
شعار الجزيرة فيصل القاسم
كتب ملاك نصر:
فجأة، تسقط كلمة عربية واحدة مكتوبة بخط عربي أصيل وجميل فوق سطح ماء لتغوص فيه، ثم سرعان ما تخرج منه مرة أخرى، هكذا هو الشعار المتحرك المميز لقناة الجزيرة، وهكذا فعلت قناة الجزيرة بظهورها المفاجئ في نوفمبر عام 1996 فوق سطح الإعلام العربي والسياسة العربية، لتغوص “بعنف” في هذا الخضم السائد، وتخرج منه مرة أخرى بقضايا وإشكالات وكأنها “الحجر” الإعلامي الذي ألقي من السماوات المفتوحة إعلاميا، على بِركة الإعلام العربي والسياسة العربية، فأحدثت فيه دوائر متتابعة مثيرة للقلق وللتفكير معا، فماذا عن تلك القناة السياسية المتخصصة التي شغلت العالم الغربي بعد العالم العربي؟
وهل فعلا بثت روح الفرقة في الصف العربي؟ وإن كانت كذلك، فلم هذا الإقبال منقطع النظير على مشاهدتها من رجل الشارع والمثقف معا؟!
وهل هناك أجندة مخفية أو أيديولوجيا غير معلنة لدى تلك القناة؟!
وهل هناك علاقة ما بينها وبين إسرائيل والتطبيع معها؟!
وإن كانت كذلك، فلماذا تفوز تلك القناة بالمشاهدة الأكثر في معظم الاستفتاءات التلفزيونية؟
عندما سقطت قناة الجزيرة كحجر إعلامي جديد أحدث ضجة وحركة في بركة الإعلام العربي، وكان من الطبيعي أن تخرج من مركز حركتها دوائر متحركة ضيقة ثم تتسع شيئا فشيئا، ولنا أن نختار من هذه الدوائر التي أثيرت حول الجزيرة ثلاث دوائر تمثل ثلاثة مواقف من هذه المحطة التي أقامت الدنيا في بلاد العرب ولم تقعدها، وهي الموقف الرسمي الإعلامي والسياسي الرسمي ثم الموقف الشعبي للمشاهد العادي، ثم الموقف الرابع وهو البعد المفقود وأحيانا كثيرة في تناول قناة الجزيرة·
عزل قناة الجزيرة
الى جزيرة
الموقف الرسمي الإعلامي العربي من قناة الجزيرة كان شعاره: فلتسقط هذه الفضائية من الخريطة العربية، وذلك لأنها وحسب رأي المسؤولين عن الإعلام العربي الرسمي تحاول زرع بذور الشقاق بين صفوف الدول العربية “ولكن: هل هناك وحدة حقيقية بين هذه الدول؟!” كما أنها نزعت فتيل الأزمات الراكدة النائمة بين الدول العربية من ناحية وبين أفراد الشعب الواحد داخل الدولة العربية الواحدة من ناحية أخرى، ففتحت ملفات كان يظن أنها ملفات باردة عفا عليها الزمن، فإذا بها تحولها بإمكاناتها التقنية وقدرات إعلامييها الى ملفات ساخنة حارة! وهنا بدأت شيئا فشيئا الدعوات الإعلامية الرسمية الى مقاطعة تلك القناة لأنها تجرأت وأدخلت يدها في عش الدبابير وتدخلت في شؤون بلاد عربية، بل لم يخل تقريبا بلد عربي واحد من فتح ملفاته على يد قناة الجزيرة وعلى كل الأنواع من القضايا·· لكنها تلعب دائما على عنصرين من العناصر الثلاثة للمحرمات العربية، فقد اختارت تابو السياسة بالدرجة الأولى ثم تابو الدين بالدرجة الثانية وهنا أصدر وزراء العرب في الإعلام تباعا وتمشيا مع الموجة السائدة لرفض الجزيرة رسميا، مقاطعة إعلامية سياسية للجزيرة ورفضوا عضويتها في أكثر من محفل إعلامي عربي! مثل اتحاد الإذاعات العربية، وتوالت البيانات “السياسية” الشاجبة المنددة لهذه القناة، لأنها تكشف عورة السياسة العربية!! وبالتالي ظن هؤلاء أنهم بذلك يعزلون قناة الجزيرة عن الفضائيات العربية ويجعلونها بالفعل “جزيرة” نائية، لا يعتد بها أحد·· لكن الرياح الشعبية تأتي أحيانا بما لا تشتهيه السفن الرسمية الوظيفية ولكن كيف؟!
