
· ميتسناع شخصية متوازنة لكنه يواجه هزيمة مرجحة
· الانتخابات المقبلة هي الأولى التي تخاض حول شعار الأراضي أم السلام
في التاسع عشر من نوفمبر، استطاع عمرام ميتسناع، وهو جنرال سابق في الجيش الإسرائيلي يعمل الآن عمدة لمدينة حيفا، أن يلحق هزيمة قاسية بجنرال آخر متقاعد هو بنيامين بن أليعازر الزعيم المنتهية ولايته لحزب العمل ووزير الدفاع سابقا في الانتخابات التمهيدية (الحزبية) لحزب العمل· لكن سيواجه ميتسناع جنرالا آخر وهو خصمه القديم أرييل شارون عندما تجري في إسرائيل انتخابات عامة للكنيست في الثامن والعشرين من يناير في العام 2003·
كان الصعود الصاروخي لميتسناع من هامش السياسات في حزب العمل الى قمة الحزب يعود الى وعده بإحياء عملية السلام مع الفلسطينيين أيا كانت القيادة التي يختارون بما في ذلك قيادة ياسر عرفات، وفي تكرار لمواقف ديفيد بن غوريون (أول رئيس وزراء لإسرائيل) وعد ميتسناع أيضا بالتفاوض كما لو أنـــه ليس هــناك أي إرهاب وبمحاربة الإرهاب وكما لو أنه ليس هـــناك أي تفاوض· وتعهد ميتسناع أنه إذا أخفقت المفاوضات فإنه سيخرج إسرائيل من معظم الأراضي المحتلة وذلك من جانب واحد بموعد أقصاه سنة واحدة من تاريخ انتخابه وذلك لإخلاء قطاع غزة والخليل·
بسبب هذه المواقف، صار ميتسناع شخصية عظيمة التأييد لدى الإسرائيليين الليبراليين، واليسار المحترف والصحافة الداخلية والأجنبية مع اقتراب الانتخابات· فهو محبوب ومحترم سواء من جانب كبار الأقطاب من رجال الأعمال الذين يقفون وراء ترشيحه “الذين خدمهم بصدق باعتباره رئيسا لبلدية حيفا” أو من جانب أبناء الأحياء الفقيرة الذين سيصوتون لشارون حتما· وهذا الجو ربما يكون تذكيرا بالسباق الانتخابي الرئاسي بين نيكسون وماكغفرن في عام 1972 إلا إذا كان المرشح الجمهوري بدلا من نيكسون هو باري غولد ووتر أو الجنرال كورتس ليماي الذين كانا قرينين انتخابيين “لمنصب نائب الرئيس” لجورج والاس عام 1968· إن شريحة واسعة من الرأي العام الإسرائيلي تبدي إعجابها بتماسك شخصية ميتسناع، مثل كثير من الأمريكيين عبر الطيف السياسي الذين كانوا معجبين بالمرشح الديمقراطي جورج ماكغفرن في عام 1972· لكن مثل ماكغفرن، فإن ميتسناع يتجه الى هزيمة محققة لسببين رئيسيين: الأول هو الطبيعة الاجتماعية لحزب العمل، والثاني هو الشعبية الهائلة لأرييل شارون·
شهرة التماسك
ترقى ذكرياتي الأولى عن عمرام ميتسناع الى العام 1966· ففي ذلك الحين كان ملازما أول في الحادية والعشرين من عمره ونائب قائد سرية في كتيبة مدرعة كنت أخدم فيها باعتباري مجندا شابا·
وعشية عيد الفصح، وهو أهم عطلة يهودية وأهم مناسبة عائلية يهودية، حدثني ميتسناع عن أساس بعض أتفه الأشياء في الانصباط العسكري، ولم يكن هناك أي شيء استثنائي في هذه القصة ما عدا أن أبي كان في ذلك الوقت ميجور جنرال في الخدمة الفعلية، وأن قلة فقط من الملازمين في الجيش الإسرائيلي (أو في أي منظمة عسكرية) كانت تخاطر بإثارة غضب جنرال في الجيش·
