
كتب المحرر الثقافي:
عمليات النهب والسرقة التي طالت دور الآثار والمتاحف العراقية في أوائل أيام التحرير أثارت الكثير من ردود الأفعال العربية والدولية، باعتبار تلك الكنوز ذاكرة لتاريخ الإنسانية وبلاد الرافدين·
وقد سارعت الهيئات الدولية المختصة بترتيب إجراءات تكفل استرجاع تلك الآثار، ومنع تداولها للبيع في الأسواق العالمية، كما وجهت نداءات عدة للحفاظ على ما تبقى منها، بينما شاب كثيراً من ردود الأفعال العربية، والضجيج العربي في وسائل الإعلام التي تناولت تلك القضية شكوك دارت حول مقاصد تلك “الحملة”، ودوافعها، وعن السبب الحقيقي وراء هذا التباكي!
إذ اتضح أن تلك القضية رغم إدانة الجميع لمقترفيها، قد اتخذت كذريعة لإدانة قوات التحالف، وكدليل على عدم اهتمامها بضبط الأمن داخل العراق، و”التنقيص” من فرحة التحرير التي غمرت قلوب الشعب العراقي·
وكما يؤكد المتابعون أن قضية سرقة الآثار قد صورت بأكبر من حجمها الحقيقي، حينما لم يجد الجانب الرافض لـ “حرب تحرير العراق” سوى تلك القضية، وتضخيمها، وادعاء الكثير من الأقاويل حولها، كالتساؤل حول الفاعل، واتهام القوات الأمريكية بتعمدها محو الذاكرة التاريخية في العراق “لأنهم لا يملكون من التاريخ غير 300 عام”، إلا أن أبشع الاتهامات وأسخفها ما كتبته صحيفة عربية (عرفت بميولها الصدامية) من أن ما جرى من دمار وسـرقة للأثار كان على أيدي كويتيين شاركوا الأمريكيين في دخول بغداد؟!
ومنذ أيام كشف موفد “القبس” المميز د· جمال حسين حقيقة جديدة حول الموضوع، إذ أكد - من موقع الحدث - أن الحديث عن سرقة دار الكتب والوثائق (المكتبة الوطنية) في بغداد غير صحيح، وأن جميع مقتنيات الدار من كتب ومخطوطات سليمة (بأرشيفها كاملا) ولم تتعرض الدار للسرقة·
ويحكي د· حسين أن العاملين في دار الكتب والوثائق كانوا قد توقعوا قبيل الحرب أن يصيب الدار دماراً لقربها من مبنى وزارة الدفاع، فقاموا بتخزيين الكتب في سراديب وأقبية وإغلاقها بأبواب حديدية وبناء جدران على بعض أبواب المبنى·
كما ينقل د· حسين حديثاً عن ممثل الحوزة التي أشرفت على دار الكتب والوثائق وحفظها من العبث والسرقة أن الشاعر رعد بندر “شاعر أم المعارك” (رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العراقيين أوائل التسعينات) والذي عينه نظام صدام حسين مسؤولاً عن الدار قد جاء يعرض خدماته على ممثل الحوزة باستعطاف وإذلال، فكان الرد حازماً “خدمة واحدة قدمها لنفسك، أنت “شاعر أم المعارك” ولا أحد يرغب في رؤيتك هنا ولا أستطيع حمايتك من غضب الناس، أوصيك بالتواري عن الأنظار··” وبعد ذلك اختفى·
وكنا قد كتبنا الأسبوع الماضي مقالا “يتبادلون مواقع المنفى” تطرقنا فيه إلى موقف هؤلاء الشعراء والكتّاب، الذي لا يحسدون عليه ممن ساندوا النظام، وكانوا يداً أخرى له استخدمها للبطش وممارسة العنف والترهيب في حق جميع الأصوات المعارضة من النخب المثقفة·
وبعد أن انكشفت الصورة الحقيقية لقضية “دور الأثار والمتاحف” والأسباب الخفية وراء إثارتها بهذا الحجم، نتساءل: ألم يلحق مثيروها في الصحف ووسائل الإعلام العربية دماراً أكبر، أرادوا به انقاص “تحرير العراق”، وإثارة الأحقاد بين شعبين شقيقين؟!
بل ألم يكن هذا العائد بخيبته إلى مبنى الدار (رعد بندر) أشد دماراً على قيمها الثقافية والحضارية أيام العهد البائد؟!