مقاطع من قصيدة “النشيد”
عبدالمنعم رمضان
لحيته بيضاء قليلا
وعصاه مخبأة
والجلباب طويل يصل الى القدمين
يداه مدربتان على التمهيد
وخلخلة الأشياء
رآني ذات مساء
كنت ذهبت الى الميداني فأوقفني
وتأمل وجهي
نظر الى عيني
ولما سرت بعيدا عنه
التفت الى ساقيَّ وظهري
كل مساء كان يمر أمام فِناء المنزل
يأتي من جهة الصحراء
ويجتنب الفتيات وأروقة الجيران
ومثل الحارس
ينظر نحو سماء غامضة
ويفكر في نافذتي
كيف سيصعد كي ينزلق ويمرق منها
يعرف أن مياها راشحة
وحشائش حول الحافة
أن ظلاما محبوسا في البهو
وأن ستائر مثل ثياب ناعمة
تنسدل عليها وتغطيها
سوف يفكر في مزلاج الباب
وفي الجدران
ومثل الحارس يخلع كل ملابسه
ويشب على أطراف أصابعه
ويمد يديه الى أعلى
راحته تفرك ما سوف يصادفها
وأنامله تنشع بالأصوات وبالرؤيا
وتفيض
يحس كأن أنينا مختفيا
ينساب الى أذنيه
وينصت
بعض زهور الليل
احتفظت ببكارتها زمنا
وانبعثت ثروات
وضعت تحت تصرفه
ما يكفي القسمة بين غريمين حليفين
كما لو كانت هاوية تنفتح ويعبرها
وكما لو كان يطأطئ عن خجل
ويفكر أن الأمسيات المتعاقبة هناك
وأن هناك سماء هادئة زرقاء
ودون سواه
ودون الأيدي المتشابكة
ودون الأوركيديا المجذوذة من كفيه ومن فمه
لا بد له أن يلجأ لاستذكار الغزو
وترويض الآبار
يمد يديه الى أعلى
النافذة هنالك
سوف يحاول ثانية
يتخيل أن رياحا ساخنة تنسل
وأن الماء يبلل أطراف أصابعه
ما زالت ساقاه
ومازال الفخذان
يصوب أنشوطته نحو ستائر
مثل ثياب ناعمة
فتميل وتهبط
يسحبها بأناة
كانت مثل نبيذ ينزف فوق الأرض ويغمرها
يترجرج
قد يلقيها فوق ملابسه،
قد ينسى،
قد ينتظر قليلا
ثم يفكر أن يخترق النافذة العريانة،
ينشر فيها رائحة الأنفاس،
ويلهث،
كنت أراقبه
ينزلق ويمرق
بعض لعابي
بعض الكلمات الزائفة على شفتي
وبعضُ فمي
أتحاشى أن يسمعني
هل حقا سيحاول أن يتمادى في إيذائي
أنفاسي تتلاحق
حين فطنت الى استمرار هبوط لهاثي
واستمرار هبوط الرأس من النافذة
خضعتُ
لجأت الى ما يشبه دائي
هل حقا سيحاول أن يتمادى
لن أمكنه مني
لن أمكنه أن يتلصص ويشاهدني
كنت قد استلقيت ووجهي فوق بلاط الغرفة
لا أتذكر كيف جرؤتُ على الإذعان الكامل
لحيته تنسدل على أكتافي
أحلم أن تنسدل على أكتافي
يجذر أن أسأله ماذا يفعل
لكني أتراجع
خشية أن يقتلني أو ينصرف،
يزوم وليس يغافل غيري
يسرع حين أظن له الإبطاء
ويبطئ حين وأنفاسي تتلاحق،
كنت ألوذ ببعض حدودي،
أسعى أن أبلغها قبل الريح
وقبل نزول الماء
زحفتُ على بطني كالدودة
ظل يحاصرني
يلتف علي، فألوي جذعي،
يفرده، أنشق الى نصفين، فيجمعني،
وإذا أنكفئ
عصاه تدق الباب بما يكفيها من يأس فأحس كأن جيوش النمل تفر من الزاوية