كانت الشخصية المتماسكة والنزاهة والجدية والاحترافية القصوى علامات فارقة للسيرة العسكرية لميتسناع· فعندما كان في عام 1982 ميجور جنرال يتولى رئاسة كلية القيادة والأركان في الجيش الإسرائيلي، قدم ميتسناع استقالته احتجاجا على سلوك شارون في حرب لبنان وعلى طريقة تعامله مع مجزرة صبرا وشاتيلا· وقد أقنع رئيس الوزراء مناحيم بيغن الميجور جنرال ميتسناع بالتراجع عن الاستقالة، ثم صار قائدا للمنطقة العسكرية الوسطى بسلطة تشمل الضفة الغربية “أي المنصب نفسه الذي خلف فيه رئيس الوزراء السابق ايهود باراك” وكان ذلك في السنوات الأولى للانتفاضة الفلسطينية “الأولى” وبدلا من الرضوخ لأوامر المستوطنين اليهود الذين يعتبرون الأسياد الفعليين للقيادة العسكرية الوسطى بشأن كيفية التعامل مع الانتفاضة، استقال ميتسناع من منصبه· وبذلك، يقدر بعض الخبراء أن ميتسناع تخلى عن فرصة حقيقية ليصبح رئيسا لأركان الجيش الإسرائيلي، أعلى منصب عسكري·
بعدما جربت إسرائيل الانتخاب المباشر “الشعبي” لرئيس الوزراء ونتائجه الكارثية - بدءا من بنيامين نتانياهو مرورا بايهود باراك وانتهاء بأرييل شارون - عادت إسرائيل الآن الى النظام البرلماني الحصري الذي يختار فيه الناخبون الأحزاب السياسية لا المرشحين الأفراد· وحزب العمل، والحق يقال، كان ينبغي أن يعيد تسمية نفسه “حزب رأس المال” لما كان يمثل “النخب القديمة” - قدامى المحاربين، اليهود الغربيين “الاشكيناز” والطبقة الوسطى المرفهة التي تشهد انحدارا سريعا لأسباب ديموغرافية واقتصادية· وحتى يفوز في الانتخابات، ينبغي أن ينال حزب العمل دعم المواطنين الفلسطينيين الذين يشكلون عشرة في المئة من الكتلة الانتخابية في إسرائيل· وكان دعم الفلسطينيين هو سبب فوز مرشحي حزب العمل الوحيدين “الناجحين” منذ عام 1973 وهما اسحاق رابين وايهود باراك· لكن حزب العمل أغضب المواطنين الفلسطينيين تماما عندما قتلت الشرطة الإسرائيلية في عهد رئاسة باراك للحكومة 13 مواطنا عربيا خلال تظاهرات رافقت اندلاع الانتفاضة الحالية في أكتوبر من عام 2001· وقد أدت ردة الفعل العربية بمقاطعة انتخاب رئيس الوزراء في فبراير من عام 2001 الى تمكين شارون من الفوز في الانتخابات بانتصار “كاسح”·
شخصيا، يتمتع ميتسناع باحترام المواطنين الفلسطينيين “الإسرائيليين” لأنه وقف في أكتوبر من عام 2000 بجسده بين الشرطة الإسرائيلية والمتظاهرين العرب في حيفا فساعد في تفادي حمام دم كالذي حصل في القرى العربية· لكن يبقى مشكوكا فيه أن يتحول هذا الاحترام الى أصوات عربية لحزب العمل في صناديق الاقتراع، وفوق ذلك، هناك تشريع صادق عليه الكنيست في الجو الهستيري خلال العامين الماضيين يسهل كثيرا منع الأحزاب العربية والمرشحين العرب الأفراد من خوض الانتخابات العامة· وإذا استعمل اليمين هذا القانون للطعن في أهلية واحد أو أكثر من الأحزاب العربية، كما هو مرجح حتما، فقد يرد الناخبون الفلسطينيون على ذلك بمقاطعة الانتخابات· ومن شأن امتناع العرب عن التصويت بصورة كثيفة أن تصيب ضربة قاتلة كتلة اليسار التي يمكنها منع شارون من الحصول على ائتلاف أغلبية في الكنيست بعد الانتخابات (وهذا غرض التشريع الأخير فعلا)·
السلام من خلال العولمة
