
هذه المقالة كتبت في تاريخ 20/2/2003 أي قبل تصويت البرلمان التركي ضد استخدام القوات الأمريكية أراضيها كمنصة انطلاق في حال بدء الحرب على العراق· ولكن مع هذا فإنه من الضروري أن يتم فهم ما يخطط له الأتراك في شمال العراق حيث إن التصويت سالف الذكر لا يعني أبدا أنهم سيتوقفون عن التدخل فيه وعن محاولة التأثير في شكل الحكم العراقي بعد رحيل صدام لتحقيق أهدافهم الاستراتيجية·
أشارت التقارير الصحافية الى أن ما يفرق بين الولايات المتحدة وتركيا في مفاوضاتهما هو حجم وطبيعة الرزمة الاقتصادية التي تريدها تركيا، وهذا صحيح جزئيا، غير أنه لا يشكل سوى جزء من القصة الكاملة، بل حتى إنه ليس بالضرورة الجزء الأهم في القصة، ذلك أن الجوانب العسكرية لأي توغل تركي في شمال العراق، والجوانب السياسية لمستقبل شمال العراق هي في الواقع القضايا الأهم والأكثر إرباكا، لكن قبل مناقشة هذه القضايا فإن ما يشكل خلفية مفيدة هو مراجعة مقدار ارتفاع مستوى الرزمة الاقتصادية في الآونة الأخيرة·
فقبل عشرة أيام “من المقالة المنشورة بتاريخ 20 فبراير الماضي” ذكرت التقارير الصحافية التي ظهرت في المصادر الأمريكية أن حجم الرزمة الاقتصادية هو 15 مليار دولار، وازداد حجم هذه الرزمة الى 20 مليارا قبل أن يعلن السياسيون الأتراك أنه حتى هذا المبلغ لا يكفي لـ “عطلة نهاية أسبوع” وأجلوا التصويت البرلماني المقرر في 18 فبراير على وجود الجنود الأمريكيين في الأراضي التركية استعدادا لغزو شمال العراق، وبعد مفاوضات مكثفة أجراها الجانبان على أعلى المستويات، ارتفع الرقم المذكور في الصحافة الى 26 مليار دولار، وهذا الرقم كان يعتبر العرض الأمريكي النهائي·
لكن حتى الاتفاق على رقم معين لم يكن كافيا لإبرام صفقة، ذلك أن تكوين الرزمة هو أيضا موضوع الخلاف، فالولايات المتحدة عرضت معونات مباشرة “هبات” بقيمة ستة مليارات دولار، على أن تكون البقية مؤلفة من قروض وامتيازات تجارية، غير أنه نقل عن دبلوماسيين غربيين في أنقرة أن تركيا تسعى الى الحصول على هبات بقيمة عشرة مليارات دولار، واعتمادات وقروض بقيمة 15 مليار دولار، وإسقاط أمريكا نحو 7 مليارات دولار من الديون العسكرية “وربما تكون الأرقام التي جرى الحديث عن أنها تصل الى 50 مليار دولار هي شاملة لقيمة المساهمة التركية في مشروعات إعادة الإعمار في العراق ما بعد الحرب” وتشير حيثيات تصريحات زعماء الحكومة التركية الى أن أنقرة قد لا تعتبر الصفقة موقعة إلا حين يصوت عليها الكونغرس الأمريكي، الذي لا بد من أن يوافق على الاتفاق حتى يكون ملزما قانونيا للحكومة الأمريكية، لكن الاتفاق على الرزمة الاقتصادية ربما يشكل الجانب السهل·
وعلى هذا النحو، وردت تقارير قبل عشرة أيام “من نشر المقالة” تتحدث عن وجود اتفاق أمركي - تركي - كردي ضمني يسمح بدخول قوات تركية يراوح عددها بين عشرة آلاف وعشرين ألف جندي الى شمال العراق حتى تعمل، ظاهريا، على ضمان أمن شريط من الأراضي العراقية يحاذي الحدود، وهكذا تحول دون نجاح مطالب كردية “غير موجودة” بالاستقلال السياسي في شمال العراق، وفي الواقع، فإن غاية هذا الانتشار “التركي” هي مطاردة مسلحي حزب العمال الكردستاني الباقين الذين انسحبوا الى شمال العراق حين حل حزب العمال الكردستاني نفسه في أواخر التسعينات وأعاد تكوين نفسه في إطار حزب KADEK حتى يركز على العمل الاجتماعي في تركيا بدلا من النضال المسلح·
