
كتب ملاك نصر:
ما زالت دول الخليج تيمة مشتركة بين أفلام سينمائية مصرية وعربية، باعتبارها رمزا لمجتمع الماديات!! هكذا يقدمونها وهكذا يقدمها فيلم صاحب صاحبه، الفيلم الجديد لمحمد هنيدي·· فهل يمكن أن تصمد الصداقة أمام الماديات التي تطحن كثيرا من أبناء الطبقة المتوسطة المتآكلة الآن في الوطن العربي؟ فما الذي يحاول تقديمه هذا الفيلم؟ وهل السر في الطموح المادي وجود دول الخليج، أم في النفوس؟!
هذا الفيلم، الذي أخذ عنه محمد هنيدي أجرا قدره خمسة ملايين جنيه، وحقق الفيلم إيرادات وصلت الى 55 مليون جنيه، رغم ضعف مستواه الفني في بعض أجزائه، تدور قصته حول قيمة الصداقة المفقودة في زمن الماديات الذي نعيشه·· وهي صداقة يحتاجها أصحاب الطبقة المتوسطة المتآكلة حاليا في كثير من المجتمعات العربية بفعل ظروف اقتصادية وسياسية صعبة·· وبالتالي يصير “المال” أو الماديات بشكل عام القيمة الأعلى الآن، التي قد تهدد الصداقة بين أفراد تلك الطبقات المتوسطة·· هكذا يخبرنا الفيلم، الذي يجمع بين صديقين هما جاد (محمد هنيدي) وأسامة (أشرف عبدالباقي)، حيث تجمعهما صداقة حميمة منذ الطفولة، بل يجمعهما تقريبا مصير مشترك، منذ الزمالة في المدرسة الواحدة، والسكن في المنزل الواحد، وصولا الى المرحلة الجامعية، حيث جمعهما معا معهد التربية الموسيقية ولأن “المادة” هي المحدد الأول الآن لكثير من العلاقات في شكلها ومصيرها، يظهر الفيلم الفارق بين شخصية كل من الصديقين البطلين للقصة، فالأول وهو “جاد” بخيل يحلم بالثراء والثاني “أسامة” لا يعير اهتماما للمسائل المادية التي تطحنه أحيانا·· وهنا تأتي المفارقة الأساسية بين الشخصيتين في الفيلم، وبالتالي المواقف المختلفة المتباينة بينهما·· فبعد التخرج من معهد التربية الموسيقية تأتي فرصة الإعارة لإحدى دول الخليج لكلا الصديقين·· لكن لاختلاف المنظور للمادة لدى كل منهما، وللظروف العائلية، يقبل “أسامة” (أشرف عبدالباقي) أن يضحي لأجل صديقه “جاد” (محمد هنيدي)، ويبقى في مصر، لكي يرعى أسرة “جاد” في أثناء غيابه في الخليج·· وهنا تأتي دول الخليج، باعتبارها المعادل الموضوعي دائما لحلم الثراء والماديات والرفاهية في أذهان وخيالات شباب الدول العربية الأخرى، والتي استخدمها صناع أفلام تلك الدول مرارا وتكرارا، مؤكدين على أهمية قيم أخرى يجب المحافظة عليها لدى الشباب الطامحين الى العمل بتلك الدول، وكأن هناك تضادا مستمرا دائما بين تلك الدول والقيم الأخرى!! هكذا تبدو الأمور في كثير من الأفلام التي تناولت ظاهرة السفر الى دول الخليج، وهكذا يأتي فيلم “صاحب صاحبه” ليؤكد النظرة نفسها·· والدليل يأتي من تتابع أحداث الفيلم، عندما يسافر “جاد” الى الخليج لجمع المال، ويترك والدته مع صديقه أسامة ليرعاها، ولكن من شدة بخله ووجوده في منطقة الخليج، لم يحضر الى مصر في الإجازات، لكي لا ينفق ما جمعه من مال! بل إنه لم يرسل الى والدته أي مبلغ من المال، فقط 58 جنيها شهريا! وبعد أن ضاقت الحال بها وبالصديق أسامة الذي يرعاها، لا يجد حيلة لاستدعاء صديقه حالا الى مصر من الخليج، سوى أن يطلب من الوالدة ادعاء المرض الخطير لكي يحضر الابن بعد غياب خمس سنوات!
