بحر يوزّع صمتا على شاطئيه!
نشمي مهنا
(1)
ها أنا في ضحى شتوي هادئ، أقف أمام البحر، على آخر طرف لجغرافيا الرمل· لا أحد معي سوى سكون منسي غفلت عنه الريح، فأُهمل، بعد أن غادرته منذ أيام·
من مكاني هذا المتواري، الذي غلّفه الصمت، وسَرَتْ سكينته الى البحر، وموجه، وإليّ، عدتُ أتأمل جهة الشمال·
هناك·· في الجانب الآخر الذي لا يفصلني عنه إلا مسافة من ماء، يوجد العراق، وما بيننا سوى الماء!
لماذا يتصور، أو يبتدع، أو يتوهم، أو يحلم بعض إخواننا العرب أن بيننا وبين العراق عداوات وأحقادا لا تمحى، بل تأخذ بعضهم خيالات واهمة بأننا طرف في مأساته!
هل هم يزايدون؟ أم كانوا يفسحون لأنفسهم أدوار بطولة على مسرح من فراغ؟!
كل ما يحول بيننا وبين العراق (أو بينه وبين العالم، وأبنائه المعارضين المحترقين في الغربة) رجال عصابات، قفزوا الى قامة العراق، بمصادفة قدرية بائسة، فسُمّوا بـ “النظام الحاكم”، وبزوالهم - الذي دنا - سوف تزول الريبة·· ولن يباعد بيننا يومها·· سوى ماء·
(2)
لماذا صمَت الأمريكان - بعد بضعة شهور من 11 سبتمبر - عن مصير بن لادن؟ وصمتت آلاتهم الإعلامية الضخمة، فصمت معهم العالم، وصمتنا لأننا - بالأساس - لا نعلم شيئا؟!
لا أحد يعرف إن كان قُبض عليه حيا بعد الكارثة التي أضافها الى كوارث الأمة، فحمل رقم النزيل (1) في سجن “غوانتانامو”؟
أم أخمدت نيرانه الإرهابية الى الأبد في أحد الكهوف، التي كانت بحجم أفقه؟!
لا ندري·· كل ما نعرفه أن الصمت “الحكيم” يحقق أكثر من هدف، فهو من ناحية يغرق جحور الإرهابيين بالماء الساخن، ويشجع كل من تسوّل له نفسه (المغرّر بها) على مواصلة الجهاد المزعوم·· فيسهل اصطياده!
ومن ناحية أخرى يفتح الذرائع على مصراعيها لقبول ومواصلة حرب التصفية الى آخر فلول الإرهاب، ويزيد - هذا الصمت - من أعداد الجماهير المشجعة، والمتابعة لهذه التصفية من كل مدرجات القرية الكونية·
صمتٌ حكيم ومشروع من مغدور وجد ضالته (الحيلة) فاحتال··
لكن كيف يُبرّر صمت الجماعات الدينية، هنا في الكويت، وهم يرون دماء الجنود الأبرياء تسفك على إسفلت شوارعنا؟!
الصمت هنا تأييد، واستحسان، وتشجيع·· فكيف ينكر “مشايخنا” على مريديهم وخريجي حلقات دروسهم الدينية ما غرسوه بعقولهم الصغيرة في زوايا المساجد، وفي المخيمات، و”السراديب”؟!
الآن كأن الجماعات الدينية بمشايخها وخريجيها - وقد شبوا عن الطوق - ينوون تفخيخ حضنهم الحكومي الدافئ، الذي رتبوه منذ ثلاثة عقود·· إلا أن أحدا ( من جهابذة الحكومة) لم يفهم الرسالة بعد، رغم وضوح معانيها، وحدّة حروفها، التي تشبه السكاكين!!
nashmi@taleea.com