لا يُطاق الصحو في ذا البلد!
نشمي مهنا
كان فهد العسكر يشرب الخمرة··
وكان أن جرّب حرقة العشق··
وكان مشككا أكبر··
حقائق ثلاث يحاول النقاد والباحثون ومحبو العسكر نفيها، رغم سطوع شموسها في أفق حياته وشعره، محاولين لي أعناق القصائد الى ساحات أخرى، أقل وعورة، وأرحب تأويلا·
مرة استنساخا لهواهم، ورغباتهم، ومعتقداتهم، بدافع محب يتأمل وجه حبيبته فيتمناه مرآة صقيلة، أمينة في نقل ملامحه - هو -·· بلا خدوش! ومرة أخرى يُقرأ العسكر بقلب أمّ وقَعت على أسرار ابنها البكر، واحتسبتها خطايا يجب لفلفتها بالستر والكتمان!
فلا “ابنة الشيخ”، ولا ابنة الجار، ولا تلك التي صافحها العسكر مساء في “الأحمدي”، ولا ليلى، ولا دعد، هن برأي محبيه نساء· فلم يروا في كل هذا الحشد النسائي ملمحا لوجهٍ حقيقي عشِقه العسكر ذات يوم، فعدَّده· ولم يروا اسما واراه الشاعر خلف ظلال تلك الأسماء وفق العادة المتوارثة منذ أبينا امرئ القيس·
هل يعقل أن خولة، وليلى، ودعد، وهند، هن رمز تجريدي للكويت دائما؟ ألا تختلط الصورتان في مخيلة الشاعر في لحظة ما، فتكون ليلى هي ليلى الحبيبة فعلا، التي يبثها معاناته وشكواه وآلامه من “وطن” كدّر عليه صحوه؟!
يقول في إحدى قصائده:
بك بالشوق بالضنى يا جــــاره
اسعفيني بالكأس والسيجاره
يا ابنة الجار أرمض الصحو قلبي
وشجا خاطري وشق الـمراره
أشعلي تلك تارة واترعي مــــــن
خمرة الرافدين هاتيك تـــاره
في الأمسية الأخيرة التي أقامها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب لـ “منارات ثقافية كويتية” تحدثت الأستاذة الفاضلة د· نورية الرومي عن قضايا العسكر مع المرأة، والمجتمع، والدين، والتمرد، وإن جاءت ورقتها أكثر تركيزا على القضية الأولى، حيث محت الدكتورة فيها جميع الوجوه والأسماء النسائية وأبقت على وجه الوطن فقط، ومرت على بعض قصائده القصصية دون أن تتوقف عند الجانب الجمالي، والقيمة الفنية في حبك الدراما عند العسكر، والعوالم التي أبدعها في “سيناريوهاته” الشعرية، وحوارات ومشاهد “أخرجها” الشاعر في أكثر من موضع، لم نر أحدا يلتفت إليها، وسط محاولات دؤوبة لتبرئة ساحات “حبيبنا” العسكر!
قال مرة في إحدى قصائده، عارضا مشكلة اجتماعية (الزواج القسري) (قاتل الله أمها وأباها):
أمن العدل أن تُزف “ثريا”
لعجوز فأين أين فتاها؟
فهل كانت ثريا هنا هي الكويت؟
كنا نريد من الدكتورة الرومي أن تتوقف عند جماليات النص، والخبيء من لآلئه الدفينة كالشعر القصصي عند العسكر (مثلا) لتضيء عتماته - وهي المقتدرة - لا أن تقلده شهادات البراءة الثلاث (في المرأة، والخمرة، والمعتقد الديني)·
كأني به يهمس في أذن د· الرومي “أنا لا أعني الكويت” فيعيد ترديد:
فتقول لي والكأس خضّب كفها
إني لأهوى الضــم والتقبيـــــــلا
فأجبت: أخشى البدر يفشي سرنا
فاضفي علينــا شعرك المسدولا
ما أن أداعب نهدها بأناملي
حتى أطــوق خصرها المهــزولا
فتخالنا فوق الرمال ونحن في
سكر الغرام “بثينة” و”جميـلا”
جميعنا نحب العسكر، كل بطريقته، وبصورة مختلفة ما·· ( المحب ذاك صاحب المرآة، الأم الحنون، أو القارئ الذي يبهجه الإبداع المتمرد)·
فبأي الصور أحبته نورية الرومي؟
حقا·· العسكر يحتاج الى أكثر من قراءة، وقارئ وباحثين جدد!
nashmi@taleea.com