رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 15 ربيع الأول 1421هـ - 17 مايو 2003
العدد 1577

دراسة

                                     

 

منمنمات كولاجية

المشهد الشعري في الكويت “مختارات شعرية”

 

إعداد وتقديم: عباس يوسف الحداد*

نختتم في هذا العدد البحث الذي كان قد بدأه الناقد عباس يوسف الحداد بمدخل تاريخي للمشهد الشعري في الكويت، ورصد أهم الملامح والسمات الشعرية في التجربة الراهنة، وعلاقتها بالبيئة المحلية والعربية، واختياره لبعض الكتابات الشعرية التي شكل منها “كولاجا” يعرض المشهد الشعري الكويتي الراهن·

وكان قد اختار في الجزأين السابقين مجموعة من الأسماء الشابة “إبراهيم الخالدي وسعدية مفرح ودخيل الخليفة وعلي حسين الفيلكاوي وعالية شعيب وصلاح دبشة والراحل علي الصافي”·

وكان الناقد الحداد قد وصف بحثه بـ “الملف” حينما قال: “تمثل هذه المختارات في حد ذاتها الخطوات العريضة لتجربة كل شاعر/ شاعرة، كما آثرت الاقتضاب في الحديث عن تجربة كل شاعر لكي لا يتحول الملف الى دراسة نقدية ويفقد الهدف منه وهو التقديم للتجربة الشعرية الراهنة في الكويت”·

المحرر

فوزية سالم الشويش: 

شاعرة وروائية وكاتبة مسرحية، شهد المسرح ولادتها الأدبية، إذ شاركت في مهرجان المسرح التجريبي الذي أقيم في بغداد العام 1990 في عمل مسرحي هو “تداخلات الفرح والحزن”، ثم تنازعها الشعر والرواية، فانتصرت الرواية على الشعر لديها، بعد أن أصدرت ديوانها الأول “إن تغنت القصائد أو انطفأت فهي بي” عن دار شرقيات العام 1995، وديوانها الثاني “حارسة المقبرة الوحيدة” في العام 1996 وهو عبارة عن سيرة شعرية سردية عن تجربة الغزو العراقي للكويت، وديوانها الثالث “في مرآتي يتشهين عصفور الذهب” عن دار المدى العام 1999·

وقد صدر لها ثلاث روايات هي على التوالي: “رواية “الشمس مذبوحة والليل محبوس” عن دار المدى العام 1997، ورواية “النواخذة” عن دار المدى العام 1998، ورواية “مزون” عن دار الكنوز الأدبية العام 2000·

وبالرغم من اتجاهها الى الكتابة الروائية في السنوات الأخيرة، فإنه مازال للشعر سطوته وحضوره البهي على تجربتها الروائية، فقد استطاعت أن تمزج بين اللغة السردية واللغة الشعرية في الكتابة الروائية هادمة بذلك الحدود “الوهمية” الفاصلة بين الأجناس الأدبية، واتهمها النقاد بالإفساد وعابوا عليها هدمها الجدار بين الأجناس الأدبية، ولكنها مضت نحو ترسيخ ذلك في تجربتها الروائية (انظر روايتها الأخيرة “مزون”)·

لا تألف التعقيد في لغتها، فلغتها بسيطة مستمدة من بساطتها وتلقائيتها في تعاملها مع الفن، تشتم رائحة البحر ورائحة النوير “نبات صحراوي في الكويت” يفوحان من أعمالها الروائية، ولن تتعب في أن تجد لها صدى في أعمالها الشعرية·

آكل الورد

تصديرٌ للمكان

الفروانية: اكتظاظٌ عالٍ للسكان

خلطٌ غيرُ متجانس

توهانُ لغةٍ

وعورةُ تعارُف

أشواكٌ ونتوءات

الطرقُ غيرُ سالكة

النفسُ البشرية لغزُ المكان·

منزل جاسم: يلتصق بكلِّ الجدران

لا خصوصية مميزة

فقط·· عموميةٌ ضائعة

اللونُ·· محايد·

مدرسة جاسم: تكشف أسطحَ البيوت المجاورة كلها

لا تملك مفاتيح أسرارها·

في المبنى القديم··

يحتشدُ الصبيانُ

عصا الأستاذِ تروّضُ الأجساد

الأرواحُ عصافيرُ ترفضُ التدجين·

 

مونادا مراد 

اسم مستعار لصوت أنثوي يحبو نحو وادي الشعر حبوا، وصاحبة تجربة شعرية متميزة في معاناتها الذاتية، مكبلة بأغلال حديدية من القبيلة الى القبيلة، رغم الحياة المدنية التي تعيشها·