يحتار أغلبية المعلقين السياسيين من حقيقة مفادها أن أرييل شارون الذي انحدر بالمجتمع الإسرائيلي الى أدنى مستوى في كل مجال يتمتع بشعبية عظيمة بين الناخبين· والتفسير الأكثر انتشارا لمكانة شارون العالية هي اليأس العميق بشأن الأمن والصورة الأبوية التي أضفاها على نفسه على رئيس الوزراء الليكودي· لقد كان شارون حقا تكتيكيا لامعا، لكن شعبيته تضرب جذورها عميقا في صورته الأبوية، وجذورها تتصل بالانهيار التام لعملية السلام من خلال العولمة والعكس بالعكس التي اتبعها حزب العمل من عام 1993 حتى عام 2000·
تاريخيا، تستند قوة حزب العمل الى اقتصاد نشيط جدا، يجري التحكم فيه بإجراءات متكافئة من جانبي الحكومة والاتحاد العام لعمال إسرائيل (الهستدروت) والهتسدروت هو مظلة سياسية - اقتصادية لحزب العمل على النمط الغربي “وإن كان باختلاف كبير” وفي حين أن الاقتصاد الإسرائيلي لم يكن في أي يوم اقتصادا اشتراكيا، فإن المكاسب الاقتصادية لم تكن خلال سنوات كثيرة الاعتبار الوحيد الذي يحدد السياسة الاقتصادية· فالاعتبارات الوطنية وفي طليعتها الحاجة الى التشغيل الكامل للقوى العاملة اليهودية كانت تعمل على تقييد حافز المكاسب، ومع النمو الاقتصادي السريع الذي بدأ بعد عام 1967 ازداد الضغط السياسي لـ “ترشيد” أو لَبْرلَة الاقتصاد·
وهذا الزخم الليبرالي الجديد وجد تعبيره السياسي في “الحركة الديمقراطية للتغيير” وهي حزب يركز على قضية واحدة فاز بـ 15 مقعدا في انتخابات الكنيست عام 1977 فأنزل حزب العمل الى الأسفل وسمح لليكود بالوصول الى السلطة للمرة الأولى·
بعد فوزه بالانتخابات، أطلق الليكود مبادرتين سياسيتين كبيرتين: التحرير الاقتصادي والسلام مع مصر· وفي حين كانت الأولى تتفق مع مبادئه السياسية، فإن الثانية جاءت مفاجأة تامة· فقبل وقت غير طويل من ذلك، تعهد بيغن أنه عندما يحين وقت تقاعده سيقيم في مستوطنة ياميت التي أنشأتها إسرائيل في صحراء سيناء· ويكمن تفسير هذا التناقض في التقاء سياستين: التحرير الاقتصادي المطلوب، باعتباره شرطا مسبقا، وخفض إنفاق الدولة، ومنه الإنفاق في النزاع العربي - الإسرائيلي·
وقد تبين أن سياسة الليكود السلمية أكثر نجاحا من سياسته الاقتصادية، وقد عارض الهستدروت، الذي أخفق الليكود في السيطرة عليه عندما سيطر على السلطة، التحرير الاقتصادي بكل قواه، وكانت النتيجة الملموسة الوحيدة لجهود التحرير الاقتصادي هي معدل تضخم بلغ 450 في المئة سنويا بحلول العام 1985·
وعند هذه النقطة جاء حزب العمل حتى ينقذ الوضع، وتبينت حكومة الوحدة الوطنية التي ترزسها شيمون بيريس واسحاق شامير سياسة تقشف اقتصادية جديدة ذات إجراءات قاسية ضد التضخم وتحرير اقتصادي واسع· وقد أدت حكومة الوحدة الوطنية الى إخراج إسرائيل من لبنان “جزئيا” حيث ورطها في مستنقعة أرييل شارون منذ عام 1982·
حسابات شارون
