منمنمات كولاجية 2 – 3
المشهد الشعري في الكويت “مختارات شعرية”

إعداد وتقديم: عباس يوسف الحداد*
اختار الباحث عباس يوسف الحداد في الجزء الأول من دراسته مدخلا تاريخيا استعرض فيه ارتباط الشعر في الكويت مع بيئته المحيطة، من حيث انعكاس تلك البيئة “الاجتماعية والاقتصادية والسياسية” على مفردات الشعر الكويتي، وأغراضه واختيار قضاياه·
واعتبر الحداد بدايات الحركة الشعرية في الكويت سجلا تاريخيا، ضم قضايا المجتمع الصغير آنذاك، وتفاعله مع قضايا الأمة العربية، راصدا بداية ظهور الحركة الأدبية في الكويت على يد عبدالجليل الطبطبائي (كما يرى)·
ثم ينتقل بعد الشعر الإحيائي الى التجديد الذي جاء على يد فهد العسكر، بعد أن كسر الرتابة والجمود الفكري السائد في ذلك الوقت، ويواصل الحداد اختيار أهم المحطات الشعرية في المشهد الشعري الكويتي بتوقفه عند تجربة أحمد مشاري العدواني (المدرسة الرومانسية)، ثم مغادرته إياها الى الواقعية حينما تطرق الى النقد الاجتماعي·
ويتابع الحداد رصده لتلك الحركة بظهور أجيال شعرية أخرى كعلي السبتي، والزيد، والفايز والعتيبي والوقيان والسبيعي، ويتوقف عند كتابات جيل الشباب “الثمانينات” محددا أهم السمات المميزة لهذه التجربة، وكان قد اختار في الجزء الأول الشعراء: إبراهيم الخالدي، ودخيل الخليفة وسعدية مفرح·
وفي هذا العدد نواصل نشر الجزء الثاني من “منمنمات” الحداد الكولاجية·
المحرر
صلاح دبشة
من أبرز الأصوات الشعرية في المشهد الشعري القائم في الكويت، علاقته وطيدة باللغة، (مدرس لغة عربية)، والرؤى الشعرية التي يعمل عليها لها حداثتها ومفارقتها للعهود، تقوم تجربته الشعرية - في الأغلب - على اللقطة الشعرية التي تنحو نحو التركيز والتكيف الشعري في الوقت الذي تدهش متلقيها لغرائبية التشبيه واتساع الذات لكل الوجود·
لا يمانع أن يمص الفراغ اللغة·
إنه يفلسف الأشياء والأحداث والانفعالات ويعيد إنتاجها شعريا ليأخذ منها مشهدا للذات التي لم تزل “تربة خصبة ينمو فيها كل شيء ما عدا أنفسنا”·
وفي تجربته الشعرية فسحة للتعليل، تعليل الأشياء وقراءتها قراءة ذاتية تفسر حركة الوجود من حوله، ليعرفه ويألفه وليجد له فيه مكانا يتسع له عبر تزاحم الأضداد·
إنه يذكرنا بأبي العلاء المعري ونقده للواقع وتفسيره للوجود، فهل أثّر المعري في صلاح حتى عاد صوتا حداثيّا لشاعر حداثي كبير كأبي العلاء؟
صدر ديوانه الأول تحت عنوانه “نحوكِ الآن·· كأني” في العام 1997، ثم صدر له ديوان في العام 2000 وعنوانه “مظاهرة شخصية” (1) (عندما ولدتُ نسيتُ أن أصرخ)، وفي العام 2002 صدر له ديوان شعري هو “مظاهرة شخصية” (2) (البرق يطعن السحابة·· ولا تمطر دما)·
كلما حاولت أن ألمس الوهم·· تضحك يدي
أقدامنا المنهكة
لا تطلب إلا القليل جداً
من الراحة···
أقدامنا
التي تحملنا
وتتعب من أجلنا كثيرا
لماذا
لا نحترمها مرةً
ونضعها
فوق رؤوسنا؟
***
نرغم أوقاتنا
لتذهب معنا الى المقهى
وهناك
نربطها بالدخان، ونجلسُ
فاتحين ملفات الحلم والثرثرات العابرة
لنوهم القلق
بأننا طيبون جداً
ولا نصلح للحزن
***
حوّلوا قلقنا الى بالونات
بدؤوا ينفخونها
منّا من طار
ومِنّا من مكث في الأرض،
فاستغربوا
من الذين طاروا
لم يدركوا خفة أوزانهم
