تصدرت صور " الخميس الدموي" في الشرق الأوسط الصفحة الأولى في “واشنطن بوست” يوم 27 ديسمبر وشككت الصحيفة في مزاعم إسرائيل، أن قتل 9 فلسطينيين في يوم واحد لم يكن مقصودا، فيما غطت "هآرتس" الحدث في صفحاتها الداخلية، وخصصت صفحتها الأولى لفضيحة الفساد داخل حزب الليكود، وهو حدث اتخذ أبعاداً جديدة منذ أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية في 5 ديسمبر عن فتح تحقيق في مزاعم تقول أن "يوسي جيتوسار" وهو مسؤول سابق في "شين بت" ساعد عرفات في فتح حسابات بنكية في سويسرا، كما شرعت الشرطة الإسرائيلية في استجواب مسؤولي الليكود حول ما قيل عن تلقي أعضاء الحزب رشاوى مادية، وأخرى ذات طابع جنسي مقابل التصويت في الانتخابات الداخلية، التي تحدد لائحة مرشحي الليكود في الانتخابات المقبلة·
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الحزب ما زال يحظى بثقة الناخب الإسرائيلي خاصة عندما يتعلق الأمر بالشأن الأمني، لكن الأزمة الاقتصادية الخانقة وفضيحة الرشاوى، حدتا من تقدمه، وقبل أسبوعين كان المحللون يتوقعون أن يضاعف الليكود تمثيله في الكنيست من 19 إلى 35 مقعدا، ويفقد حزب العمل وحركة شاس الكثير من المقاعد·
وقد استطاع عمرام ميتسناع إنعاش اليسار من جديد، وإن لم يستطع النيل من مصداقية الليكود· والملاحظ أن الفارق بين سياسة هذا الأخير، وحزب العمل تجاه الفلسطينيين لم يعد بينا بسبب تشابه مواقف ميتسناع الأخيرة مع التوجه اليميني، وقبول شارون بالخوض في مشروع “خارطة الطريق” وإن كان خوضا بالأقوال دون الأفعال، بالإضافة إلى أن مفهوم "الدولة الفلسطينية" أصبح حاضرا بقوة·
مما سبق يتضح أن قبول شارون بخارطة الطريق الأمريكية كان تكتيكا سياسيا ليس إلا، ومحاولة للحد من الانتقادات التي تتهمه بالافتقار إلى استراتيجية دبلوماسية للخروج من المأزق الحالي، وما استمرار الولايات المتحدة في الكشف عن المزيد من التفاصيل المتعلقة بالمشروع إلا وسيلة لملء الفراغ، وليس هناك ما يشير إلى أنها تخطط لاستئناف المفاوضات، فقد عينت الإدارة الأمريكية مؤخرا "إليوت أبرامز" مديرا لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي، وهو من المحافظين الجدد المحسوبين على الصقور وبيروقراطي من الدرجة الأولى· ويبدو أن هذا التعيين جاء بقصد عرقلة جهود وزارة الخارجية الأمريكية بهذا الصدد، وبينما تتواصل الاستعدادات لشن حرب محتملة على العراق في الربع الأول من العام 2003، يتوقع أن تتسع شقة الخلاف بين واشنطن وباقي أعضاء اللجنة الرباعية (الأمم المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي) حول تطبيق "خارطة الطريق"، وباختصار فإن صعود حكومة يمينية في إسرائيل، واستمرار التخبط في الجانب الفلسطيني، إضافة إلى عدم التزام الولايات المتحدة إن لم نقل لا مبالاتها سيحول حتما دون التوصل لذلك·
وبغض النظر عما ستسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية في 28 يناير المقبل، فإن الضغط الشعبي سيستمر من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو ما لا يرفضه شارون لكنه قد يتعرض للضغط من نتانياهو لفرض شروط قاسية على حزب العمل فيما يتعلق بالفلسطينيين، بينما يؤكد زعيم هذا الأخير أنه لن ينضم إلى حكومة ائتلافية ما لم يتعهد شارون باستئناف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، دون قيد أو شرط والانسحاب من الأراضي الفلسطينية بعد سنة·
