* الأمريكيون بعد11 سبتمبر : الوضع القائم لم يعد مقبولا فإخفاقات الأنظمة القمعية في العالم العربي دفعت ثمنها أمريكا وحلفاؤها وليس فقـط الشعوب العربية
* تجربتا أفغانـستان والعراق ليستا أكثر من معركتين في الحرب الإقليمية الأوسع
* يجب أن تقوم الولايات المتحدة بفرض مؤسسات دولية جديدة أو بإصلاح راديكالي للمؤسسات القائمة كي تحافظ أمريكا على زعامتها للعالم دون المجازفة بـ "التمدد الإمبريالي"!
* إن ما ينتظرنا يفوق أي عملية عسكرية منفردة!
* من الأفضل محاربة الدول الفاشلة بدلا من الدول القوية
* قائمة أعداء "التحالف" المحتملين أضعف بكثير مما كانت عليه الإمبراطوية السوفييتية
* الأمم المتحدة بعد إصلاحها أو إيجاد منظمات بديلة محلها يجب أن تقيّم الحرية أكثر من الاستقرار وتكرس نفسها لمساعدة الشعوب المقموعة وليس التساهل مع الأنظمة
* سر تفوق الأمريكيين يكمن في رغبتهم في ممارسة القوة ضمن تحالفات دولية
* الصين قد تفكر في قيام صلات استراتيجية مع قوى مناوئة للولايات المتحدة في الشـرق الأوسط كملالي إيران الذين يبحثون عن قوة ترعاهم كوقاية من الهيمنة الأمريكية
* تكرار أشكال أخرى من الحكومات السابقة والحالية في المنطقة هو إخفاق لأن "الاستقرار" الذي حققته تلك الحكومات أثبت أنه سريع الزوال
* مأسسة الأحادية القطبية هدف يمكن تحقيقه!
* الولايات المتحدة بحاجة إلى بناء هيكل أمني شبيه بالناتو في مناطق أخرى من العالم
* "الناتو الجديد" يجب أن يوفر القوة للقيام بالمهام الجديدة لا أن يكون تحالفا دفاعيا
* التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة هو بناء النسيج الجديد للنظام العالمي الذي يركز على حقوق الأفراد وليس حقوق الدول فقط
* أنظمة الطغيان الضعيفة وزعماؤها الذين عقدنا معهم مواثيق شيطانية لم يعد بالإمكان اعتبارهم شركاء استراتيجيين موثوقا بهم!
* السؤال الحقيقي: إلى أي مدى يمكن لأمريكا استثمار انتصارها في العراق من أجل تعزيز وتوسيع "السلام الأمريكي" ومأسسته؟
* بعد أن كانا أدوات مفيدة لإدارة الحكم الأمريكية أثناء الحرب الباردة لم تعد الأمم المتحدة والناتو يلائمان أهدافنا كما أظهرت الأزمة العراقية
* عقيدة بوش: "دحر" الراديكالية الإسلامية و"احتواء" الصين (أي الحيلولة دون صعودها إلى وضع قوة عظمى) ومنع تحالفهما الذي يشكل توازنا استراتيجيا مع أمريكا
بقلم: توماس دونيللي*
الآن، وقد أصبح صدام حسين في مزبلة التاريخ، نشهد إخفاقا من الخبراء المحترفين في المطالبة بمعرفة ما هو الهدف المقبل؟ هل هو سورية أم إيران أم·؟ وفي الواقع، فإن ما ينتظرنا يفوق في طموحه أي عملية عسكرية منفردة، فعقيدة بوش ترمي الى تعزيز انتشار الليبرالية الكلاسيكية - بمؤسساتها وقيمها - من أجل إضعاف الدكتاتوريات التي تحكم بالإرهاب، وبالتالي، استبدالها بمجتمعات ذات تمثيل عادل· والسؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه هنا هو: الى أي مدى يمكن للولايات المتحدة استثمار انتصارها في العراق من أجل تعزيز وتوسيع "السلام الأمريكي" PAX AMERICANA ومأسسته؟
