
القانون الدولي يفرض حاجز بين المحتل ومواطني البلد
· الدولة المحتلة لا تتحمل كل أفعال الإدارة المحلية ولكنها مسؤولة عن رفاه العراقيين
· القضاء الجنائي، وضع القضاة العراقيين، والممتلكات·· لا يجوز للمحتل المساس بها
· استخدام القوة ضد السكان العراقيين مشروط وكذلك ما يتعلق بفرض قوانين جديدة
· لا يجوز للمحتل مراعاة قوانين محلية تتعارض مع القانون الإنساني الدولي وعلى رأسها الإعدام
· قيام الحزبان الكرديان بعمليات تهجير للعرب مخالفاً لاتفاقية جنيف الرابعة
عندما كتبت منظمة العفو الدولية هذه الوثيقة، كان الوضع في العراق محاطاً بشكوك كبيرة· إذ يتواصل القتال المتقطع· وقد انهارت الحكومة العراقية والهيئات الحكومية، وانتشرت أعمال السلب والنهب والعنف على نطاق واسع، وفي بعض المناطق تعرض الناس للتهجير القسري، مما زاد من المصاعب التي يواجهها الشعب العراقي· ولم تُعد قوات الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة فرض النظام بعد وتضمن تقديم المعونة الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرتها· وفيما عدا بواعث القلق الفورية هذه، لا تُعرف مدة بقاء الوجود العسكري الأمريكي والبريطاني، ولا تتضح احتمالات قيام سلطة انتقالية عراقية فعالة·
ورغم هذه المظاهر، لا يشكل الوضع الحالي "فراغاً قانونياً"، إذ يترتب على قوات الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة بوصفهما دولتي احتلال بموجب القانون الدولي، واجبات واضحة في حماية الشعب العراقي، وتُستمد هذه الواجبات من القانون الإنساني الدولي الذي أعطى تعريفاً منذ زمن طويل للقواعد المتعلقة بالاحتلال العسكري، والذي يُكمِّله قانون حقوق الإنسان الملزم لأي دولة تمارس ولاية قضائية على أراضٍ أو تبسط سيطرتها عليها· وينبغي على الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة أن تفيا بالالتزامات المترتبة عليهما وتستمرا في الوفاء بها ما دامتا تمارسان سلطة عسكرية على العراق·
لكن بحسب تعريفها، فإن سلطة دول الاحتلال موقتة وتقتصر على توفير الحماية والمساعدة إلى السكان الذين احتُلت بلادهم في الحالة الطارئة الناجمة عن الحرب· ولا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، مثلاً، تغيير النظام القانوني أو إجراء الإصلاحات الجذرية اللازمة لنظام القضاء الجنائي العراقي من أجل ضمان احترام حقوق الإنسان· فقط الحكومة العراقية المشكلة حديثاً أو الإدارة الانتقالية للأمم المتحدة التي يشكلها مجلس الأمن الدولي تملك مثل هذه السلطة بموجب القانون الدولي·
وفي هذه اللحظة ليس واضحاً ما الترتيبات التي ستوضع لتشكيل سلطة حكومية موقتة أو دائمة في العراق· وثمة خلاف حول دور الأمم المتحدة· وتعتقد منظمة العفو الدولية أن ضمان الاحترام الكامل لحقوق الإنسان يجب أن يشكل محور أي ترتيبات· وفي هذا الصدد، ينبغي أن تضطلع الأمم المتحدة بدور رائد في مجالين على الأقل، إضافة إلى تقديم المساعدة الإنسانية·
أولاً:الإطار القانوني الدولي
طوَّر القانون الدولي على مر السنين إطاراً رغم أنه يمنح سلطة الاحتلال الصلاحيات التي تحتاجها لإدارة الأراضي التي تُسيطر عليها، إلا أنه في الوقت ذاته يقنن حقوق سكان الأراضي المحتلة· ومن الأهداف الرئيسية للقواعد الدولية الخاصة بالاحتلال العسكري تمكين سكان الأراضي المحتلة من العيش بطريقة "طبيعية" قدر الإمكان في مثل هذه الظروف·
