احتراق
نشمي مهنا
ما الذي يجمع بين الشيخ السلفي عايض القرني (صاحب قصيدة “منقاش”) وعلي عقلة عرسان (الأمين المؤبد لاتحاد الكتاب العرب) وثالثتهم فضائية “العربية”؟!
اجتمع الثلاثة عن إرادة وتنسيق، وتوحيد للأفكار، للخوض في الشأن العراقي، واختلط - ذات حلقة فضائية - الإفتاء السلفي بالشعارات البعثية بالتوجهات الرسمية ليدلون بنصائحهم ويعلون من ضجيج تحذيراتهم بغياب صاحب القضية!
أسماؤهم لا تعني سوى مرجعياتهم التي تريد المشاركة في العراق الجديد·
ليس الثلاثة فقط، فمنذ اليوم الأول لتحرير العراق من النظام البائد تصور أغلب العرب (حكومات وأحزابا ومؤسسات) أن هذا البلد طفل صغير، يتفضلون عليه، بمد أياديهم للعبور به الى صواب الجادة (كل الى جادته!)، ولم يعلموا أن محاولاتهم و”تدخلاتهم” تلك ستقودهم - وحدهم - الى متاهات الضياع، والإفلاس·
***
كيف قفز فجأة شيخ مثل الكبيسي، المهادن لنظام صدام طوال عقود من الزمن الى منبر الخطبة ليشتم في أول جمعة “محررة” القوات الأمريكية التي تقف على بعد أمتار من مسجده؟
بعد صحوته من نشوة الخطبة البغدادية بأيام، اكتشف هذا الطامع في الرصيد “السني” أن المحتشدين من حوله لهم هوى غير هواه “المزايد”، وأن نظرتهم لقوات التحالف تختلف عن نظراته الزائغة الى المناصب، فأبطأ من ماكينة الشتائم، وتنازل عن آرائه الغاضبة المفتعلة، وهو المعتاد على التنازلات أيام حكم الطاغية، بل والمدافع عنه حتى أيامه الأخيرة·
فبماذا يبرر جريمة دفاعه المستميت عن صدام؟ وهل يصعب على رجل دين “زئبقي” الرد، وقد حضّر لكل جريمة فتوى!
يقول الكبيسي في لقاء له مع جريدة “الشرق الأوسط”: “عندما يكون النظام قائما، فإن كل شريف حتى لو كان يهوديا، عليه أن يكون مع حكومته إذا تعرضت للحرب من قوة خارجية حتى لو كان يكره هذه الحكومة ويبغضها ويحاول اقتلاعها من جذورها·
هذا الموقف هو من مقتضيات الشرف والدين والعروبة والإسلام والعشائرية وكل معاني القيم في الدنيا، وإلا فإنك ستكون خائنا··”
هكذا يفتي هذا الشيخ المفلس، وفق الخلطة التي وضعها من مبررات الشرف والدين والعشائرية·· الخ للدفاع عن صدام، ويصور الوقوف في وجه الطاغية الذي لم يمر في تاريخ العراق، وكل الأمم الأخرى مثل بشاعة طغيانه وجبروته، فيعتبر المساعدة في هدم صنمه خيانة للعراق، مختزلا قامة الوطن الشامخة، بظلال سوداء للطاغية البائد!
لن يجد الكبيسي وغيره من رجال الدين فرصة لتلميع نواياهم ومشاريعهم، وإقامة دولتهم الدينية، على أرض علمانية مثل العراق، لذا لن يظفروا - في نهاية مساعيهم - بغير فرصة لتشكيل أحزاب أقلية، أو منابر لخطب الجمعة·
أما “الطبخات” العربية في الشأن العراقي، والتي بدأت روائحها تدل المارة على مخابئ محترفيها، وتكشف خلطاتها السرية·· فمصيرها الاحتراق!
nashmi@taleea.com
______________________________________________________________