فعلى الرغم من أن شعرها مربوط أسفل أقدام أبيها، وخارطة روحها لا تعرف إلا التجزئة، فإن في رأسها عناد النخيل للريح، وفي قلبها عناد عصفور لا وطن له·

إنها آثرت التميز والتفرد في عالم يرى التميز نقيصه، والتفرد كفرا وخروجا عن السائد والمألوف·

نشرت الكثير من نصوصها في الصحف والمجلات العربية “أدب ونقد مثلا” ثم جمعت تلك النصوص في ديوان أسمته “خطوط في عظام قلب” - لم ير النور بعد - إنها خطوط وقراءات للواقع المعيش، أشبه بخطوط الكف وقراءة الطالع، جسدت فيها معاناتها مع المجتمع والقبيلة، وتسلط عالم الذكورة على عالم الأنوثة، بالإضافة الى قهر القبيلة والحضارة لكل ما هو أنثوي في مفرداته أو دلالاته·

إن هذه الخطوط سيرة للأنا، سيرة للوأد، سيرة المعاناة والقهر تحياها الذات الشاعرة عبر تجربة شعرية خاصة جدا، وقد تجلت هذه الخصوصية بإدراج جميع النصوص تحت عنوان واحد هو عنوان الديوان، من دون أن تضع لكل نص عنوانا، واكتفت بأن وضعت لكل نص رقما فقط، إن وجعها من التكبيل والقيد والتسمية هو الذي نأى بها عن وضع عنوان لكل قصيدة، ليصبح عدد الخطوط مفتوحا بلا حدود وبلا قيود إنها أرقام لا نهائية توازي في حقيقتها لا نهائية الحلم الذي تحياه في عالمها الداخلي·

ويمكن لنا أن نستشف من عنوان مجموعتها دلالة التنكير الذي يحمل التحقير والتدني سواء لتلك الخطوط أم القلب، فهي “خطوط” نكرة في “عظام قلب” نكرة·

إنها تقاوم وطأة القبيلة وانكسارها الخارجي بانتصارها الداخلي، فعلى الرغم من أنها في موقع المفعول به فإنها تبدو وكأنها مصدر الفعل والفاعل المستتر في جملة الوجود، استترت باسم مستعار هو “مونادا” أصغر جزيء في الذرة لا يقبل القسمة كما قال الفيلسوف الألماني “ليبنتز” إنها فاعلة في الوجود رغم الإصرار على تهميشها وإرجائها، تحب نيتشه وألبير كامي وتكره كارل ماركس لأنها تكره الذوبان في الآخر، رافضة أن تكون ترسا في آلة ممسوخة الملامح لا شخصية لها·

هذا، ولها تجربة في الفن والرسم “الجرافيك” عبر الكمبيوتر جسدت من خلالها معاناة الذات وقسوة الحياة عليها فنيا وتشكيليا، وقد عرضت هذه اللوحات في إحدى المجلات الفنية المتخصصة “فوتو” التي تصدر في الكويت، مذيلة كل لوحة بمقطوعة أدبية كاشفة عن دلالات متعددة·

 

انقهر كسيف انكسر كإبرة

 

كثيرٌ هو الوقت المهدور كَخَدَرٍ

رغم·····

أن فكري أسنان

وإبداعي دبابيس

       

أشبُهكَ يا حائطاً كثيرا··

فكلانا يقع عليه الفعل···

ويصمت·

 

غطست رأسي

بالوحل

ولبست لون المستنقعات

علقت صوتي في عنق ريح غريبة/ هاربة

لا تعرف معنى لوطن

لأكشط عن قاع إنسانيتي

ظلال الهزائم حولي

تقوس ظهري كحبلى

رافضة/ راكعة

لبهار

عذابي/ حزني

تعاركت خيالاتي

بأشباح الوجود

ولغة تقاطرت مني·· أكسيدا لزجا

بعثر أسناني

خاضعة كالعامة·· وجيبي فيه

ثروتي وحصادي

إرادة

حاصرها البصاف

الليلُ

لا أَعرف عنه شيئا···

سوى أنه ظلال الأشجار عندما تنحني الشمس بشدة

إذا جاعتْ

أو هو اللونُ الموجودُ تحت جفني··

أو قهقهات اللصوصِ في مكاتبهم·· صباحا

الليلُ فقط

·· كلما دخل أبي غرفتي

 