وجدير بالإشارة أن واشنطن تسعى جاهدة لعدم التدخل في الانتخابات الإسرائيلية، وإن كانت الإدارة الأمريكية تفضل شارون صراحة، ويقول الكاتب ويليام سفير في نيويورك تايمز: "إن الأجواء السائدة في البيت الأبيض تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تريد شارون الآن ونتانياهو لاحقا"· والواضح أن الحديث عن خارطة مؤجل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية وإن كان الأوروبيون يعتقدون أن تقديمها الآن يساعد في حشد الدعم لأي عمل عسكري ضد العراق، لكن شارون يؤكد أنه لن يقبل بها ما دام عرفات يجلس في الجانب الآخر من طاولة المفاوضات·
ويقول "دنيس روس"، مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى “إن على القادة العرب القيام بدورهم في تحقيق الأهداف الاستراتيجية لخارطة الطريق”، ويضيف في مقال له في لوس أنجلوس تايمز “أن الفلسطينيين والاسرائيلين على حد سواء يعتقدون أن السلام لا يمكن تحقيقه ما دام عرفات في السلطة”، لكنه يرصد ثلاث ثغرات في خارطة الطريق·
أولها: الالتزام بالأهداف الفلسطينية الاستراتيجية أي إنهاء الاحتلال وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة، وديمقراطية، وإغفال الأهداف الإسرائيلية والاستراتيجية في المقابل لأن ما تحتاجه إسرائيل لا يكمن في وقف إطلاق النار فقط بل في تخلي الفلسطينيين عن العنف نهائيا·
ثانيا: غياب أي إشارة فيها لمسؤولية الدول العربية التي يرى أن في مقدورها مثلا أن تمارس ضغوطها في سبيل استحداث منصب رئيس وزراء فلسطيني·
ثالثا: وجود عدة نقاط غامضة تسمح لكل طرف بمن فيهم أعضاء اللجنة الرباعية بتحديد التزامات كل جانب بما يخدم مصالحه·
ويرى محللون من مؤسسة العمل من أجل السلام في الشرق الأوسط المقربة من الفلسطينيين أن خارطة الطريق ليست سوى مبادرة جوفاء تشبه خطتي تينيت وميتشيل، ويعتبرونها مجرد محاولة لتليين موقف معارضي أي عمل عسكري ضد العراق، وتقول المؤسسة: “إن الشلل الدبلوماسي والتغيرات الدراماتيكية التي جاءت لصالح المستوطنين هيمنت على المشهد السياسي الإسرائيلي - الفلسطيني وأن اللجنة الرباعية أضاعت فرصة ثمينة للتركيز على جوهر الصراع، وهو النزاع على الأرض· ويلاحظ أن خارطة الطريق تبارك بشكل مبطن وجود مئتي مستوطنة يسكنها حوالي 400 ألف إسرائيلي، وإن كانت تؤكد على ضرورة تجميد سياسة الاستيطان·
وفي “واشنطن بوست” ظهر رأي مؤيد لخارطة الطريق، إذ ناشد السيناتور "جوبيدن" والسيناتور " تشاك هاجل" اللذان عادا لتوهما من الشرق الأوسط، الإدارة الأمريكية لدعم المشروع علنا، وعدم الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية لإطلاقها، واعتبر أنه يعزز موقف الإصلاحيين الفلسطينيين، ويشجع المعتدلين العرب، ويطمئن العالم العربي إلى أن واشنطن لا تزال متمسكة بحرصها على تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي رغم انشغالها بالمسألة العراقية·