ولم تبلور "عقيدة بوش" استراتيجية حقيقية - بمعنى الإتيان بخطة عمل - من أجل الحفاظ على "السلام الأمريكي"، إذ تتحدث "استراتيجية الأمن القومي" لإدارة بوش التي صدرت في شهر سبتمبر 2002، عن الحفاظ على القوة العسكرية الأمريكية والنمو الاقتصادي والقوة القومية عموما، لكنها لم ترتب الأولويات الاستراتيجية بشكل صريح· ومع ذلك، فإنني أعتقد أن بالإمكان، تخمين أولويات الإدارة من أفعالها·
عقيدة بوش
باختصار إن التطبيق العملي لـ "عقيدة بوش" يرقى لدرجة "دحر" الراديكالية الإسلامية بينما يجري "احتواء" جمهورية الصين الشعبية، أي الحيلولة دون صعودها الى وضع قوة عظمى، ومن أجل ذلك، منع التعاون الاستراتيجي الرسمي أو بفعل الأمر الواقع بين الدول الإرهابية أو المجموعات الإرهابية في العالم الإسلامي من جهة وبكين من جهة أخرى· وفي هذا الواقع، وفي ظل عالم لا تزال حقائق القوة القاسية، تمثل العنصر الأهم في السياسة الدولية، فإن تحقيق هذه المهام ينطوي على أهمية ملحة إذا ما أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على قيادتها العالمية واستمرار وتوسيع النظام الليبرالي الراهن· وهذه أيضا مسؤوليات ثقيلة تقع على كاهل الولايات المتحدة· فالانتصار الذي أحرزته في أفغانستان والعراق - الذي يقاس من منظور الانتصارات الأولية في أرض المعركة والمهمة الأوسع المتمثلة بإعادة بناء حكومتين ومجتمعين صالحين في هذين البلدين - يؤشر فقط الى الخطوتين الأوليين في عملية أوسع لإصلاح سياسة التوسط في الشرق الأوسط الأكبر·
فمثلا يرى مايكل ليدين أن هاتين التجربتين (في أفغانستان والعراق) ليستا أكثر من معركتين في الحرب الإقليمية الأوسع· وهذه طريقة فجة في توصيف هدف إدارة بوش ولكنها دلالة على حجم أمنياتها فدحر القوى المناوئة لأمريكا بعنف في المنطقة قد لا يحتاج إلي عمل عسكري· فهناك حركات إصلاح سياسي حقيقية في شتى أرجاء العالم الإسلامي ربما تكون أوضح في أماكن مثل إيران· فالمسلمون لا يقلون عن غيرهم رغبة في الحريات الشخصية وليسوا أقل قدرة على تحقيقها من أي أناس آخرين·
مواثيق شيطانية
ومع ذلك، قرر الأمريكيون بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 أن الوضع القائم لم يعد مقبولا، فالإخفاقات الكثيرة لأنظمة الحكم، لاسيما في أوساط الدول العربية، لم تكن لها انعكاساتها على شعوب المنطقة العربية فحسب، بل علينا، نحن الأمريكيين وعلى حلفائنا ومصالحنا· وبالإضافة الى ذلك، فإن الترابط بين هذه الإخفاقات في الحكم وانتشار أسلحة الدمار الشامل وخاصة السلاح النووي، يعني أن مصير المنطقة لا يمكن أن ينظر إليه دون اكتراث من قبل الأمريكيين· فأنظمة الطغيان الضعيفة وزعماؤها الذين عقدنا معهم - لعقود طويلة - مواثيق شيطانية لم يعد بالإمكان اعتبارهم شركاء استراتيجيين يمكن الوثوق بهم، ففي منطقة الخليج، على سبيل المثال، جربنا كل الخيارات الممكنة، ولكن الشاه ظل يسقط في كل مرة، وفشل الحكام الدكتاتوريون العرب في بناء قومية حقيقية تخلف العشيرة أو القبيلة واستولدوا ملكيات ترتعد خوفا أمام رجال الدين المتطرفين·