وفي سبيل ذلك، وإقراراً بالطبيعة الموقتة للاحتلال، يتعين على دولة الاحتلال إدارة الأراضي قدر الإمكان من دون إجراء تغييرات بعيدة المدى في النظام القائم، وفي الوقت ذاته ضمان حماية الحقوق الأساسية للسكان·
ولا يتناول القانون الدولي الخاص بالاحتلال العسكري مسألة شرعية الاحتلال· وتنطبق قواعده على أية دولة احتلال لمجرد كونها تسيطر على أرض أجنبية، أياً يكن سبب هذا الوضع· والإقرار بانطباق مثل هذا القانون على وضع معين لا يشكل حكماً على الوضع القانوني للأراضي المعنية·
وتوجد نصوص القانون الخاص بالاحتلال العسكري في القانون الإنساني الدولي، المعروف أيضاً بقوانين الحرب أو قوانين النـزاع المسلح· وهي:
أ - اتفاقية لاهاي بشأن قوانين وعادات الحرب البرية (اتفاقية لاهاي) والأنظمة الملحقة بها بشأن قوانين وعادات الحرب البرية (أنظمة لاهاي) الصادرة في 18 أكتوبر 1907·
ب - اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب (اتفاقية جنيف الرابعة) المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949·
جـ - المادة 75 من البروتوكول الإضافي للعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949 والمتعلقة بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية (البروتوكول الأول)·
د - قواعد القانون الدولي العرفي·
وفي الحقيقة، فإن معظم القواعد الأساسية الخاصة بالاحتلال هي ذات طابع قانوني عرفي، وملزمة للجميع· ولا يسمح أي منها بأي انتقاص·
وهناك نص رئيسي في القانون الإنساني الدولي يوجز واجبات احترام الحقوق الأساسية للأشخاص الرازحين تحت وطأة الاحتلال، مثل الحق في أن يعاملوا معاملة إنسانية وبلا تمييز، هو المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة·
ويجب حماية النساء بصفة خاصة ضد أي اعتداء على شرفهن، ولاسيما ضد الاغتصاب، والإكراه على الدعارة وأي هتك لحرمتهن·
ومع مراعاة الأحكام المتعلقة بالحالة الصحية والسن والجنس، يعامل جميع الأشخاص المحميين بواسطة طرف النـزاع الذي يخضعون لسلطته، بالاعتبار نفسه دون أي تمييز ضار على أساس العنصر أو الدين أو الآراء السياسية·
على أن لأطراف النـزاع أن تتخذ إزاء الأشخاص المحميين تدابير المراقبة أو الأمن التي تكون ضرورية بسبب الحرب·"
والتعليق الموثوق به على اتفاقية جنيف الرابعة والذي أصدرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر يشير (في الصفحتين 200-201) إلى أن هذه المادة "تعلن مبدأ احترام شخص الإنسان والطبيعة غير القابلة للهتك للحقوق الأساسية للرجال والنساء·"
وعلى الصعيد المحلي، تُرجمت نصوص القانون الإنساني الدولي إلى تعليمات موجهة لأفراد القوات المسلحة للدولة في الكتيبات العسكرية· وهي تشمل كتيبات القوات المسلحة للمملكة المتحدة (قانون الحرب البرية، الجزء الثالث، 1958) والولايات المتحدة الأمريكية (قانون العمليات الحربية البرية، FM 27-10 دائرة الكتيب الميداني للجيش، 1956)·
وتمشياً مع القانون الإنساني الدولي، فإن كل دولة احتلال ملزمة أيضاً باحترام نصوص معاهدات حقوق الإنسان التي تشكل الدولة التي احتلت أراضيها جزئياً أو كلياً طرفاً فيها، وبخاصة كما هو شأن العراق، عندما تُدمج هذه المعاهدات رسمياً في النظام القانوني للدولة المحتلة· وفي العام 1997 كذلك أكدت لجنة حقوق الإنسان، التي تراقب تنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في العام 1966، أن "الحقوق المكرسة في العهد تعود إلى أشخاص يعيشون في أراضي الدولة الطرف" (التعليق العام رقم 26، استمرارية الواجبات، الفقرة4).