ويدافع "آموس هاريل" في “هآرتس” عن السياسة الإسرائيلية خاصة فيما يتعلق بالهجمات التي يشنها الجيش الإسرائيلي ويقول أن تهديمه لـ 78 منزلا في الشهور الأخيرة شكل رادعا فعالا للأعمال الإرهابية· وقال: “إن مدينة نابلس المعروفة بإيوائها لأكبر عدد من المطلوبين لم تتمكن من إرسال إرهابي واحد إلى إسرائيل لمدة شهر وذلك بسبب مرابطة كتيبة المظليين فيها وفرض نظام منع التجول عليها، لكن عناوين الصحف في الأسبوع الماضي نسفت تحليل هاريل، عندما نقلت وكالات الأنباء خبر هجوم مقاتل من منظمة الجهاد الإسلامي على مدرسة دينية يهودية في مستوطنة "أوتفيل" في الضفة الغربية، إذ تبين أن المهاجم خرج من نابلس· لذلك يبدو أن الهدوء النسبي الذي يسود المنطقة يعود إلى رغبة الفلسطينيين في عدم دفع الشعب الإسرائيلي باتجاه اليمين قبيل الانتخابات الإسرائيلية، فإسرائيل يمينية بما يكفي لإثارة قلق بعض المعلقين الإسرائيليين مثل " عكيفا إلدار " الذي كتب في “هآرتس” قائلا: “إن إسرائيل لديها وزير خارجية يرفض رئيس الوزراء البريطاني استقباله فيما يفتح أبوابه للرئيس السوري بشار الأسد، ويعلن استعداده لاستقبال رئيس حزب العمل عمرام ميتسناع· ويضيف "إلدار" أن إصابة أحد موظفي الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى الهجوم العنيف الذي يشنه وزير الخارجية الإسرائيلي على مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة " تيري رود لارسن" قد يدفعان الأمم المتحدة لسحب موظفيها من إسرائيل كما فعلت من قبل في الصومال وأفغانستان، ولا ننسى أن وكالات الأمم المتحدة توزع المؤن على الفلسطينيين وأن الحكومة الإسرائيلية عاجزة عن توفير بعض الخدمات لأطفالها، فما بالك بإطعام أطفال غزة الذين يعانون أصلا من سوء التغذية، وعندما تنشر الصحف صور أطفال فلسطينيين جياع لن يتمكن بوش ولا المستشار إليوت أبرامز من دعم الحكومة اليمينية·
وقد تناولت "بوسطن غلوب" في عدد 24 ديسمبر موضوع التطرف الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء وأوردت عددا من العبارات المعادية للسامية التي وردت في الإعلام الفلسطيني الرسمي، وفي معرض حديثها عن اللهجة التي يستخدمها اليمين الإسرائيلي ذكرت أن الحكومة الإسرائيلية لطالما أحيت ذكرى "رحبعام زئيفي" وزير السياحة الإسرائيلي الراحل مع أنه كان يصف الفلسطينيين بالسرطان والقمل، وأضافت أن وزارة التربية في إسرائيل أوصت جميع المدارس بتعليم مساهمات زئيفي في الصهيونية في ذكرى رحيله· وقد أثارت هذه اللهجة المتطرفة استياء 800 أستاذ جامعي أمريكي بينهم الكثير من اليهود الذين أصدروا بيانا بعنوان "تحذير عاجل": الحكومة الإسرائيلية ربما تخطط لجرائم ضد الإنسانية"، ويخشى هؤلاء الأكاديميون أن تقوم حكومة شارون بطرد الفلسطينيين في غمرة الحرب ضد العراق· وأشاروا إلى أن الحكومة الحالية تضم أحزابا تدافع عن فكرة الترانسفير كحل للمشكلة الديمغرافية في إسرائيل، وقد نشرت الصحف مؤخرا تصريحات لعضوين في الكنيست "ميشيل كلينز" و " بيني آلون" اللذين اقترحا تهجير الفلسطينيين بالقوة، كما أن تصاعد التصريحات الديماغوجية العنصرية ضد عرب إسرائيل ينم عن خطورة الجرائم التي تخطط لها الحكومة الإسرائيلية·
· تقرير أسبوعي يصدره مركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية في جامعة الكويت·