالة ترشفون الشاي
في دعة أناس فارغين من وتر الحياة
لكنكم - قبل أن تصعدوا الى صوركم
كل ميت في مكانه -
أنجبتم دمى في البيت
وأنا سميتهم: أحفادي
حيلة نفسية أخرى، يتناولها الشاعر كقرص مهدئ، حين يتداوى الشاعر بفكرة “الحلول”، أو “تناسخ الأرواح”، عله يخلق - حين يختلق - حياة جديدة، ونبضا لتلك الأرواح التي نديت أذنه من حرارة أنفاسها!:
ضجيج الناس على المقهى المجاور
يؤنسني،
يبقيني حية لنهار جديد
سمعت أن الموتى يعودون في هيئات مختلفة
وبأسماء جديدة
لها الأرواح نفسها··
شاعر يحترف الوهم، إنما بشعرية عالية، أثث عناصرها الفنية باقتدار، حين اجتمع له التركيب اللفظي، وصفاء المعنى الشعري:
لا أحفظ كل وجوه الناس على المقهى
أستأنس وجها
وجهين على الأكثر
فربما تكونون أحياء طيبين
ولو في هيئات مختلفة
وبأسماء جديدة·
وفي قصائد أخرى، ضمنها المجموعة الشعرية “دائما يتحدث مع غائبين”، ينجح حسن خضر في قصائد الومضات مثل “الوحدة التي لا نختارها تحديدا”، و”قصة سلم قديم” وغيرها، حيث تركيز الفكرة، وتكثيف الشعر·
صدر للشاعر - عدا هذه المجموعة - “عطر ميت” عام 1998، وله تحت الطبع “قصائد أولى” ورواية “لولا”، وبذلك استطاع حسن خضر أن يشكل لونا شعريا، خاصا به، ضمن مبدعي جيله من شعراء قصيدة النثر·