ويتمم القانون الدولي لحقوق الإنسان نصوص القانون الإنساني الدولي، وذلك بتقديم مضمون ومعايير للتفسير، مثل استخدام القوة للتصدي للفوضى خارج الأوضاع القتالية· وفي بعض الجوانب، مثلاً الضمانات المنطبقة على أي شخص يتم اعتقاله، تمنح معايير حقوق الإنسان درجة من الحماية أكبر من نصوص القانون الإنساني الدولي ويجب تطبيقها· وتكون النتيجة إطاراً للحماية راسخاً بحزم في الواجبات الدولية·
ثانيا: الجوانب العامة للاحتلال العسكري
يرد تعريف الاحتلال العسكري في المادة 42 من أنظمة لاهاي :
"تعتبر الأراضي محتلة عندما تُوضع فعلياً تحت سلطة جيش معادٍ·
ولا يطال الاحتلال إلا الأراضي التي أُسست فيها هذه السلطة ويمكن ممارستها فيها·"
ويشير كتيب الولايات المتحدةFM 27-10 ( الفقرة 351) ببساطة إلى ذلك التعريف· ويحذو كتيب المملكة المتحدة (الفقرة 503) حذوه بالتشديد على أنه لا بد للقوات الغازية من أن تكون قد حلت محل سلطات البلد في ممارسة السيطرة الفعلية على أراضيه·
ويُستمد المعيار الوحيد لتحديد مدى انطباق القانون على الاحتلال العسكري من الحقائق التالية : السيطرة الفعلية والفعالة على الأراضي من جانب قوات مسلحة أجنبية مقرونة بإمكانية إنفاذ قراراتها، والغياب الفعلي لسلطة حكومية وطنية تتمتع بسيطرة فعلية· فإذا تم استيفاء هذه الشروط بالنسبة لمنطقة معينة، ينطبق عليها قانون الاحتلال العسكري· ومع أن هدف الحملة العسكرية قد لا يكون السيطرة على الأراضي، فإن مجرد وجود مثل هذه القوات في وضع مسيطر يجعل قانون حماية السكان منطبقاً· ولا تستطيع دولة الاحتلال التملص من المسؤوليات المترتبة عليها، ما دامت حكومة البلاد غير قادرة على أداء مهامها الاعتيادية·
ويسري مفعول النظام القانوني الدولي الخاص بالاحتلال العسكري حالما تحقق القوات المسلحة لدولة أجنبية السيطرة الفعالة على أراضٍ ليست تابعة لها· وينتهي عندما تتخلى قوات الاحتلال عن سيطرتها على تلك الأراضي·
وقد يُطرح سؤال حول ما إذا كان القانون الخاص بالاحتلال يظل مطبقاً إذا ما كانت سلطات مدنية جديدة شكلتها دولة الاحتلال من صفوف مواطني الأراضي المحتلة تدير الشؤون اليومية للأراضي المحتلة· والجواب هو نعم، طالما ظلت قوات الاحتلال موجودة في تلك الأراضي وتمارس السيطرة النهائية على أفعال السلطات المحلية·
ولا تعني مسؤولية دولة الاحتلال تحمل مسؤولية كل أفعال الإدارة المدنية المحلية· لكن إذا كانت الإدارة المحلية تفتقر، مثلاً، إلى الوسائل اللازمة لتوفير الرعاية الصحية، فإنه من واجب دولة الاحتلال اتخاذ إجراء لتصحيح الوضع· ولا يمكنها التخلي عن مسؤوليتها الأساسية عن رفاه سكان الأراضي المذكورة بالزعم أن السلطات المحلية هي التي تتولى المسؤولية·
وبحسب ما ورد في اتفاقية جنيف الرابعة (المادة الرابعة) فإن المدنيين في الأراضي المحتلة الذين يجدون أنفسهم "تحت سلطة طرف في النـزاع ليسوا من رعاياه أو دولة احتلال ليسوا من رعاياها" هم "الأشخاص المحميون" الذين ترد حقوقهم في الاتفاقية· وحقوقهم غير قابلة للانتهاك ولا يمكن التنازل عنها (المادة 8)· وأي تنازل من هذا القبيل باطل ولاغ· بصرف النظر عما إذا كان الشخص اتخذ ذلك القرار بملء إرادته أو تحت الضغط الذي مارسته دولة الاحتلال·
والفكرة الأساسية للقانون الدولي الخاص بالاحتلال العسكري هي أن الاحتلال موقت· وتتولى دولة الاحتلال لفترة محدودة مسؤولية أمن سكان الأراضي المحتلة ورفاههم· حسب أنظمة لاهاي في المادة 43
