قصائد "وعل في الغابة"
رياض الصالح الحسين
وُلد رياض الصالح الحسين في مدينة درعا السورية في العام 1954، وتنقل مع عائلته التي كان يعولها أبوه الموظف البسيط بين مدن سورية عدة· منعه الصمم والبكم من إكمال دراسته فدأب على تثقـيف نفسه بنفسه، وعمـل مبكراً كعامل وموظف وصحافي، وكان مستمراً في كتابة الشعر والموضوعات الصحافية، منذ عام 1976 حتى وفاته المبكرة في 1982/11/21·
أصدر ثلاث مجموعات شعرية: "خراب الدورة الدموية" و"أساطير يومية" و"واضح كالماء بسيط كطلقة مسدس"· وقبيل وفاته أنجز مجموعته الشعرية الأخيرة "وعل في الغابة" وهذه نصوص من تلك المجموعة·
غرفة السائح
العالم غرفة هذا السائح
إذ يمضي في ردهات العالم
يجمع أحجاراً من مدنٍ بائدة
ونقوداً لشعوب أهلكها الزلزالُ
ويجمع صوراً لجوامع
ومتاحف
وتماثيل مرعبة
يمشي في أرصفة الدنيا
فيرى سفاحاً فيصوّره
وبائعَ ليمونٍ فيصوّره
وراقصة يسألها:
ماذا تعني
"MERCI"
بالعربيةِ
ولماذا لا يزرع هذا الشعب "الأناناس"؟
السائحُ يفهمُ أو لا يفهمُ
يعلمُ أو لا يعلمُ
سيظل يسير وينظر ويصوّر
فالعالم غرفة هذا السائح
والنافذة كاميرا
الذئب
الذئب الذي افترسني
تركني وحيداً في الغابة
مَن يغطي جثتي بالأعشاب
بأوراق الأشجار اليابسة
بقليل من تراب؟
مَن يقرأ الفاتحة على روحي
مَن يغمض عيني الهلعتين
مَن يضع على صدري
صليباً من أزهار؟
الذئب الذي افترسني
صار أنا
أخذ وجهي الشاحب
وشفتيّ المرتجفتين
وقلبي الطيّب
وظل محتفظاً بأنيابه
أنا الذئب
ذو اليد البيضاء
أدور في المدينة وأعوي
أنا الذي قتل الصياد في الغابة
أنا الصياد
احذروا حبي
واحذروا أنيابي
خراب
كان عليه أن ينظر إلى المرآة
ليرى عشرات الثقوب والأثلام
تملأ سماء وجهه
وجهه الذي يشبه
قرية اجتاحها الطوفان
أو على الأقل
لوحة باهته الألوان
من القرن الثامن عشر
كان عليه أن ينظر مرة ثانية
وبعمق شديد
ليرى عينيه الضاحكتين الودودتين
تسخران من كل هذا الخراب
حلم
دائماً كان يحلم
بتفاحة الحب الناضجة
ليحتويها بين أصابعه العشرة
كان ذلك حلماً وحسب
كالوصول إلى القمر
سنة 1920
وكما في الأحلام
لم يعد الحلم حلماً
فها هو يقضم تفاحة الحب
وها هو سكّرها يسيل على شفتيه
مرة استفاق
فوجد أنه يقضم قلبه
كم هي لذيذة
الموتى الذين ماتوا في الحروب والأوبئة
في السجون والطرقات
الموتى الذين ماتوا
بالخنجر والرصاص والديناميت
بالفأس وحبل المشنقة
الموتى الجميلون
ذوو الأسنان البالية
والوجوه الناتئة
تذكروا وهم في قبورهم
ضوءَ القمر وخضرة المراعي
تذكروا أنهم لم يعيشوا كما ينبغي
لم ينتبهوا إلى الأصوات والألوان
تذكروا:
كم قبلة أضاعوا
كم ضوءاً أغمضوا عيونهم كيلا يروه
كم زهرة لم يزرعوا
كم كلمة طيبة لم يقولوها
الموتى عرفوا
ربما للمرة الأخيرة
كم هي لذيذة حياة الأحياء
الخنجر
الرجل مات
الخنجر في القلب
والابتسامة في الشفتين
الرجل مات
الرجل يتنزه في قبره
ينظر إلى الأعلى
ينظر إلى الأسفل
ينظر حوله
لاشيء سوى التراب
لا شيء سوى القبضة اللامعة
للخنجر في صدره
يبتسم الرجل الميت
ويربت على قبضة الخنجر
الخنجر صديقه الوحيد
الخنجر
ذكرى عزيزة من الذين في الأعلى
فنان
لم يأسف على شيء
حينما أخذوه إلى المقبرة
لم يأسف سوى على المطرقة والأزميل
على الألوان والفرش
على اللوحات والتماثيل
وها هو الآن في القبر
هيكلاً عظيماً
ها هو يقوم جامعاً عظامه
سيصنع من سلاميات الأصابع
خواتم وأقراطاً
من الجمجمة دورقاً للنبيذ
من العود الفقري صحوناً وأكواباً
وربما يصلح عظم الكتف
لصنع طائر