واستنادا الى هذا الاتفاق الضمني، تتقدم القوات الأمريكية نحو الموصل وكركوك وتوافق العناصر التركية والكردية على عدم محاولة دخول المدينتين في حين تحتفظ تركيا بالحق في أن تفعل ذلك إذا فعل الأكراد، وفي الواقع كان الاتفاق ضمنيا الى حد أن اجتماعا ثلاثيا في تركيا ترأسه زالماي خليل زاد، المبعوث الخاص للرئيس جورج بوش الى المعارضة العراقية، انفض من دون اتفاق ظاهر، والى حد أن الأمريكيين اكتفوا بتحذير الجانبين بالبقاء بعيدا عن المدينتين المذكورتين، ومذ ذاك، ازدادت العلاقات بين السلطات التركية والحزب الديمقراطي الكردستاني “العراقي” سوءا، في حين أن العلاقة الإيجابية بين واشنطن والحزب الديمقراطي الكردستاني “بزعامة مسعود البرزاني” صارت سبب نزاع مع أنقرة·
ثم ارتفع الرقم الذي يظهر للمرة الأولى في التقارير - أي من عشرة آلاف الى عشرين ألف جندي تركي - ارتفع الى 38 ألف جندي في آخر النصف الأول من فبراير، وهذا يعادل عدد الجنود الأمريكيين المخطط لهم أن يحتلوا شمال العراق، ومن شأن عدد 38 ألف جندي تركي أن يكون كافيا في أن يضيق بشدة على أي عمل مستقل لمراكز الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل إن لم يقض عليه، ومع تهاوي الصفقة الاقتصادية، ألمحت التقارير الصحافية في تركيا الى خطط يرسمها أعضاء هيئة الأركان التركية لمضاعفة عدد الجنود الأتراك الى 76 ألف جندي يدخلون شمال العراق ومن هناك يسيرون الى أن يصلوا الى منتصف المسافة من بغداد·
وهذا العدد من الجنود الأتراك يفرض ضغطا سياسيا واستراتيجيا على جميع المدن الكبيرة في كانتون الحزب الديمقراطي الكردستاني: لا أربيل وحدها ولادهوك وحدها أيضا إنما المنطقة المحيطة بالموصل - العاصمة الاسمية لكردستان العراقية في ظل النظام المشترك للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني “بزعامة جلال الطالباني في التسعينات - ناهيك عن قسم كبير من خط النفط الذي ينقل النفط من كركوك الى مدينة جيهان التركية الساحلية، ومع ذلك، فإن أبعاد ونطاق الانتشار العسكري التركي في شمال العراق ليس القضية المربكة الأخيرة·
في الأيام القليلة الماضية، عبرت الصحافة التركية بصوت مرتفع عن نقمة هيئة الأركان التركية على الإصرار الأمريكي الظاهر، أو ربما بافتراضات ساذجة، بشأن أن القوات التركية في شمال العراق ستكون تحت قيادة أمريكية، وربما في رد محتمل على هذا، فقد ظهرت تلميحات في أنقرة في الآونة الأخيرة مفادها أن القوات التركية قد تدخل شمال العراق بخططها الحربية الخاصة ولتحقيق أهدافها العسكرية الخاصة، وربما كان جزء من هذا اللاتفاهم بين الجانبين “الأمريكي والتركي” هو افتراض أمريكي أولي مفاده أن حملة أمريكية - تركية في شمال العراق قد تحصل على رعاية حلف شمال الأطلسي بما يفسح المجال لإقامة قيادة عسكرية أمريكية فوق القوات التركية، لكن الأتراك لم يكونوا سعداء بهذا الافتراض الذي يبقى حتى الى ما بعد زوال وحدة الحلف الأطلسي بشأن المساندة العسكرية لتركيا·
