من قتل جار الله عمر··؟!
نشمي مهنا
قبل أيام اغتيل في صنعاء السياسي المعارض جار الله عمر (الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي) على يد أحد المتطرفين، بعد لحظات من إنهاء كلمته في أحد المؤتمرات· فمن كان وراء هذا الاغتيال؟
سأدعي هنا أنني أعرف القاتل الحقيقي الذي أسكت الصوت اليمني الجريء·
فلنعد الى بدء الحكاية:
قبل أسبوعين نقلت وكالات الأنباء، ومعظم الصحف العربية فعاليات حدث ثقافي مهم، فتحت محاوره على أرض “اليمن السعيد”، وكنا في “الطليعة” قد نشرنا تغطية مقتضبة عنه·
هذا الحدث هو عقد ندوة احتفائية للروائي الألماني غونتر غراس الحائز على جائزة نوبل للعام 1999، بمشاركة أدونيس ومحمود درويش ومجموعة من الكتاب والمثقفين اليمنيين والعرب، وكانت الندوة تحت عنوان “في البدء كان الحوار”·
تحدث الضيف الألماني غراس في أكثر من محور دار حول الحريات، والمرأة، والسياسة، وصراع الحضارات، والأديان، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والعمليات الاستشهادية، وكثير من القضايا، ولم تخرج مشاركات أدونيس ودرويش وحضور الندوة عن القضايا نفسها إلا مشارك يمني واحد، فاجأ الحضور بكسر “التابو” السياسي وقال:
- إن انتصار الشمال على الجنوب كان انقلابا اجتماعيا جعل كفة المحافظين والرجعيين راجحة·
- قانون الحكم الاشتراكي في الجنوب أعطى المرأة ما لم يعطها إياه النظام التونسي العلماني نفسه، وتمتعت في أثنائه بحقوق حرمت منها·
- حال المرأة أيام الحكم الاشتراكي كانت أفضل، ونصيبها من الحرية والحقوق أكبر بكثير·
ومن يعرف الشأن اليمني الداخلي وحساسية النظام من الحديث عن ماضي “اليمنين”، والتذكير بـ “جنة عدَن” قبل الوحدة يعرف جيدا أن هذا المشارك قد تعدى حدود المسموح به، وتجاوز خطوطا حمراء في المساحات الممنوحة للخلاف السياسي·
عدت الى الأرشيف للتأكد من اسم هذا المغرد خارج “نظام” الندوة، فلم يكن سوى جار الله عمر··!
المفارقة أن الضيف غونتر غراس كان يأمل أن يرى صاحب “القوارب الجبلية” الكاتب وجدي الأهدل (الذي رفعت بحقه قضايا الحسبة) قبل أن يغادر صنعاء، وقد صارح الرئيس اليمني علي عبدالله صالح بهذا الطلب ليلة لقائه به، ولم يدر هذا “النوبلي” المطالب بالحريات أن أحد محاوريه في الندوة سيتعرض بعد أيام للاغتيال بسبب ضيق الحريات·
هل يعلم غونتر غراس أنه أسهم - أيام زيارته - في حل مشكلة أحد الكتاب المغضوب عليهم، وفي الوقت نفسه كانت “تطبخ” مؤامرة اغتيال لمغضوب عليه آخر سياسي؟!
وهل يعلم هذا الضيف أن الحصانة “النوبلية” التي اكتسبها حضور ندوته لن تدوم طويلا، فمجرد ختام زيارته ستصفى حسابات؟!
لم يكن يقيس بمقياسنا العربي وإلا لكان أيقن جيدا حدود أجوائنا، وطبيعتها القبلية، والدينية، والسياسية، فلم ينتبه هذا الزائر (الذي أغرانا بممارسة الحريات) إلا لروائح التاريخ الشرقي الأسطوري، والطبيعة البدائية، ومزارع “القات”·· وكأنه يتجول في قرون وسطى، وهذا ما استهواه!
قتل جار الله عمر على يد أصولي، كان معتقلا في سجون السلطة، أفرج عنه أخيرا، وقبله قتل الشاعر الزبيري محمود البريكان على يد أحد المحكومين بالإعدام، وأفرجت - أيضا - عنه السلطة العراقية قبل أيام من مقتل البريكان!
بعد هذا·· هل مازلنا نتساءل من قتل جار الله؟
شجاعته وجرأته في القول في مناسبة افترض فيها الحصانة “النوبلية”؟ أم جماعات متطرفة آمنت بـ “في البدء كان الاغتيال”؟! أم السلطة؟
المنطق لا يبرئ أياً منهم·· لكنه يشير بإصبعه الى الأخيرة تحديدا؟!
nashmi@taleea.com