وبالفعل يستجيب الابن “جاد”، ويحضر، يكتشف أنها بلا أي مرض! وتنكشف حيلة صديقه “أسامة”، الذي يحاول محاولات عدة بحيل عدة في إثناء صديقه عن العودة الى الخليج مرة أخرى، ومنها ارتداء ملابس امرأة خليجية وادعائه أنه (زوجة) صاحب العمل الخليجي الذي يعمل لديه صديقه “جاد”! أو أنه يدعي المرض الخطير في المخ ولن يعيش إلا أشهرا عدة فقط، فيحاول الصديق البخيل تلبية كل طلباته بدءا من توطيد العلاقة بينه وبين حبيبته الثرية (ريهام عبدالغفور) ابنة المليونير المعروف وتاجر النعام، وانتهاء بدفع كل ثروته “نصف مليون جنيه” مهرا لها، لكي يتزوجها! ومع فشل كل محاولات الصديق الوفي (أسامة) لإثناء صديقه الحميم (جاد) عن السفر مرة أخرى، يأتي السؤال: هل تنتهي القصة بعودة جاد الى بلاد الخليج؟ أم أنه يستجيب لنداء الصداقة والالتزامات الأخلاقية الأخرى تجاه أمه وصاحبه؟!
§ كوميديا الصداقة·· تعتلي الموجة الجديدة
رغم كم الضحك الموجود في فيلم “صاحب صاحبه” لوجود نجمين في الكوميديا هما محمد هنيدي وأشرف عبدالباقي، وهما من فرسان الموجة الجديدة من الأفلام الكوميدية التي يقوم بها نجوم شبان صاروا نجوم شباك من الدرجة الأولى، نقول رغم كم الضحك في الفيلم، فإن المعايير الفنية المتعارف عليها عند كتابة السيناريو أو الإخراج لم تعد واضحة المعالم في أجزاء مختلفة من الفيلم·· فالسيناريست الناجح ماهر عواد صاحب مدرسة الفانتازيا الساخرة لم ينجح كثيرا في التركيز على خط درامي واحد للفيلم وهو المفروض أن يكون إظهار المعنى الراقي للصداقة في زمن الماديات الصعب، وذلك بسبب انشغاله بخلق المواقف الكوميدية الكثيرة لكي يقدم جرعة ضحك عالية على حساب التركيز على مضمون واحد على طول خط الأحداث·· بل حتى قصة الحب بين البطل المعدم وبين حبيبته الثرية بمالها من تداعيات الآن وإسقاطات كثيرة على واقع صعب يعيشه الشباب في كثير من البلاد العربية، حتى هذه الجزئية·· لم يعطها المخرج كثافة أعلى، انشغالا منه بجرعة الكوميديا! وكأن الفيلم يقدم لنا كوميديا الصداقة، لاعتلائه أو لضمان اعتلائه الموجة الجديدة من الأفلام الكوميدية! بل إن الفيلم يقدم “اسكتشات” كثيرة كوميدية للأطفال! وكأنها محاولة لاستشعار رد فعل الجمهور قبل تقديم فيلم جديد للأطفال من هنيدي والمخرج كما أُعلن من قبل·
النقطة الثانية الجديرة بالذكر أن فكرة الإعارة أو العمل في دول الخليج أصبحت فكرة مستهلكة كثيرا في الأفلام المصرية بشكل خاص، وبالتالي لم يحاول الفيلم تقديمها بتناول جديد إذ لا بد من اتخاذ دول الخليج مسرحا دائما لمجتمع الماديات وهو المجتمع الحلم لملايين الشباب العربي!! أيضا فكرة تضحية الصديق بحبيبته لأجل صديقه فكرة مســـتهلكة أيضا ولم تقدم الجديد·
أما النواحي الفنية في الفيلم، فالمثير للدهشة حقا أن أشرف عبدالباقي كان يبدو في أدائه الكوميدي متهيبا لوجود محمد هنيدي، فلم يطلق كل طاقاته الفنية! كما لو كان يجامله باعتباره بطل العمل! لكن ريهام عبدالغفور قدمت دورا رائعا في حدود السيناريو المكتوب، وهي تلعب دور الحبيبة الثرية للبطل “شابينام”·· أيضا الموسيقى التصويرية لخالد حماد كانت معبرة عن المواقف المتباينة في الفيلم·· والمخرج سعيد حامد لم يكن في أحسن حالاته، لانشغاله كما قلنا بجرعة الكوميديا في الفيلم أكثر من أي شيء آخر!