رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 4 محرم 1424هـ -8 مارس 2003
العدد 1567

وتــد

خيانة النص

نشمي مهنا

يكتب عن الروائي الفرنسي بتريك بيسون أنه يبدع فنا روائيا لم يسبقه إليه أحد، خصوصا من أهل لغته، أتقن هذا المتمكن من أدوات اللغة الفرنسية، أخذ القارئ معه في دهاليز حكاياته من فصل الى آخر، ومن إضاءة الى عتمة إلى إضاءة أخرى، رحلة مشوقة يغري قارئه بمواصلتها، دون أن···

دون ماذا؟

دون أن يتمكن القارئ من تحديد جنس الراوي!

على تلك اللعبة اللغوية، يتكئ إبداع بيسون، فتنقاد له اللغة، دون اعتساف، ولا غموض وإبهام، رغم ما يميز قواعد اللغة الفرنسية من تقديم للضمائر في بدايات الجمل·· وفي ذلك معجزته·

وفي مقابلة حديثة للروائي الإسباني إيكو (نشرتها مجلة الثقافية العالمية)، يفسر هو الآخر لعبه اللغوي، فيعمل هذا المبدع على تبديل جلد لغته ومفرداتها والأحاسيس النابضة بأحرفها من رواية الى أخرى، فيكتب متعمدا باللغة المتداولة في القرون الوسطى، يتقمص إيحاءاتها ومعانيها “المهجورة” منذ قرون، فيكتب كما لو أنه ابن أوروبي لعصور غابرة، ولد فجأة بين مدن حديثة يتجول، ويتأمل حداثتها إنما بلغة ولهجة لها عبق التاريخ·

بالطبع مثل هذا الروائي قبل أن يقدم على مغامرته قد تسلح - بإتقان - لممارسة هذا الدور “اللغوي”، بعد أن التهم المصادر الأصلية لكتب الأجداد البعيدين·

كل هذا وغيره يستوقفني كثيرا حينما أقرأ عملا إبداعيا مترجما للغتنا العربية، موقنا أن روائح أصيلة قد تسربت من أجوائه، بسبب خيانات اللغة!

أزداد قناعة أن عملية الترجمة خيانة، ومراوغة كتابية كبرى، كلما شدتني الرغبة لقراءة عمل معروف، خصوصا في الشعر، هذا المستعصي حتى على أبنائه·

مهما كانت قدرة المترجم، وموهبته “التقمصية”، لا يمكن أن يضع القارئ بغابة النص الأصلي ويعطيه خضرتها الطبيعية، لا بد له أن يشذب أغصاناً، أو يكسر أخرى في أثناء مروره بين شرائكها، أو أن يتوه في مسالك أخرى ما دام ليس من أهل النص·

الكلمات نفسها تحمل تلميحات لمعان جذرها يمتد الى عمق تربة أهل النص الأصليين وحدهم، وثقافتهم، وأعرافهم، فلا يمكن أن يفك أي مترجم “الدارج” منها، فكيف بالرموز التي لن تسلم مفاتيحها إلا لـ “ابن بطنها”!

خيانة نمارسها بالمقابل، حينما نورطهم بقصيدة لشاعر مثل المتنبي، نقف أمام معانيه حائرين كل عصر، بسبب عمق مراميه، وشعريته، والفاصل الزمني، رغم أنه ابن لغتنا، ونحن بنوها!

الترجمات لا يمكن أن تكون مرايا صادقة، هي خيانات لكن نضطر دائما لارتكابها!

nashmi@taleea.com

طباعة  

مرايـــا
 
وسط هدوء الجمعية العمومية·· وشبه إجماع أعضائها
انتخابات “الرابطة” تعيد أغلب أعضائها السابقين

 
قضية
 
إصدارات
 
كاتب يمني يختار الانتحار خلاصا من الإسلاميين المتطرفين