أنصار الجزيرة
الإحصاءات والاستفتاءات ومشاهد الحياة اليومية جاءت بحقيقة أخرى تماما مغايرة لآراء الإعلام الرسمي حيث ظهرت قناة الجزيرة على أنها أفضل قناة سياسية متخصصة على مستوى الوطن العربي، وذلك على مدار فترة تعد بالسنوات وليست عاما واحدا، بقي استفتاء وتقييمات موقع خاص بالفضائيات العربية وهو “بوابة العرب”، نالت قناة الجزيرة من الزيارات والترشيحات أكثر من 12871 صوتا! متفوقة على كل المحطات الأخرى بفارق ضخم في الأرقام!
كما خلصت دراسة إعلامية جديدة أجراها باحث عربي حول قناة الجزيرة، الى أن الأسباب التي تدفع المشاهدين الى متابعة الجزيرة ترجع الى أنها تقدم لهم أحدث الأخبار وكذلك تحلي برامجها بالعمق التحليلي والدقة والحرص على تقديم الأخبار القابلة للتصديق، بل هناك في الولايات المتحدة الأمريكية من العرب من يتابع تلك المحطة، ودافعهم الى ذلك توفير القناة موضوعات جديرة بالمناقشة والمواد التي تعرضها تسهم في تقديم فهم أفضل الناس وحياتهم، ومقدمو الأخبار فيها على ثقة ولا تحتوي أخبارهاعلى الكثير من وجهات النظر، كما أنها تعرض الحدث من جميع جوانبه·
وأما على المستوى الحياة اليومية، وبعيدا عن الدراسات، فإن قدر لك دخول أكثر من بيت واحد في الوقت نفسه، ووقت وقوع حدث جلل، فسوف تجد قناة الجزيرة على شاشة التلفزيون فالمثقفون يتابعونها، والساسة أيضا - رغم اعتراضهم عليها - يتابعونها وكذلك، الإعلاميون والموظفون! فقد صارت الجزيرة ملاذ المشاهد العربي الى الحقيقة، حتى مع ما يثار حولها·· فلا بديل لها!!
وبالتالي الموقف الشعبي من المحطة، واضح في كثير من الإقبال والاهتمام والنقد أيضا فلشدة تأثير قناة الجزيرة في المشاهد العربي العادي، وتأثر هذا المشاهد بها، تأسست على نمو غير مسبوق جماعة “لأنصار قناة الجزيرة في اليمن”! حيث أعلن 382 عضوا في اليمين تأسيس جماعة لمناصرة قناة الجزيرة أو “قناة الحرية” على حد تسميتهم لها، وقد جاء هذا الإعلان لهذه الجمعية الجديدة من نوعها في بلد عربي، في اجتماع موسع لأعضاء لجنة حماية الشباب من تأثير الغزو الثقافي أقيم في مقر الجمعية اليمنية لنشر الثقافة والمعرفة، وقد تعاهد أعضاء “جماعة أنصار قناة الجزيرة” على مناصرة القناة، باعتبارها قناة الحرية، والرأي والرأي الآخر، كما اعتبروها قناة الكرامة العربية وكشف الحقائق، وقد أصدروا بيانا بذلك، يعد بيانا شعبيا إعلاميا من نوع جديد وغير مسبوق، كما دعوا شباب الأمة العربية في البلدان الأخرى الى القيام بمثل هذه الجمعية أو الجماعة وقد جاءت هذه الجمعية كرد فعل على الموقف الرسمي لوزراء إعلام دول مجلس التعاون الخليجي الداعي الى مقاطعة قناة الجزيرة هذا الموقف الذي استنكره هؤلاء الشباب المؤسسون لجمعيتهم ففي اعتقادهم أن قناة الجزيرة تحارب من الإعلان العربي الرسمي، لأنها كشفت عن عورات النظم السياسية العربية، وأنها تقوم بتنوير الشارع العربي ومنحه صورة أقرب الى الحقيقة حول ما يرى في العالم العربي والغربي، ومنها بالطبع الحقائق المخزية - على حد تعبيرهم - الموجودة والتي لم تظهر إلا من خلال قناة الجزيرة، كما ورد في البيان التأسيسي الأول لهذه الجماعة، وقد تحولت أيضا قناة الجزيرة الى مصدر إعلامي وثيق لكل مواطن عربي تواق لمعرفة لحقائق والمتغيرات الحادثة في المنطقة، من دون مجاملات وتضليل الإعلام الرسمي العربي والذي يصر على حجب الحقائق عن الشارع العربي، وكأنه مجموعة من القاصرين والأطفال، ولكن المؤسسين لهذه الجماعة الجديدة الغريبة أشاروا أيضا الى تحفظهم على بعض برامج قناة الجزيرة في خطاب أرسلوه برقيا الى إدارة القناة ذاتها، معربين عن أملهم في أن تؤخذ تحفظاتهم بعين الاعتبار وبين الموقفين الرسمي الإعلامي والسياسي، والشعبي هناك موقف ثالث ربما يكون الموقف الواقعي مع تلك المحطة فما هو؟
عودة الابن الضال!