علي حسين الفيلكاوي
لم تزل ترى في شعره الشاعر النبي الذي هبط إلى الأرض كالشعاع السني، ذلك الشاعر الرومانسي الحالم في غد أفضل، أحلامه تحلق نحو الفضاء المفارق للواقع، فهو يعيش هناك وهنا في آن، متخذا من اللغة الشعرية وسيلة للتعبير عن ذلك العالم المطلق الرحب الذي يخلقه خلقا بعد خلق عبر تجربته الشعرية الخاصة·
تتردد في تجربته الشعرية أصوات اليأس والانكسار من الحالة الراهنة:
آمالنا بلا عيون
أحلامنا دون شفاه
نحن الذين خرجنا فجأة إلى الممات·
وربما عنوان ديوانه الأول يكشف تلك العلاقة الوطيدة غير المنفكة بين الشاعر والاتجاه الرومانسي بوصفه “الرومانسي الأخير” “عنوان مجموعته الشعرية الأولى” الذي ما فتئ يتلمس الضوء ويكسر حجب الظلام ليصنع “لمسات ضوئية” أخيرة· (عنوان مجموعته الشعرية الثانية 1997)·
أنا كُلٌّ وجزءٌ مطلقُ
يا أيها الأوحد المتوحّد في رحلة الأمس
سنّ قروناً من الصمت والوهم
بين اللسان وبين الشفاه
وخطَّ بلون الدماء بلاداً
أتعرفُ··
أنَّ الذي قد تخلقْتهُ
أطلق الشمس دون ضياء
وفي قدس أرواحنا استباح الرؤى
***
أحدٌ تلحّد في غياهب خندق
أحد تقيأ في صفاء وجودنا
أحد يدسّ هواءنا في جيبه
أحد يخيّم في مضارب شمسنا··
أهناك من سرق الزمان
وزجّ في العصْف الغضوب الأمكنة··؟
***
خطرتَ··
على صهوة الوثن المستظلّ بسعف نخيل
بماء الخيال·· بثوب مندّى
خطرتَ·· كلحية شيخٍ تراءت
على جذوة شمع
في عربات العمر نجري
حيث ننسى العمرَ نحيا الخطواتْ
أجراسنا توقّفتْ عن الرنينِ
في توالي اللحظاتْ
علي الصافي
ولد من رحم الموت، ففي شعره براح للموت وسكك ضيقة للحياة، الطريق الساحلي فسيح للناس، يضيق عليه، وفي شعره يحضر الغياب لتغيب الحياة، اختار طريقه بنفسه حين اختار الناس الزحام، آثر التفرد في المغيب، والتفرد في البقاء·
رحل عنا في حادث مروري أليم فجر السبت 8 يناير 2000 تاركا لنا خديجة وهي لا تحرك ساكنا ديوانه اليتيم الصادر في العام 1998 “خديجة لا تحرك ساكنا”·
هل كان يعلم الصافي أن ذلك الشتاء هو شتاؤه الأخير حين كتب قصيدته “شتاء أخير لنا”؟ إنه رحل في يوم من أيامه المطيرة، ليكون علامة دالة على الخصب والنماء في إبداعه وحضوره وغيابه أيضا:
سأموت على حد حربك
سيفك، طعنتك الثانية
غير أني سأصحو عما قريب
وأتلو فاتحة المراثي
وأتلو البلاد البعيدة
وأتلو حزنا أرهف من حد الموت·
لم يكن الموت بعيدا عنه، لقد كان جاثما على حياته، محاصرا له، فكلما رام حياة تجلى له الموت فيها، حياته ابنة الموت الذي لا يشيخ، فهل كان لابد أن يموت ليحيا بالموت؟
تتميز تجربة (الصافي) الشعرية بصفاء لغتها، والصور البيئية الحية التي تفوح بالعناء والشقاء وتتشح بالسواد، متخذة من تداعيات الحياة اليومية متكأ لها ليساعدها على التمايز والاختلاف عن بقية الأصوات الشعرية المجايلة له، عمل في الصحافة اليومية وحقق له فيها اسما ومكانة انعكست إيجابا على صقل شاعريته وتعميق تجربته·
كان “الصافي” قارئا نهما، عكف في أيامه الأخيرة على كتابة ديوان شعري كان يعتبره نقلة نوعية من تجربته الشعرية، لم تمهله الأقدار مليا في نشره فتلطخت مسوداته بدمه الزكي·
خديجة لا تحرك ساكناً
يالفاحم الجميلُ
يالصوفيُّ في ليلٍ طويل:
أما أتعبتك الحوادث والانتظارات؟!