نجمة إدريس 

سبقت بنات جيلها في نشر قصائدها في الصحف والمجلات الأدبية، لكنها تأخرت عنهن في نشر مجاميعها الشعرية، كانت في قلق الدكتوراه، وقلق الأبناء، سورة النضوج وصقل الموهبة وتوهج الرؤية الشعرية واللغة الشاعرة، تزاوج في تجربتها الشعرية بين الأصالة والالتزام بالقواعد العروضية المرتبطة في قصيدة التفعلية، وبين السير قدما نحو التجريب والتنوع، نتاجها الشعري ثري غني وحي ونابض في تنوع موضوعاته وأساليبه الشعرية·

وربما كان لتخصصها الأكاديمي في تدريس الأدب العربي الحديث في كلية الآداب في جامعة الكويت أثره على تجربتها الشعرية، وتزويدها بحرفية فنية استطاعت من خلالها تفكيك الحالة الشعرية والإمعان فيها ثم إعادة خلقها من جديد·

ومن أجمل ما أبدعته دقة وصف تفاصيل الحالة الإنسانية في تجلياتها المتنوعة والمتعددة، الأم، الطفل، الغريب التائه، العامل المتعب، الإنسان·· الإنسان بكل صخبه وقلقه وثورته وسقوطه، في ديوانها الأول “الإنسان الصغير” 1998، وفي ديوانها الثاني “مجرة الماء” 2000 حاولت أن تمزج بين نوعين من الكتابة الشعرية - بعدما أخلصت ديوانها الأول لشعر التفعلية - بين شعر التفعلية وقصيدة النثر، فعلى الرغم من التفاوت بين الرؤيتين للذات المبدعة، ورغم الاختلاف الفني واللغوي فإن الروح الواحدة المرفرفة كانت محلقة في أرجاء العمل، توحد شتاته وتشير الى التفوق اللغوي والفني في كلا الجزأين رغم اختلافهما·

 

أتكوَّنُ بِكَ

 مَنْ يُلقِمُ هذا الشَّعْرَ

الفاغرَ فاهْ

حَجَرا

حفنةَ رملٍ

مِطواهْ

مَنْ يلكمُهُ

في بؤبؤهِ الشاخصِ

قامتِهِ

وقفاهْ

مَنْ يطعمهُ

بُقيا نيرانِ الموقدِ

ما تذروهُ الريحُ

ويكنسُهُ الليلْ

ويقطَّرُهُ جفنُ الفجرِ المتعبِ

من أقذاءْ

مَنْ يُسكتُهُ

هذا الراعفَ كالثكلى

المتشعَّثَ

كالشّجر الزقُّومِ

الآسنَ

في الحلقِ كَغِسلين

الصارخَ في البلعومِ

كنارِ الإثمْ

 

تطيرُ

ريشةً

واضحة البياضْ

كاملةَ الأعضاءِ

في إطراقةْ

صَهٍ

أيتها الأفواهْ

لا تجرحي بياضَها

دعي لها

براءةَ البزوغِ

طُهْرَ عريها

ورعشةَ الإفاقةْ

 

قبلَ أن أموتَ

شيَّعوا جنازتي

وأمطروا

قبريَ بالورودْ

قبل أن أموتَ

اقتسموا

شجيرتي

أولئكَ القرود!!

 

حين تكونُ

أُمْحَى

حين لا تكون

أتكوَّنُ بكْ

 

أجوس التيه

نصف عين

نصف قلب

نصف رعشة

وعصير تفاحتي

ينقطُ

كالذبيحة

 

صنعتُ

منكَ حساءً

لأستدفئَ هذا المساءْ

وجلستُ كالفقراء

أغمسُ

رغيف أصابعي

وألحسُك

سأستبقي

قطرةَ للغدْ

لأفقأ

عين الجوع!!

 

ألكمُ اللغة

في أسنانها

وفقرات الظهر

وساقيها الممشوقين!

كومةُ العظام

تقرعُ رأسي

تخمشُ

لوحتي التشكيلية

ترشُّ الدم

فوق بياضي الجديد!

وتعيدُ ترتيبَها

رغماً عني!!

 _____________________________

لمشاهدة بقية الموضوع من خلال هذا الرابط

http://www.taleea.com/newsdetails.php?id=3928&ISSUENO=1577

 

______________________________________________________________

 

طباعة  

أمسية
 
دراسة(بقية الموضوع)
 
وتــد
 
افتتاح معرض فن الأورغواي·· غدا
 
“العربي” في حديقة التفاح