وبوصفها سلطة تصريف للأعمال نيابة عن حكومة البلاد الغائبة، يتعين على دولة الاحتلال تولي مسؤولية المهام التي تتعلق مباشرة بإدارة الأراضي، وبالتالي يمكنها إنشاء إدارة مدنية موقتة، لكن لا يحق لها تغيير الهياكل القائمة للدولة، فعلى سبيل المثال، لا يمكنها إجراء إصلاح رئيسي لنظام القضاء الجنائي، رغم أن هناك حاجة ماسة إليه في العراق لجعله يتماشى مع القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتدعو منظمة العفو الدولية إلى مباشرة لجنة من الخبراء تابعة للأمم المتحدة أعمالها فوراً، بالتشاور الوثيق مع المجتمع المدني العراقي لإعداد مقترحات للإصلاح، وستتولى إما حكومة عراقية جديدة أو إدارة موقتة تابعة للأمم المتحدة تنفيذ هذه المقترحات·
وإذا تقاسمت دول عدة احتلال السيطرة على مختلف أجزاء الأراضي وإدارتها فيما بينها (كما حدث في ألمانيا المحتلة بعد العام 1945)، تتحمل كل دولة مسؤولية كاملة عما يحدث تحت سلطتها، لكن هناك واجباً أساسياً في القانون الإنساني الدولي، تعكسه المادة الأولى المشتركة بين جميع اتفاقيات جنيف الأربع وهو التعهد ليس بأن تحترم بل أيضاً بأن "تكفل احترام هذه الاتفاقية في جميع الأحوال"·
ثالثاً: واجبات الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة كدولتي احتلال
1 - واجب إعادة فرض القانون والنظام والحفاظ عليهما
يترتب على دولة الاحتلال واجب إعادة فرض النظام العام والسلامة في الأراضي التي تسيطر عليها قواتها والحفاظ عليهما وفقاً للمادة 43 من أنظمة لاهاي·
ولأداء هذا الواجب، يحق لدولة الاحتلال "اتخاذ أي إجراءات ضرورية للسيطرة والأمن فيما يتعلق بالأشخاص المحميين نتيجة الحرب"، بحسب ما جاء في المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة، وقد تتضمن هذه الإجراءات استخدام القوة، لكن أي استخدام للقوة في ظروف خارج القتال، سواء من جانب الجنود أو أفراد الشرطة، يجب أن يتماشى مع المعايير الدولية لإنفاذ القوانين، بما فيها مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين للعام 1979 والمبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين للعام 1990 (المبادئ الأساسية)·
وتعكس المادة 3 من مدونة قواعد السلوك مبدأي الضرورة والتناسبية : لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون "استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم"، ويشير التعليق على هذه المادة بشكل محدد إلى أن استخدام الأسلحة النارية يشكل تدبيراً أقصى :
ولا تملك القوات المقاتلة عادة التدريب أو المعدات الصحيحة اللازمة لأداء مهام الشرطة، ولا يجوز أن نتوقع منها أن تفعل ذلك، لكن على دول الاحتلال واجب التخطيط لاحتمال انهيار سيادة القانون والنظام في المناطق التي وتسيطر عليها عسكرياً، وهو حدث شائع للغاية في النـزاعات المسلحة، وأمر جرى التنبؤ مراراً بحدوثه في العراق، ويبدو أنه تم تكريس جزء كبير من التخطيط والموارد لحماية حقول النفط العراقية، لكن لا توجد أدلة تُذكر على وجود مستويات مشابهة من التخطيط وتخصيص الموارد لحماية المؤسسات العامة وغيرها من المؤسسات الضرورية لبقاء الشعب ورفاهه، وكان الرد على الفوضى قاصراً لدرجة مذهلة·
وتدعو منظمة العفو الدولية الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة إلى نشر قوات بأعداد كافية وذات تدريب ومعدات مناسبة لإعادة فرض القانون والنظام، إلى أن تتمكن قوات الشرطة العراقية من العمل بفعالية، ويجب المبادرة على وجه السرعة إلى وضع إجراء فعال وعادل لغربلة أفراد قوات الشرطة العراقية، وذلك للتقليل من فرص عودة المسؤولين الذين ربما شاركوا في انتهاكات حقوق الإنسان إلى أداء مهامهم، وعند القيام بمهام الشرطة أو الإشراف عليها، ينبغي على الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة أن تكفلا عدم تقييد حقي حرية التعبير والاجتماع بشكل تعسفي·
2 - واجب توفير الغذاء والرعاية الطبية وتسهيل المساعدة الإنسانية