الجزيرة قناة جيدة أم رديئة؟! هذا هو سؤال الإنسان العادي أمام كم اللغط المثار حولها·· وهذا ما يهمه التقييم السريع الخالص من شوائب الأيديولوجيات والسياسات والصراعات وكل هذه الأفكار العريضة البعيدة عن واقع المشاهد العادي·
والجواب: الجزيرة تحتوي عناصر بشرية كفؤة (مع استثناء القليل من مذيعيها بالطبع الذين يحترفون سكب الزيت فوق النار العربية في برامجهم الحوارية”، فقد كان معظمهم من العاملين في محطة BBC قبل تركهم لها·
كما أنها قناة تستخدم أحدث التقنيات الفنية المرئية في برامجها، التي قد لا تكون موجودة لدى بعض المحطات الفضائية الغربية! ولأنها قناة عفية فتية بإمكاناتها البشرية والتقنية وجرأتها في الطرح للمشكلات فقد صارت مثل الابن الضال الذي يملك الكثير لكنه مغضوب عليه من الأب أو السلطة الأبوية، وهي هنا السياسة العربية، فهل من عودة لهذا الابن الضال؟!
هناك من ينظر بنظرة أحادية للجزيرة، على أنها شر الإعلام العربي لأنها تجرأت ودست أنفها في أمور معتمة، وهناك من يعجب بها الى حد الدفاع المستميت عنها دون روية لكننا نحتاج الى الجزيرة بل الى أكثر من جزيرة بما فعلته من إلقاء حجر في بِركة السياسة العربية، حيث صار من خلالها “السياسي” أو الشأن السياسي مكشوفا مفضوحا متعريا·· ولكن ألا يجب على الجريح أن يكشف جرحه لكي يعالج؟
لكنها، أحيانا، صارت تتباهى بالجراح السياسية العربية!! وصارت تعرضها كما لو كانت في سوق كبير لمن يشاهد أكثر ويتابع أكثر!!
فإن كان المشاهد العادي الصحيح يملك عينين، فلم لا ينظر الى الجزيرة كل مشاهديها بعينين، عين الإعجاب مع عين النقد، وعين التحفظ مع عين التشجيع؟ وإلا فلماذا نحارب كل شيء ناجح في إعلامنا؟ لقد صارت الجزيرة مصدر ترقب لدى الإعلام الغربي والسياسة الغربية وبالتالي وضعت الإعلام العربي على الخريطة العالمية·
أرقام وإحصاءات
حول الجزيرة
في استبيان خاص بدراسة حول قناة الجزيرة جاءت النتائج التالية:
· هناك متابع لقناة الجزيرة في أكثر من 137 دولة حول العالم·
· بلغت ساعات متابعة الجزيرة بالنسبة الى معظم المستجيبين أكثر من خمس ساعات يوميا·
· بلغت ساعات متابعة موقع الجزيرة واستخدامه على شبكة الإنترنت من ساعة الى ساعتين·
· البرامج التي يقبل عليها المشاهد العربي في أمريكا في محطة الجزيرة هي على التوالي حسب نسبة المشاهدة:
- الأخبار والنشرات·
- شاهد على العصر·
- الاتجاه المعاكس·
* عن دراسة: “نظرية الاحتياجات والإشباعات والمصداقية المطبقة على الإعلام العربي المرئي: حالة الجزيرة نموذجا” - للباحث خالد جمال جابر·
قناة الجزيرة·· في منتدى قناة الجزيرة
فرضت مسيرة قناة الجزيرة في الأخبار والبرامج الحوارية منذ نشأتها والى الآن تساؤلات عدة لدى جمهور من المثقفين والإعلاميين العرب، فقد رأى بعض هؤلاء في تناول القناة بعض القضايا الداخلية في الأقطار العربية والفضائيات الثنائية تعكيرا للأجواء العربية وإثارة للبلبة وبثا للفرقة، ومجرد طُعم لتمرير الفكر الصهيوني الى العقل العربي، وبالمقابل اعتبرها البعض هامش حرية محمودا تحتاجه القنوات العربة ويرسخ منهجا مهنيا افتقده الإعلام العربي حتى الآن·
وبين الرأيين ظل الجمهور العربي في عمومه متشبثا بالقناة وبرامجها ومنهجها، وإن احتاجت الأمور الى أن توضح القناة أحيانا بعض اللبس الناتج في الأذهان عن الحملة المضادة لها·
من موقع الجزيرة نت