الصدى الأعزل
استبرق أحمد
عبوس ذلك الطريق لم يسكن قلقي، حين وصلنا أخيرا لمبنى مهترىء كالح اللون، طلب مني أن أحمل متاعي، لأدلف لموطن الرائحة العطنة، النهارات والليالي ثغاء وأفق يحاصرني صداه بمسافات الخلاء، يأتيني سيدي كل أسبوعين يطمئن على “الحلال” ثم ينصرف دونما سؤال عني ودونما جواب عن معاشي·
تتوالى الفصول بأسقف مخنوقة، ساخطا أنظر لمزاحمة ذكر الماشية للإناث وتكوّر البطون، هنا الذكر وسيداي لا يألوان جهدا في حوز الإناث، وهناك تحت سماء قريتي لم يتزاحم أحد على أحد، حين تزوجت من كانت لي منذ الطفولة وأنجبت البنات لم يفكر بهن أحد حتى جاء عقد الثراء للقدوم لبلدان النفط تطالبوا عليهن واخترت الأفضل وانتظروا ولايزالون مجيء ألوانه الفلاح، لكنني عند ذكور الصحراء مازلت قابعا في لون الوحشة المدمي آكل لقيمات متربة لوحدي حتى جاء ذاك الرفيق في مساء مدلهمّ بوجه صامت بهيئة أهل قريتي الناحلة لاعبني شبهه، جعلني أتفيأ شجرة الذاكرة، بأوراقها الكثيفة باحثا عن صورته، شممت رائحة الطين فيه، همسات عصافير غبش الصباح الأخضر، لذة جرار ماء قريتي ومواسمها الطيبة· يتوالى قصر المسافة بيننا بعبور المساءات، بدأت أشجعه، بتنا رفاق حديث· قال لي يوما:
“حين غادرت قريتي حانت مني التفاتة واحدة لمنزلي البعيد، وأقسمت أن أبدد يباس أيام أبنائي سريعا،
هززت رأسي مواسيا ولم أبلغه أنني فعلت الشيء ذاته، توالت أحاديثنا نمضغ أشجاننا فيها، حتى جاءت ذلك الصباح، ارتبكت، همست له “سيدي هنا”، أسكنني الطمأنينة بهدوء ابتسامته، وأخذ يعمل معي، بات سيدي يلحظه كثيرا ويرقبني خلسة، تضاءلت أحاديثنا وقهقهاتنا العالية، تبين لي أن مطر همهماتنا أضحى يتسرب من ثقوب غرفتي الصفيحية الصدئة، ولمحت سيدي في الخارج يصيخ السمع لهطوله، قررت الصمت والعمل لكنني بت أخشى أن يزاحمني، عزمت أن أصرفه حين جاء بضحكاته، حزمت أمري وأبلغته بالخبر، رفض حججي، أمسك بيدي جعلني أتأمله بأناة، أخذني للخارج، همس باسمي، نظرت للعتمة أبصرت حزينا، أطلقنا رجلينا بعيدا أنا·· هو·· وجهي القديم·
أكتوبر - نوفمبر 2002
----------------------------
أجسام غريبة
نحدق في الغيوم نؤول أشكالها، نعيد تركيبها، نرسم قصصنا الصغيرة عليها، نعدّ ما نجمع من نقود “العيدية” مرارا، تقرص أختي أخي الصغير، أخرج رأسي من النافذة يلفحني الهواء، أغني تؤنبني والدتي منزعجة، أغلق النافذة، أعود للداخل·· تتوالى همهمات والدتي لوالدي
- لماذا نزورهم؟
- إنه واجب·
أنت تعلم أنه لا يهتم إلا بنفسه فلا تحزن بلقائه·
تصرخ أختي متذمرة من رائحة أخي فيلتصق بها مناكفا، أميل رأسي بين والدي أدسه بين مقعديهما، فأسمعها تقول··
- يظل منك··
تنتبه إلى رأسي بفضوله الصغير، تنظر لي شزرا، أقول:
- هما لا يكفان عن العراك·· ولا أستطيع سماع الأغنية·
يبتسم هو·· يرفع صوته مؤنبا لهما ويعلي من صوت المذياع، أسحب رأسي دون أن أنظر إليهما، أعود لإخوتي·
نصل·· نترجل من السيارة الضيقة نملأ الفضاء صخبا بحركة حبسناها طيلة الرحلة، تعدل أمي من هيئتنا، يتقدم أبي من الباب، يطرقه، يفتح، بعبارات خافتة الترحيب نجلس، يسأل عنه، ننتظر···
يحضر الرجل الكبير، ممتعضا يلقي سلامه في وجه أبي ليبدأ الصمت إلا من عبارات متناثرة·· وينصرف أبي بعيون تائهة وخطى مكلومة·
ذات عيد، همهم لوالدي وانصرف معه لغرفة أخرى، أسرّت لي ابنتهم الصغيرة بلعبها، وافقت والدتي بتردد، جذبتني، انسللنا للعب، وسرّب باب غرفتها الموارب على غرفة والديها بسر بيتهم···
- ألا يكف عن المجيء بالأعياد؟
- لا أعرف سببا لعناده
- أنت أخوه وذاك والده
- نعم ولكنه يظل ابن تلك المرأة· الساقطة
- وهل الفقر سقوط؟
- سيان، غريبة وفقيرة احتالت على أبي
- قد أخطأ والدك حين تزوجها··
- وكفر عنه·· لكنه يقتحمنا ليذكرنا بنسبه إلينا
ثم أردف:
- لكننا لن نراه مرة أخرى قد اتفقنا على أن يبلغه والدي فهو لن يقبل هنا أبدا
هزني الألم، ذهبت مسرعة، وجدته واقفا ينتظرني بوجه منطفىء، ألقيت وجهي في حضنه، احتضنني وانصرفنا بعيون مالحة تدفعنا أقدامنا الثقيلة نحو بيتنا·
ديسمبر 2002·