وفي وقت لاحق، ذكرت وكالة أنباء الأناضول أن الولايات المتحدة وتركيا “حققتا تقدما في الجوانب السياسية للمفاوضات وتوصلتا جزئيا الى اتفاق على قضية القيادة”، وربما يسمح هذا للقوات التركية باحتلال مكان مميز في كركوك حيث تولي أنقرة اهتماما خاصا بتركمان المدينة، أو حتى في الموصل نفسها أو في أربيل وهو الأكثر احتمالا· فأربيل وكركوك هما من حيث عدد السكان موطنا أكبر طائفتين للتركمان في العراق، وهذا لم يكن يشكل رجوعا عن التفاهم التركي - الكردي بشأن اتفاق عدم التدخل المتبادل الذي توسط فيه الأمريكان والذي انهار بعد الاجتماع الذي ترأسه خليل زاد، بل إنه حصل لأن كركوك تقع في الكانتون الذي يسيطر عليه الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يقيم - خلافا للحزب الديمقراطي الكردستاني - علاقة طيبة مع تركيا منذ تخليه عن مساندة حزب العمال الكردستاني قبل بضع سنوات·
لكن النتيجة النهائية تبقى غير محسومة، ذلك أن سفن القوات الأمريكية ستأتي الى المنطقة في وقت غير طويل، وينبغي أن تعرف بحلول ذلك الوقت الى أين يجب أن تذهب عندما تصل· ولدى وزارة الدفاع الأمريكية موعد غير مكشوف، يجب أن يعرف الأمريكيون فيه ما إذا كانت تركيا متوافرة كمنطقة حشد ومنصة انطلاق وأي وقت ينبغي أن ينفذوا الخطط البديلة إذا كانت غير متوافرة: وهذا ما لا يعني أن تركيا لن تتدخل بشكل وحيد الجانب في شمال العراق، وحتى لو كان هناك تأسيس لنوع من القيادة المشتركة الأمريكية - التركية - وهذا ليس أكيدا أبدا - فلا شيء يمنع الجيش التركي من مواصلة السعي الى أهدافه في شمال العراق، وفي الواقع، فهذا متوقع، وهذا ما يعلنه القادة العسكريون والسياسيون في أنقرة، ومن المتوقع أيضا، أنه بغض النظر عن أي تعاون بين الجانبين، فلن تكون الأهداف العسكرية التركية في العراق ظاهرة للأمريكيين بقدر ما كشف الأمريكيون خططهم للأتراك·
ويبقى أن نعرف الى أي حد تتباعد المصالح القومية للولايات المتحدة وتركيا في التطبيق، ليس تكتيكيا على الأرض فحسب، إنما استراتيجيا في المرحلة السياسية لما بعد الحرب أيضا·
والنزاع الأول الواضح الذي يخص هذا الجانب الأخير يظهر عندما يضغط الأتراك من أجل إعطاء التركمان العراقيين دورا بارزا في الحكم العراقي ما بعد صدام، بينما كان التركمان مهمشين في تخطيط المنفيين والمهاجرين العراقيين كما في تخطيط رعاتهم الأمريكيين· وعندها سيظهر الموقف الميداني في شمال العراق بعد انتهاء العداوات أول مظهر لأهميته السياسية بالنسبة الى بغداد·
بقلم: الدكتور روبرت كاتلر
عضو باحث في معهد الدراسات الأوروبية والأمريكية، جامعة كارلتون، كندا
www.robertcutler.org
صحيفة “آسيا تايمز”
___________________________________________________
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
saleh@taleea.com