يترتب على سلطة الاحتلال واجب ضمان توفير الغذاء واللوازم الطبية، إذا دعت الضرورة، لسكان الأراضي المحتلة، وبحسب المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة : "من واجب دولة الاحتلال أن تعمل، بأقصى ما تسمح به وسائلها، على تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية، ومن واجبها على الأخص أن تستورد ما يلزم من الأغذية والمهمات الطبية وغيرها إذا كانت موارد الأراضي المحتلة غير كافية"·
وفيما يتعلق بالرعاية الطبية، تنص المادة 56 على أنه: "من واجب دولة الاحتلال أن تعمل، بأقصى ما تسمح به وسائلها، وبمعاونة السلطات الوطنية والمحلية، على صيانة المنشآت والخدمات الطبية والمستشفيات وكذلك الصحة العامة والشروط الصحية في الأراضي المحتلة، وذلك بوجه خاص عن طريق اعتماد وتطبيق التدابير الوقائية اللازمة لمكافحة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة، ويسمح لجميع أفراد الخدمات الطبية بكل فئاتهم بأداء مهامهم"·
3 - القانون الجزائي : نطاق محدود لإجراء تغييرات
تمشياً مع الطبيعة الموقتة للاحتلال العسكري، تنص المادة 64 من اتفاقية جنيف الرابعة على أن "تبقى التشريعات الجزائية الخاصة بالأراضي المحتلة نافذة، ما لم تلغها دولة الاحتلال أو تعطلها إذا كان فيها ما يهدد أمنها أو يمثل عقبة في تطبيق الاتفاقية·"
ويشدد التعليق على هذه المادة (الصفحتان 335 - 336) على أنه من المبادئ الأساسية لقانون الاحتلال "فكرة استمرارية النظام القانوني" للأراضي المحتلة والتي "تنطبق على القانون بأكمله (القانون المدني والقانون الجزائي)·" ويوضح أن سبب الإشارة السريعة في اتفاقية جنيف الرابعة "فقط إلى احترام القانون الجزائي هو أنه لم تتم مراعاته بشكل كافٍ خلال النـزاعات الماضية؛ وليس هناك سبب لاستدلال العكس وهو أن سلطات الاحتلال ليست ملزمة أيضاً باحترام القانون المدني للبلاد أو حتى دستورها·"
وهناك استثناءان فقط لقاعدة الحفاظ على القوانين الجزائية القائمة، ويتعلق الأول بأمن دولة الاحتلال الذي كما يُوضح تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر "يجب أن يُسمح لها بوضوح بإلغاء نصوص مثل تلك المتعلقة بتجنيد السكان أو حثهم على مقاومة العدو"· والثاني "لما فيه مصلحة السكان" التي تجيز لها إلغاء، مثلاً، التدابير القائمة على التمييز، ولا تستطيع دول الاحتلال إلغاء القوانين الجزائية أو وقف العمل بها لأي سبب آخر - وبشكل خاص، ليس لمجرد جعلها تتماشى مع المفاهيم القانونية الخاصة بها"·
وتجيز المادة 68 من اتفاقية جنيف الرابعة فرض عقوبة الإعدام على مرتكبي الجرائم الخطيرة للغاية، ولكن ليس على الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً عند ارتكاب الجرم، بيد أن هذا النص اعتُمد في العام 1949، عندما كانت عقوبة الإعدام تُستخدم على نطاق واسع، واليوم ألغتها أكثر من 100 دولة قانوناً أو ممارسة، وتُستبعد عقوبة الإعدام كعقوبة في جميع المحاكم والهيئات القضائية الدولية والمختلطة التي تحاكم مرتكبي أسوأ الجرائم في العالم، مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولا يجوز استخدامها في العراق·
وتمشياً مع هذه النصوص الواردة في القانون الإنساني الدولي ومع الالتزامات المترتبة عليهما بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا يجوز للولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة مراعاة أحكام القانون المحلي العراقي التي تتعارض مع القانون الدولي، وتشعر منظمة العفو الدولية بالقلق منذ زمن طويل إزاء التشريعات العراقية التي تتعارض مع القانون والمعايير الدولية، مثل المراسيم الخاصة الكثيرة الصادرة عن مجلس قيادة الثورة والتي تنص على فرض عقوبة الإعدام والتشويه على مجموعة واسعة من الجرائم·
4 - السلطات التشريعية المحدودة لدولة الاحتلال
