دمّو·· حياته قصيدة
نشمي مهنا
في عقد السبعينات، ركب بعض شعرائنا العرب موضة الصعلكة، مجاراة وتشبها بما كان يجري في الجانب الآخر من عالمنا، حينما لم يجد أبناء الحضارة الغربية هناك سبيلا لمواجهة ماديتها الطاحنة إلا بإدارة ظهورهم لها، وعدم الاهتمام بها، بل والعبث بتعاليمها، ومن ثم كان الضياع، والهروب من واقعها القاسي، الذي أخذ مسميات الهيبية والبوهيميا·
وكان شاعرنا العربي (المتخم بالإفلاس) يريد استكمال ديكورات ولوازم الشاعرية، التي لن تتحقق له - كما يرى - إلا باصطناع الصعلكة والتشرد مرة، وادعاء الفوضى والشرود الذهني مرات أخرى، مع الإقرار أن هاتين الصفتين كثيرا ما تلازمان ذلك الكاتب الحقيقي الداخل في دوامة الخلق الإبداعي، والمنجذب الى مغناطيسها الغامض، والذي لن يخرج منها سليما معافى، بل مشتتا كالمجذوب·
ورغم ذلك لا يمكن أن تكون تلك الخسائر الذهنية شرطا للإبداع! ذكرني خبر وفاة الشاعر العراقي جان دمّو، منذ أيام بتلك الموضة، وأصحابها الحقيقيين أو أولئك المفتعلين، وتذكرت لقاء صحافيا خاطفا وغريبا أجرته جريدة “المؤتمر” مع هذا الشاعر منذ نحو السنتين على صفحاتها التي تفرد الكثير منها للثقافة - كشأن أغلب الصحف العراقية في المنفى - وكان مصدر الاستغراب من طريقة معيشة “دمّو”، وفلسفة حياته، وتسكعه، حيث يختار لكل ليلة بيتا، جدرانه مفتوحة على ليل أستراليا، وزواره ضجيج المارة، ووقع أقدامهم من حوله، حيث لا بيت سوى الرصيف، ولا قوت سوى ما تمده أيادي السماء، ولا دفء للروح الهائمة سوى علبة من بيرة·
قضى جان دمّو حياته في التسكع، عن عوز وحاجة، سواء في بلدته كركوك، أو في ترحاله الى بيروت وعوالم أخرى، كانت آخرها أستراليا التي كانت نهاية المطاف، لفظ أنفاسه هناك قبل أن ينهي قصيدته الكبرى أو روايته العظيمة مثلما كان يقول حينما يريد أن يستهزئ بأصدقائه الشعراء والكتاب والروائيين· نصوصه التي لم تجمع كانت تفرض اسمه كشاعر مختلف، نشر بعضها في الستينات فكانت صادمة للكتابات الشعرية الساكنة، والهادئة، والرتيبة، مثل نصه “الجندي الذي سافر في القطار ونسي أن يقول للبروفيسور نعم” ونصوص أخرى تحمل غرابته، واشتغاله على خلق جديد·
قبل أن تغادره الحياة، كان قد غادرها بإرادته، حينما كان يطلق ضحكاته في وجه الدنيا، ويعبث بكل تجهماتها القدرية·
ومضى·· يخبئ قصيدته الأخيرة - قبل أن يلاقي عراقه الجديد - ضانا بها على الدنيا·· بأكملها!!
يقول دمّو:
الظل
أمعن في صدودك أيها الواقع
فذاك قد يكون أولى بتمزيق النجوم
النجوم! قدمٌ تبحث عما يماثلها، قدمٌ تورق مع الحلم، قدم تقطع
الفأس التي صنعت لقطع الجذوع ستظل فأسا دوما·
آخر وافد الى مملكة ذراعي كان يوم الثلاثاء
بين المطر والحقيقة يسقط ظل الله
ها أنذا في سبيلي الى ممارسة إنسانيتي الغرفة مربعة، وكذلك القلب·
مع آخر سجائري، يتخذ القلق مكانه الأشد توحشا·
(نشرت 1964)
صدى الضفادع
الضفادع تشم رائحة القصيدة
مثلها مثل الغرف والورقة
ولكن حينما تثقل القصيدة بيأس فائر، يشك بنتيجتها·
لقد تعلمت أن أكتب ببساطة جندي أو ربيع عقيم·
يا للهزل! أي فوضى!
أيتها الأشياء، أأنت مصممة
ألا تفصحي؟
لو فقط أستطيع أن أكون ما أنا، أو أن أموت بموت الصدى·
nashmi@taleea.com
______________________________________________________________