بانتخابه رئيسا للوزراء في فبراير من عام 2001 برزت المهارة التكتيكية لشارون بأجلى صورها· وباستغلاله الانتهازية السياسية لعدد من الشخصيات البارزة في حزب العمل وفي طليعتها حامل جائزة نوبل شيمون بيريس، مضى شارون نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية فضمن بذلك تغييب أي معارضة جدية لسياساته في الكنيست، ومع تضعضع الرأي العام الليبرالي بفعل خرافة “العرض السخي”، وبفعل العمليات الانتحارية وجد شارون الساحة خالية له وحده، وفي ما يشبه حصول “ضربة حظ” تحولت الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر من كابح لشارون الى مهلل لتنفيذ خطته، أي إعادة احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وتدمير السلطة الفلسطينية وتصفية اتفاقات أوسلو·
وبحلول صيف 2002، استكمل شارون هذه الغايات، وصارت حكومة الوحدة الوطنية عبئا عليه عندما بدأ يفكر في تعزيز شعبيته لدى اليمين مع اقتراب الانتخابات التمهيدية لليكود· وكان بن أليعازر مشغولا بحسابات مماثلة بخصوص الانتخابات التمهيدية في حزب العمل وكانت ميزانية الدولة للعام 2003، وهي ميزانية ذات بنود تقشفية اجتماعية قاسية هي الأصعب في تاريخ إسرائيل، فرصة مناسبة لكلا الزعيمين حتى يختار كل منهما طريقه· وطبيعي، أن حسابات شارون كانت الأصح، في حين أن حسابات بن أليعازر ارتدت عليه· وبعد انهيار حكومة الوحدة الوطنية في إسرائيل، دعا شارون الى انتخابات مباشرة فورية تقريبا فحرم بن أليعازر ونتانياهو معا فرصة الاستعداد جيدا للانتخابات التمهيدية في حزبيهما·
الأراضي مقابل السلام
الغريب أن الانتخابات العامة المقبلة ستكون الأولى في تاريخ إسرائيل التي تخاض حول قضية الأراضي مقابل السلام· وقد تلقى ترشيح ميتسناع تعزيزا من أوساط رأس المال في إسرائيل الذي نزلت به خسائر فادحة عائدة الى الخراب الاقتصادي الذي تسبب به اقتران الأزمة العالمية وهروب كل شكل من رأس المال الأجنبي “وبعض رأس المال الداخلي” بما في ذلك السياحة بفعل النزاع المتجدد، وقد فاز ميتسناع بالانتخابات التمهيدية باعتراضه على المنطق الشائع، وبصوغ مواقفه السلمية المتماسكة بجلاء يبدو أنه مصمم على الثبات في هذا النهج طيلة الحملة الانتخابية· أما شارون فيختبئ وراء دعمه الضعيف “غير الصادق” لـ “دولة فلسطينية” ورغبته في تقديم “تنازلات مؤلمة” من أجل السلام، لكن الجميع يدرك أن إعادة انتخاب شارون لا تعد بشيء غير ما يفعل الآن·
والغريب، أن إخفاق شارون الذريع بتحسين أمن إسرائيل وأمن الإسرائيليين في الداخل والخارج قد يساعد حقا في إعادة انتخابه·
لقد أشار المعلقون المتفائلون الى حقيقة مفادها أنه في كلا الحزبين الرئيسيين، وحتى في داخل الحزب القومي الديني المتطرف، فإن مزيدا من المرشحين المعتدلين، أو على الأقل أولئك الذين يتظاهرون بالاعتدال، فازوا بالمنافسات الحزبية الداخلية· ويقول هؤلاء إن ذلك يشير الى أن الرأي العام يميل تدريجيا نحو اليسار· وهذه الملاحظة قد تكون صحيحة بصورة عامة، مع انتشار اليأس داخل المجتمع الإسرائيلي· لكن في الفترة القصيرة جدا من الآن حتى الثامن والعشرين من يناير، فإن هذا التحول في العواطف السياسية ليس من المرجح أن يسفر عن أي تغيير مهم· والسؤال الوحيد الآن هو ما إذا كان ميتسناع يملك “لاحقا” سلطة البقاء في الكنيست باعتباره زعيما للمعارضة فيجد شارون نفسه، على الأقل، في مواجهة صوت قوي متماسك ناقد وهو يمضي في خططه لإخضاع الفلسطينيين بصورة تامة·
يوعاد بيليد
Middle East Researsh and
Information project