لدى دولة الاحتلال نطاق محدود لسن نصوص قانونية خاصة بها، فالمادة 64 - 2 من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على أنه "لا يجوز لدولة الاحتلال إخضاع سكان الأراضي المحتلة للقوانين التي تراها لازمة لتمكينها من الوفاء بالتزاماتها بمقتضى هذه الاتفاقية، ويحدد التعليق (الوارد في الصفحة 337) القضايا التي يمكن فيها لدولة الاحتلال ممارسة سلطة تشريعية· وهي تقتصر على الأحكام "اللازمة لتطبيق الاتفاقية" في مجالات مثل رعاية الأطفال والعمالة، والغذاء والنظافة والصحة العامة؛ والأحكام الأخرى الضرورية للحفاظ على "الإدارة المنظمة للأراضي"؛ والأحكام الجزائية "اللازمة لحمايتها هي"·
وبموجب المادة 65، "لا تصبح القوانين الجزائية التي تفرضها دولة الاحتلال نافذة إلا بعد نشرها وإبلاغها للسكان بلغتهم، ولا يكون لهذه الأحكام أثر رجعي"·
5 - الولاية القضائية الجنائية
بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، لا يجوز لدول الاحتلال تغيير وضع القضاة، شأنهم شأن الموظفين الرسميين (المادة 54)· وتواصل المحاكم القائمة عملها وتحتفظ بالولاية القضائية فيما يتعلق بانتهاكات القانون الجنائي المحلي من جانب سكان الأراضي المحتلة (المادة 64 -1)· لكن في غياب نظام قضائي فاعل، يجوز لدولة الاحتلال إنشاء محاكم خاصة بها لأداء مهام السلطة القضائية العادية، شريطة تطبيقها للقوانين المعمول بها·
وتنص المادة 66 على أنه في حالة إصدار دولة الاحتلال أحكاماً تشريعية، يجوز لها أيضاً أن تنشئ "محاكمها العسكرية غير السياسية والمشكلة تشكيلاً قانونياً"، التي تُعقد في الأراضي المحتلة، و"يُفضل عقد حاكم الاستئناف في البلد المحتل·" (المادة 66)·
وينبغي أن تحترم المحاكم العسكرية التي تشكلها دولة الاحتلال الضمانات الإجرائية التفصيلية المحددة في المادة 67 والمواد من 69 إلى 75 وعلاوة على ذلك، فإنه تحت عنوان الضمانات الأساسية· قننت المادة 75(1) من البروتوكول الأول جميع ضمانات المحاكمة العادلة، ويُعترَف بمضمون المادة 75، بما في ذلك من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تصادق على البروتوكول الأول، على أنه يعكس القانون الدولي العرفي، وتشكل هذه الضمانات بالمثل، جوهر القانون الدولي الحديث لحقوق الإنسان، كما جرى تدوينه في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وغيره من المعايير الدولية·
وتؤكد اتفاقية جنيف الرابعة على مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية وتحظر العقوبات الجماعية (المادة 33)·
ويجب اعتقال الأشخاص المتهمين أو المدانين بارتكاب جرائم جنائية في أوضاع إنسانية وإبقائهم في مرافق اعتقال داخل البلد المحتل (المادة 76)· ويحق لهم تلقي زيارات من مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر·
وتشعر منظمة العفو الدولية بالقلق منذ زمن طويل إزاء عمل نظام القضاء الجنائي العراقي، بما في ذلك افتقار القضاة إلى الاستقلالية؛ واستخدام التعذيب؛ والمحاكمات بالغة الجور التي تجريها المحاكم الخاصة وغيرها من المحاكم العراقية، بيد أن منظمة العفو الدولية تعتقد أن المحاكم التي تنشئها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة غير مستحسنة، لأنه قد يُنظر إليها على أنها عدالة "المنتصرين"·
وتعتقد منظمة العفو الدولية أن المحاكم العسكرية لا يجوز أن تُستخدم لمحاكمة المدنيين أو لمحاكمة أفراد القوات المسلحة على الجرائم المنصوص عليها في القانون الدولي، وإضافة إلى ذلك، ستكون بعض المقترحات، مثل استخدام اللجان العسكرية الأمريكية، التي لا تشكل حتى محاكم، بالغة الجور بموجب القانون الدولي·
6 - الإقامة الجبرية أو الاعتقال الإداري (الحبس)
