إبداعات عالمية: “آرنجندن والحارس الليلي”
العدد (341) من سلسلة “إبداعات عالمية”
تأليف: فيمي أوسوفيان
ترجمة: د· محمد مبارك بلال
مراجعة: د· جلال حافظ
إن ما يميز الأدب الإفريقي أنه يعبر عن سلسلة من تراث موغل في القدم، يعتمد على الكثير من الأساطير والخرافات وطقوسهما، التي تحولت مع الزمن إلى تقاليد راسخة في البىئة الإفريقية المتوارثة، خاصة مع استعداد راسخ لدى الإنسان الإفريقي، الذي تحكمه في الغالب روح أفكار الجماعة· إضافة إلى ذلك الغنى الكبير في أشكال الفن وتقاليده، من الناحيتين التعبيرية والاستعراضية، وبخاصة فنون الرقص، والحفلات التنكرية، وطقوس الممارسات الدينية، والمولد، والموت والشعائر المصاحبة لها·
وقد اختارت سلسلة “إبداعات عالمية” أن تقدم لقرائها الكرام مسرحيتين من الأدب النيجيري للكاتب/فيمي أوسوفيان الذي أراد من خلالهما مناقشة ممارسات فئة من المجتمع ترمي إلى دفع الآخرين ثمن أهدافهم الدنىئة، عن طريق العادات والتقاليد البالية والدور المزدوج للخرافة والسياسة·
ففي المسرحية الأولى وهي “آرنجندن والحارس الليلي” يتضح أسلوب الكاتب في الكتابة للمسرح، حيث تتبلور رعايته المدروسة للتقاليد الإفريقية العريقة في الأدب والفن، منعكسة على استعارة الأشكال العالمية للمسرح الأوروبي، وهذا التمازج الواعي يعكس بدوره هدف المؤلف المعلن للانفتاح على العالم الخارجي، وذلك كي يعبر عن أزمة إنسان هذه القارة، الناتجة عن محاولاته اللحاق بالركب الإنساني العام، وإحباطاته - في الجهة الأخرى - المتمثلة بالتقاليد البالية، وممارسات الأشرار، الذين لا همّ لهم سوى تحقيق أهدافهم الدنىئة، ولو دفع الجميع ثمن ذلك! وفي هذه المسرحية يعلن ذلك صراحة، حيث يصور سكان المدينة “وهم يمثلون في رأيه كل إفريقيا”، يعانون تسلط الماضي بكل خرافاته و أوهامه، ممثلاً بشخصية “البالي”، بينما يتمثل العنصر المدمر الآخر، في رجال الأمن الذي يفترض فيهم حماية الإنسان الإفريقي، وترسيخ القيم الديمقراطية في المجتمع، لكن العكس يحدث حيث يمارس “الحراس الليليون” في المسرحية السرقة، ويرتكبون جرائم القتل!!
إن المؤلف يفضح هذه الممارسات أمام العالم، هادفاً إلى المساهمة في صحوة إفريقيا في سبات الخرافات والروح الوصولية! كما أنه يعلن بوضوح أننا يجب أن نكون على استعداد لتقديم الضحايا، والموت من أجل أن ننير عقول كل الإفريقيين·
أما المسرحية الثانية في هذا العدد فهي “النيران تشتعل وتخمد بقسوة” يناقش المؤلف في هذه المسرحية، الدور المزدوج للخرافة والسياسة في حياة المواطن النيجيري، والطريقة التي تتراوح آمال وأحلام هذا الإنسان وطموحاته، ضمن هذا الدور المزدوج الذي يسيطر على حياته، وكأن هناك تعاوناً خفياًَ بين هذين الدورين لغرض عبودية دينية - سياسية على مقدرات هذا الإنسان البسيط، لكن المؤلف استطاع بطريقة هجائية حادة أن يحصر هذا الصراع حول حياة المرأة ومعاناتها فقط· موجهاً نقداً مريراً لمكانة الرجل ذي السلطة المطلقة، ومبدياً في الوقت نفسه تعاطفاً مع المرأة، إنه يصور قسوة مجتمع الرجال ضد طموحات المرأة المتواضعة، ومطلبها المشروع كي تكون إنسانة ذات كيان في المجتمع، إن هذه المسرحية تمثل صرخة جديدة لضمير العالم ضد التسلط والخرافة واستعباد المرأة!
_____________________________________________________________