توّحدتَ حتى توحدَتْ فيك الصبايا
الذاهبات الى الغيب،
وصوتي الذي بين احتمالين كان،
والصمت صوت الظنون
يا حارس الانتظارات والغياب والأرصفة:
كيف مرَّ بنا العمر كالعاصفة؟!
***
يا الولد العلي:
من لحزني حين يغيب الناس
في البلاد التي رمت للبحر أصابعها
حتى لا تشير إليْ
كلانا غريبٌ
وألمح أسوار النهايات تسوِّرنا
والطريق معصوبة العينين والخطى ضريرة
وأنت تغمض عينيك
بيني وبين البلاد الأخيرة
***
عندما كنت طفلاً صغيراً
تظنُّ - وبعض الظنون جميلة - بأنك
تملك تاج الفضاء
وتُخفي الدُّنى خلف
سبَّابتيكْ···
وها أنت تفعلها
فاختفيتْ
عالية شعيب
بدأت فنانة تشكيلية وأقامت العديد من المعارض الفنية كان آخرها “بورتريه غربة” في العام (1993)، ثم استهوتها القصة القصيرة فأصدرت مجموعتها القصصية الأولى “امرأة تتزوج البحر” في العام 1989 ثم أعقبتها بمجموعة ثانية عنوانها “بلاوجه” في العام (1991) اختزلت فيها موهبتها في القصة القصيرة والتشكيل، وجسدت بتشريحية كاملة أمراض المجتمع الاجتماعية والجنسية والنفسية الخاصة بالرجل والمرأة، وقد قال عنها إدوار الخراط : “إن قصص بلاوجه لا تندرج تحت مسمى القصة التقليدية إنها تجريب يتجاوز الأجناس الأدبية المألوفة”·
لقد بات التجريب منهجا فنيا رائجا عند عالية شعيب وجيلها، فأصدرت ديوانها الأول “عناكب ترثي جرحا” في العام (1993)، ثم جاء ديوانها الثاني “الذخيرة في اصرخي في فمي” في العام (1995)، ثم جاء ديوانها الأخير “نهج الوردة” في العام (1997) راسما وراسيا لأسلوب شعري ما بعد حداثي يغاير السائد من النصوص لغة وصورا، ويقارب التيار “الما بعد” حداثي الرائج في الوطن العربي·
الجسد هو المفردة الأساسية في عملها الفني، فلم يزل الجسد هاجسها الرئيسي سواء في أطروحتها للدكتوراه وعنوانها “الهوية الجسدية للمرأة” أما في أعمالها الشعرية·
إنها تسعى نحو الاختلاف والتفرد والتميز والغرائبية لأنها مسكونة بأشباح لغة جديدة لم يتخيلها أحد، ومسكونة بأخيلة ملونة لكوابيس يخاف الإنسان العادي من تصورها·
ترى أن العمل الفني هو الذي يحدث صدمة وشرارة عقلية وخيالية وذهنية لدى القارئ، أما الشعر الجديد المعاصر فهو أداة تشريحية يستخدم بصورة غير مباشرة لإعلاء مستوى الفرد العقلي، إنها تطلب من القارئ أن يشاركها بناء القصيدة وإعادة إنتاجها بوصفه المتلقي الفاعل في النص وللنص·
أنا·· مَجَرّةُ عَقْلِكَ
جُزَّ هلَعي
فُكَّ ضفائر أرقي
ثمََّ
اتركْ حبَّكَ يُطْلِقُ في مائي
نوارسَ
***
اقطفْ آهَتي
من يقظةِ جمرةٍ
سأنجب على لحْمِ ترابِها
أسئلة
يصير لها الليْل
ظلا وشمسا
***
يشاكِسُها الليل
فيسرقُ عتمَتَها
ويترُكها حبْلى
تجْهَرُ الأناشيد
بسرِّها
***
صه!
إنها تُرتّل إغراءها الباسل
بعتمةٍ آتية
تجتاحنا فضّة أنفاسها
فتتدفّق فيك
فيّ
* باحث وناقد كويتي
___________________________________________________________