وفقاً للمادة 78 من اتفاقية جنيف الرابعة فإنه "إذا رأت دولة الاحتلال لأسباب أمنية قهرية أن تتخذ تدابير أمنية إزاء أشخاص محميين، فلها على الأكثر أن تفرض عليهم إقامة جبرية أو تعتقلهم"، لكن في مثل هذه الحالات تقتضي المادة 78 أن : “تتخذ قرارات الإقامة الجبرية أو الاعتقال طبقاً لإجراءات قانونية تحددها دولة الاحتلال وفقاً لأحكام هذه الاتفاقية، وتكفل هذه الإجراءات حق الأشخاص المعنيين في الاستئناف، ويُبت بشأن هذا الاستئناف في أقرب وقت ممكن، وفي حالة تأييد القرارات، يعاد النظر فيها بصفة دورية، وإذا أمكن كل ستة شهور، بوساطة جهاز مختص تشكله الدولة المذكورة”·
ويحق للمعتقلين الإداريين تلقي زيارات من مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر·
وتقر منظمة العفو الدولية بأن تدابير تقييدية موقتة كتلك التي تسمح بها اتفاقية جنيف الرابعة قد تكون ضرورية، وبخاصة لمواجهة الاضطرابات واسعة النطاق، لكنها تدعو الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة إلى احتجاز أي مدنيين معتقلين لأقصر فترة زمنية ممكنة وإطلاق سراحهم إلا إذا كان سيتم توجيه تهم إليهم بارتكاب جرم جنائي معترف به وتقديمهم للمحاكمة·
7 - خطر الإكراه والتعذيب وغيرهما من ضروب الوحشية
"تحظر ممارسة أي إكراه مدني أو معنوي إزاء الأشخاص المحميين، خصوصاً بهدف الحصول على معلومات منهم أو من غيرهم" (المادة 31)·
كذلك تحظر "جميع التدابير التي من شأنها أن تسبب معاناة بدنية أو إبادة للأشخاص المحميين الموجودين تحت سلطتها، ولا يقتصر هذا الحظر على القتل والتعذيب والعقوبات البدنية والتشويه والتجارب الطبية والعلمية التي لا تقتضيها المعالجة الطبية للشخص المحمي وحسب، ولكنه يشمل أيضاً أي أعمال وحشية أخرى، سواء قام بها وكلاء مدنيون أو وكلاء عسكريون (المادة 32)·
8 - حظر الإبعاد والترحيل
يُمنع الإبعاد القسري للأشخاص المحميين، سواء كانوا معتقلين أو يقضون عقوبة بالسجن أو ليسوا في الحجز، من الأراضي المحتلة، وبحسب المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة : "يُحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أياً كانت دواعيه·"
كما تحظر المادة 49 - 2 من اتفاقية جنيف الرابعة النقل الجبري للسكان المدنيين داخل الأراضي المحتلة إلا "إذا اقتضى ذلك أمن السكان أو لأسباب عسكرية قهرية"· وبحسب الأنباء الأخيرة، أقدم أنصار الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني ومجموعات تعمل بالتعاون الوثيق مع القوات الأمريكية على تهجير العرب قسراً من ديارهم، ويترتب على الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، بوصفهما دولتي احتلال، واجب التأكد من عدم حصول أي تهجير قسري إلا في الظروف المحدودة التي تجيزها المادة 49
9 - حماية الممتلكات والموارد الطبيعية
تقتضي أنظمة لاهاي من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة احترام "الملكية الخاصة (المادة 46)· وهما "يعتبران مديرين فقط" للمباني المملوكة للدولة والموارد الطبيعية مثل "الغابات والأطيان الزراعية" (المادة 55)· وبالتالي، ينبغي على الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة ألا تصادرا الممتلكات العامة أو الموارد الطبيعية للعراق أو تتصرفا بها على نحو آخر·
إن "تدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية على نطاق كبير بطريقة غير مشروعة وتعسفية" يشكل جريمة حرب، وتحديداً انتهاكاً جسيماً لاتفاقية جنيف الرابعة (المادة 127)·
10 - دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر
يشكل عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ضمانة أساسية لحماية المدنيين في الأراضي المحتلة· وبموجب اتفاقية جنيف الرابعة، ينبغي على دول الاحتلال قبول خدمات اللجنة الدولية للصليب الأحمر (المادة 143-5)· ويتمتع مندوبوها بحق التصدي لأية مسألة تتعلق بقانون الاحتلال· ويجب منحهم حرية التنقل في جميع أرجاء الأراضي المحتلة· وبوجه خاص يجب السماح لهم بحرية الدخول إلى جميع مرافق الاعتقال ومقابلة جميع فئات السجناء·