
· صراع بين التيار الليبرالي بقيادة سيف الإسلام وبين حركة اللجان الثورية
إن الدعوة الأمريكية للتغيير في سياسات ومناهج الحكم في بلدان الشرق الأوسط وعلى الخصوص الدول العربية كان المرء يعتقد أنها لن تجد صداها في دولة مثل ليبيا وذلك لأنه وعلى مدار ثلاثة وثلاثين عاما من عمر الثورة الليبية كانت العلاقات الليبية - الأمريكية تمر دائما بحالة من الفتور تارة والعداء تارة أخرى، وقد اعتبرت واشنطن أن ليبيا من إحدى البلدان التي تشجع الإرهاب وتموله وليس هذا التصنيف بعد أحداث سبتمبر الشهيرة ولكنه من قبل ذلك بكثير·
ولكن وبعد أحداث سبتمبر وما أظهرته أمريكا من حسم وعنف ضد الإرهاب وضد أي دولة تساهم في دعم الإرهاب وحملتها ضد العراق جعل من التغيير في ليبيا ضرورة، فأغلبية المراقبين في الداخل يتفقون على أن ليبيا مقبلة على تغيير في المجالات المتعددة من سياسية واقتصادية، ولكنهم مختلفون حول حجم التغيير، فبينما يراه البعض واسعا يرى البعض الآخر أنه لو حدث فسيكون في أضيق الحدود·
ويرجع البعض هذا التغيير المنتظر في جزء منه الى الدعوة الأمريكية لحدوث تطور ديمقراطي في مجتمعاتنا العربية، ويقف الكثير من المراقبين أمام تصريحات الزعيم الليبي معمر القذافي للكاتب “سكوت اندرسون” والتي أوردها في مقاله المنشور في “النيويورك تايمز” في أواخر يناير الماضي وكان أبرزها ما نسبه للقذافي “من أن تاريخ البشرية غير ثابت ولا يسير بسرعة واحدة، فالمرحلة الماضية كانت مرحلة القومية - هوية القومية الواحدة - وتغير هذا الآن ونحن في مرحلة العولمة وهناك عوامل كثيرة تحدد خريطة العالم”·
ويرى المتفائلون أن تلك التصريحات تعكس توجهات جديدة تتوافق مع الشعارات التي تجتاح العالم من حقوق إنسان، وخلافه· ومما رسخ ذلك التصور الفرحة العارمة التي اجتاحت المسؤولين الليبيين عقب اختيار ليبيا رئيسة للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بعد صراع خاضته أمريكا ضد ترشيح ليبيا·
وصدرت كذلك الكثير من التصريحات عن المسؤولين الليبيين تؤكد على أن سجل ليبيا في مجال حقوق الإنسان سوف يتغير في ضوء مسؤولية ليبيا الجديدة في لجنة الأمم المتحدة·
ويؤكد فريق من المراقبين على أن ليبيا في طريقها للابتعاد التدريجي عما يسمونه النظام الشمولي، وذلك عبر تطوير آليات العمل الشعبي وإدخال عناصر جديدة تعي العقلية الجدلية للزعيم الليبي·
ويعتمد هذا الفريق في تحليله السابق على شواهد ثلاثة في إطار آليات التطوير، فالشاهد الأول يتمثل في إقدام مكتب “الاتصال بحركة اللجان الثورية” على عقد لقاء مهم في يناير الماضي ضم عددا كبيرا من المثقفين والمبدعين الليبيين تباحثوا في كيفية إيجاد آليات جديدة للعمل الثقافي والإعلامي وقد أكد المجتمعون على أن الأداء الإعلامي والثقافي في حاجة للتطوير ومواكبة المتغيرات التي تحدث على الصعيد الدولي والإقليمي·
أما الشاهد الثاني فيتمثل في الحملات الإعلامية التي تمتلئ بها وسائل الإعلام الليبية المختلفة بالإضافة الى جدران الشوارع في المناطق الليبية المختلفة والتي تحرض المواطنين على الإبلاغ عن أي تجاوزات على حقوق الإنسان، ويتبارى في دعم تلك الحملة كل من سيف الإسلام القذافي، وعائشة القذافي عبر الجمعيات التي يشرفون عليها ولقد لاقت تلك الحملات ارتياحا في الشارع الليبي·
أما الشاهد الثالث فيتمثل في القوانين التي صدرت أخيرا لصالح إعطاء مساحة للقطاع الخاص الليبي والأجنبي للمساهمة في تطوير الاقتصاد الليبي مما يعكس توجها ملحوظا نحو اقتصاد السوق تمشيا مع متطلبات المرحلة ولكن بخطوات مدروسة بعيدا عن أسلوب الصدمة·
ويؤكد مطلعون أن هناك تيارين أحدهما ينحو صوب الليبرالية ويقوده سيف الإسلام القذافي ويدعو هذا التيار الى إعطاء دور أكبر للشباب من التكنوقراط المؤمن بالانفتاح على العالم الغربي ويرى أنه قد آن الأوان لحركة اللجان الثورية أن تتوارى بعد أن أدت ما كان منوطا بها من تحريض للجماهير على الانخراط في التجربة الديمقراطية المباشرة، بل إن ذلك التيار يدعو الى فتح الملفات حول ما يتردد عن تجاوزات للحركة في مجال حقوق الإنسان·
والتيار الثاني والذي يمثله مكتب اتصال حركة اللجان الثورية فيرى أن دوره لم ينته بعد وأن الجماهير ما زالت في حاجة لمزيد من التوعية بمصالحها والتحريض على المشاركة الإيجابية في الدفاع عن المكتسبات التي تحققت·