رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 6 ربيع الآخر 1424هـ - 7 يونيو 2003
العدد 1580

وتــد

عباس منصور·· بورتريه حزين

نشمي مهنا

لعباس منصور تعامل خاص مع حزنه العميق، الذي تآلف معه طويلا، وخبر كل منهما طباع الآخر، فهو يهتم به أكثر من أبنائه حتى، يربت على جراحه، ويجالسه في السر، لكنه لا يسمح له أن يطل برأسه أعلى من حافة البئر، وإن تجرأ هذا الحزن مرة، أمام أصدقاء، أو على طاولات مقهى·· قابله بالقهقهات العالية:

ها أنا

أضغط أيامي الماضية

أستنهض ما فيها من ركاكة

ببساطة

كل صباح مطلوب مني

أن أعيش يوما آخر

أن للسوق

ويراني الآخرون

بينما أنا مكتئب للغاية

وقلبي بلا قرار

للمرة الأولى استمعت الى شعر عباس، كان على منصة رابطة الأدباء، لم أستحسن غزارة النثر - رغم فرادته - الذي غطى ثلاثة أرباع النص· سألته مرة فكان رده غير المبالي كالعادة أنه يكتب فقط، وعلى القارئ أن يعمل ذائقته الذهنية في التمييز بين النثر والشعر، المتوازيين في نصه·

قد تلتقي بعباس ضيفا في مناسبة ثقافية، أو مسترخ على كرسي خشبي في مقهى أو أي مكان طارئ للقاء عابر، لن تنجو من خديعة الانطباع الأول، الزائف، فبعض من نلتقيهم في مثل تلك اللقاءات السريعة، هم كالأغنية الأصيلة، لن تكتشف أصالتها، وطربها المخبوء، إلا بتكرار سماعها، وستعرف بعدها كم كنت واهما بأكذوبة الفراسة (!)· أحيانا، أوقن أن مثل هؤلاء المبدعين شبيهون بنصوصهم التي تحتاج الى أكثر من قراءة، وجهد مضاعف “للمشي وراء خسائرهم” الكتابية·

لا يجيد عباس منصور تسويق نفسه كشاعر أو ككاتب أمام جلسائه، فهذا أمر لا يعنيه كثيرا، لكنه يبدأ بسحب محدثه الى مناطق فكرية بكر، إن أتيحت له فرصة بين ضجيج الآراء، أو إن سخنت حرارة حديثه، على طاولات مقهى “الوحدة” الباردة، فهطلت غمامات علوية:

هب أنك مثلي

مدين لبعض الأصدقاء

لصاحب المسكن

ومصلحة الضرائب والكهرباء

فهل تكفي امرأة واحدة

تعشقها

حتى تعود متزنا ومبتسما

آخر كل مساء!؟

أهداني عباس منذ أيام مجموعته الشعرية الأخيرة “الخسائر الناجمة عن الشيء”، والتي قرأت أغلب نصوصها من قبل، أعدت قراءتها لأراه من جديد عاشقا صادقا، وكاهنا مؤمنا بخيالات معابده التي ابتناها بيديه ورؤاه، والأهم·· شاعرا جنى أرباحا وفيرة نتيجة مشيه في طرق البساطة والقضايا المنسية، بعيدا عن التصنع والمثالية·

هل قلنا إنه كالأغنية الأصيلة؟!·· بالتأكيد·

nashmi@taleea.com

_____________________________________________________________ 

طباعة  

قراءة في جدلية المكان والزمان والإنسان بين الثابت والمتغير في نثر القطامي
 
قضية
 
مشاركة
 
مختارات قصصية للعلي إلى الفارسية
 
إصدارات
 
المرصد الثقافي