عصاه تدق
أحس كأن مياها تسعى خلف النمل وتغمره فيموت
وأسمعه ينتفض كثيرا، يلهث،
قلت: يخاف من استكمال الحاجة وزوال الأصوات
يخاف إذا انطفأت عيناه
وخرج من النافذة
وسار وحيدا في الطرقات
عصاه تدق الباب بما يكفيها من أحزان
أشعر أن ظلام الغرفة
يوشك أن يتبدد
أن رؤوس الأعمدة اتخذت موضعها
فوق سطوح الماء
وفوق الصفحات البيضاء
سواء ظهرت رافعة خوذتها، أو بلباس الكاهن، أو مثل المحراب، حشود لا تخطئها عينا رجلٍ في الخمسين
طمأنينة صاحبه وتفانيه، رواقيّته
طرف قميص تحتاني
وحذاء، وجوارب
وكما قيل لنا: لن تجدوا خلف البرق رمادا
لن يتعثر أحد في الكيسين المملوءين
وفي الخوخ البري
كما قد قيل لنا
لن تخجل من عينيك الذاهلتين
ولن تتخاذل في أعقاب النوم وحيدا
حيث ترى برباطة جأش
فجوات هائلة
يملك أن يحفرها الظل
ترى برباطة جأش
فردوسا
وجحيما
معروفين ببأسهما
وتظن كأن الآخر بتدخله
سوف يقود الى صحرائك
ثيرانا وأيائل
ذاك الجانب ليس المظلم مثلا
سوف يُخيل لي
أن الثيران سأطلب منها أن تتمهل
كيف أختتم نشيدي
ثم أُقر لها بالخفة والوحشية
سوف يُخيل لي
أني معني بالعمل
لإثبات بأنّا سوف يحب كلانا الآخر
أن الحب يولِّد ما نفقده
لو لم يكن الأمر كذلك
والناس يموتون قضاء
دون حظوظ
تجعلهم أحرارا بعد الموت
وأن الحب فقط ذوبانُ الزهرة فوق غريزتها
والاطمئنان الى إيقاع
يرشدنا فنصحح ما يحتاج
من الهفوات الى الغفران
ولا ننطر ربيع العام
لأنا نرضى
نسعد
نتقدم بالشكر
ونُبعث من رقدتنا
نبلغ جزءا من تلك النار الظاهرة
ونبني الرونق والأبهة
على أحجار النصف الآخر من أعمدة البهو
أنا الروح المفعمة رأيت
أنا المتألم كي يجتاز رواقي أحد أشهد
مثل ظلال جفون مسبلة
مثل قلنسوة
مثل متاحف وحرير مجلوب
مثل الحلم شهيته الجبارة تضعف
باستخدام الحكمة
وبطائره الأعمى يقدر أن يهوي بيقين والى الأبد على فاكهتي
أسمعني أنتفض كثيرا، ألهث
قلت: النوم هو الإدراك الأول للأشياء
أخاف إذا استيقظت
وقفت على قدمي
نظرت الى أغصاني ومواريثي
وتحسرت
وجدت على الطاولة الكتب
وسرب طيور سود
وبقايا الأحزان
وجدت إناء طعامي
وإناء مناولتي
والمحراثَ الطالع من أحلامي بدل الوقت الضائع
والأشعار الرومانسية بدل النعمة
والجدران
وباب الغرفة
والنافذة
وجدت ثيابي ملقاة في الركن
الأرجح أني عدت الى نفسي
وفقدت الشخص الطيب
والمسؤول عن الوحشة والرعب
فتحت الباب
رأيت كأن حشود الليل الضائع مني
سوف ترد إلي
كأن الغالب والمغلوب
سواسية يصلان
ويبتكران طقوس الحرب ودستور العائلة
ينخُّ الظل المائل جدا فوق الأرض
ويومض
حتى يفنى فيه الظل المائل بعض الشيء·