رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 6 ربيع الآخر 1424هـ - 7 يونيو 2003
العدد 1580

قراءة في جدلية المكان والزمان والإنسان بين الثابت والمتغير في نثر القطامي

                               

بحث الدكتورة نورية الرومي

إن علاقة القطامي بالنثر ما كان لها أن تولد لولا احتكاكه بالثقافة العربية الواسعة التي استقاها من البيئات الثقافية في الدول العربية والأجنبية التي رحل إليها خلال تنقلاته الكثيرة، وانبهاره بكتابات الأدباء العمالقة، مما كان يفتقده القطامي في بيئته الثقافية المحدودة في الكويت آنذاك، ولسيطرة الشعر على الأدب في منطقة الخليج والجزيرة العربية، إذ لم تسمح هذه البيئة للنثر أن يزدهر آنذاك·

إن انتشار نثر القطامي في فترته المبكرة كان انتشارا عربيا، عندما احتضنته جمهورية مصر العربية واحتضنت معه المجلات الأدبية المتعددة التي طبعت في مطابعها مما يؤكد تأثر القطامي بالكتاب العرب، ومما يؤكد أيضا أن كتاباته قد نمت في تربة عربية، ولم تنم في تربة الكويت أو منطقة الخليج العربي·

إن القراءة العددية قد أعطتنا الرقم “عشرة” لقصصه، ولكن اللافت للنظر أن كل قصة قد قسمت الى أقسام داخلية ذات وحدة عضوية منفصلة، فلو عددنا هذه التقسيمات الداخلية قصصا فإن الرقم سوف يختلف، ويتضاعف، واللافت للنظر انشغال الكاتب القطامي بإنسان البحر في البيئة الكويتية، ولم يشغله إنسان الصحراء فيها، ولذلك أسباب ذكرناها في ورقتنا عنه ولا مجال لذكرها الآن·

إن قصص القطامي: “يوميات بحار(1) و”يوميات بحار(2)، وتكرار العناوين نفسها لقصتين أخريين “يوميات بحار(1)”، و”يوميات بحار(2)”· قد عدت هذه القصص الأربع عند من كتب أو جمع أو نقل على أنها قصص منفصلة تماما، ولكنها قد جاءت تحت عنوان واحد، ولكن قراءتي لها قد اختلفت عن قراءة هؤلاء الكتاب، إذ قرأتها على أنها نوع من أنواع المذكرات، أو اليوميات لأسباب كثيرة: فقد بدأ كتابتها: الترقيم، والتاريخ، ذاكرا اليوم، والشهر والسنة، وهذه سمة من سمات المذكرات، أو كتابة اليوميات·

والأديب القطامي نفسه قد أطلق على إحدى قصصه “مذكرات(3)”·

إضافة الى أن المعاناة واحدة فيها جميعا، والبطل واحد هو البحار الكويتي، وقد جاءت جميعها على شكل حكاية، والقاسم المشترك بينها جميعا هو الراوي “القطامي” الذي لم يتغير·

وإضافة الى ذلك، اهتم بتطوير الشرطة، وتأهيلهم ثقافيا، كما سن القوانين، وعمل على تطويرها، واهتم بقضايا العمال وحقوقهم·

إن العين التي يجب أن تقرأ كتابات نثر القطامي لا يمكن أن تكون إلا عين فترة مرحلة كتاباتها، أعني فترة الأربعينيات من تاريخ الكويت، ومن المستحيل قراءتها بالعين المعاصرة، أو ميزان النقد الحديث، أو قياسها مع تطور الأجناس النثرية في الأدب الكويتي، الذي تطور تطورا لافتا للنظر، من حيث أصول، وقواعد، وفنية، وتكنيكية الكتابات القصصية المعاصرة لفن القصة مثلا·

ولذا يجب التسامح مع هذه الكتابات، ووضعها في إطارها الزمني الذي كتبت فيه، ولا يمكن لنا أن نقيسها بأدوات النقد الحديث·

من خلال فكر الأديب القطامي وقلمه، ومرحلة الأربعينات التي عاش فيها، وعبر عنها نثره، نستطيع أن نحدد مكان كتاباته في تنقلاته، وبيئاته المختلفة التي مثلت أرضية لهذه الكتابات، والتي تزامنت مع الزمن التاريخي لها وهي الفترة من بداية الأربعينيات، الى منتصف الخمسينيات·

وبين هذه الأمكنة، والأزمنة، كانت تقبع معاناة الإنسان بداخلها تارة، وكثيرا ما كانت ترتطم هذه المعاناة على أعتابها في أحايين كثيرة·

ولهذا ما كان لنا أن نقرأ القراءة الأدبية لكتابات القطامي النثرية، إلا عبر مثلت زواياه حادة·

زاويته الأولى العليا هي: الإنسان، والأخرى: البيئة والمكان، والثالثة، والأخيرة: الزمان·

وفي ضوء ذلك تحددت القراءة النصية لنثر القطامي من خلال: جدلية: المكان، والزمان، والإنسان، ترتب عليها جدلية أخرى ثانية، هي: جدلية الثابت والمتغير·

وقد أسلمتنا قراءتنا النصية لهذه الجدليات الى: أن هذه الكتابات وما جاء فيها من قضايا كانت نتيجة لفكر القطامي الذي سبق عصره آنذاك، والتي غذاها الجو الثقافي في البيئات الثقافية العربية والأجنبية التي احتك بها ورحل إليها، كما أسلفنا، فأهله ذلك كله لحمل مشعل النور والتنوير في وطنه، ليصبح رائدا من رواده، يبدد ظلمات زمانه، “ومكانه”، في بيئة الكويت· لتنير بدورها على ما جاورها من دول الخليج في منطقة الخليج والجزيرة العربية·

كما جعلت القطامي إنسانا يؤمن بالمبادئ، ثم حولته بعد ذلك الى صاحب مواقف لا يحيد عنها·

إن كفاح القطامي الطويل من أجل الإنسان، ورفع المعاناة عنه، وبحثه المتواصل عن حقوق هذا الإنسان، والبحث عن القوانين التي تكفل أمنه واستقراره، وتبعده عن التشتت والضياع، دفعه ذلك كله الى أن يفكر في حقوق هذا الإنسان في مجالات شتى، ونال على ذلك جائزة جمال عبدالناصر·

والمبادئ التي نادى بها، وتمسك بعراها، ودافع عنها بقوة وصلابة جعلته يخوض انتخابات شرسة ليصل الى قبة برلمان مجلس الأمة، مدافعا عن مبادئه، ومحطما التقاليد من أجلها، ومغيرا في القوانين كي تتماشى مع العصرية، واستشراف الكويت لدخول القرن الحادي والعشرين·

والمرأة التي أرقه وضعها، وطالب بتغيير أوضاعها، وقد أكمل هذه المطالبات بعد ذلك تحت قبة البرلمان مناديا بحقوقها السياسية في الترشيح والانتخاب كما وقف القطامي سدا منيعا في وجه العنف الذي يمارس ضد المرأة في كل مكان·

أستاذي الأديب جاسم القطامي

إن النثر ليعجز عن بيان أثرك

وإن الشعر ليقصر على تعداد فكرك

_____________________________________________________________

طباعة  

قضية
 
وتــد
 
مشاركة
 
مختارات قصصية للعلي إلى الفارسية
 
إصدارات
 
المرصد الثقافي