وكما قال رالف بيترز فإن:
"الأنباء الطيبة هي أن العالم الإسلامي بتعداده السكاني الهائل وموقعه الجغرافي المهم هو مكان أكثر تفاؤلا مما اعتقدنا في خضم الأحداث الأخيرة· وفي حين يتوجب علينا أن نتعامل مع متشددين قتلة في الوقت الراهن، إلا أن مستقبل الإسلام لم يتحدد اتجاهه بعد، فالباب من أجل غد أكثر إشراقا، لم يغلق بعد وهو بعيد عن ذلك، حيث يرغب الملايين من المسلمين بإبقاء ذلك الباب مفتوحا، على الرغم من الأخطار التي تمثلها مجموعات المتشددين، فالصراع ما زال محتدما على روح الإسلام، إنه صراع قوي وذو أبعاد عميقة بين دين إنساني تقدمي يدعو الى التسامح ورؤية تجعل من الخالق جلادا يعاقب بني البشر وتجعل من الحياة الإنسانية قائمة طويلة من المحظورات"·
احتواء
إن مشكلات العالم الإسلامي من ضعف وفساد وعنف يمارسه حكامهم، تشير بطريقة ما للحل: فلأن هؤلاء الحكام المارقين والأنظمة المارقة في المنطقة معزولة عن شعوبها وعن العالم المزهر والحر بشكل متزايد فإن من الممكن التصدي لها، وعلى العكس من وجهة النظر الحاذقة التي تم تداولها خلال السنوات الأخيرة، فإن من الأفضل محاربة الدول الفاشلة بدلا من الدول القوية، فالصدامية (نسبة الى صدام حسين) قد تكون بغيضة بالدرجة نفسها التي كانت عليها الهتلرية أو الستالينية، لكن تبين أنها أضعف بكثير من كلا الشرين·
وعليه، فإن آمال الرئيس بوش بزرع بذور الديمقراطية في العالم الإسلامي ليست بعيدة المنال كما قد يفترض البعض، ولعله من المعقول الاعتقاد أن بمقدور الولايات المتحدة وحلفائها مساعدة المنطقة في تحقيق حياة سياسية أفضل· إن تكرار أشكال أخرى من الحكومات السابقة والراهنة في المنطقة لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره إخفاقا، "فالاستقرار" الذي حققته هذه الحكومات ثبت أنه سريع الزوال، وإذا كان قدرنا أن نعيش حالة عدم استقرار، فليكن عدم الاستقرار الناجم عن حرية أكبر·
ومن المعقول أيضا الاعتقاد أن الولايات المتحدة وحلفاءها يمكنهم "احتواء" طموحات الصين ومساعدتها في إنجاز الانتقال من الشيوعية الى الديمقراطية ومن وضعها كدولة "غريبة" على المجتمع الدولي الى دولة راضية بالعيش ضمن نظام عالمي ليبرالي، فليس ثمة شيء حتمي بشأن الحرية التي تتبع الرخاء، لكن هناك أسباباً قوية للصين بأن تصبح جمهورية شعبية بالفعل، فالخطة الصينية لتحقيق الثراء تعتمد على وجود محيط أمني مستقر، وخطة الحزب الشيوعي للبقاء في السلطة تعتمد على جعل كل مواطن صيني ميسورا، والخطة يمكن أن تسلك اتجاهات عدة لكن وضع الحكومة الصينية الهش يظل مرهونا ببقاء خطتها متماسكة·
حبل مشدود
وتتمتع بكين أيضا بأفضلية التغيير على مستوى قيادي فالعالم الذي عرفه جيانغ زيمين تغير كثيرا، وكذا يجب أن يحدث لاستراتيجية الصين القومية، ففي حين يبقى زيمين يمثل حضورا مهما ويحتفظ بسلطات قوية، يتعين على خليفته هو جينتاو أن يتكيف مع الحقائق الدولية الجديدة، باختصار، لا يمكن استمرار التساهل الصيني تجاه كوريا الشمالية لأن لدى بكين كغيرها من الدول، ما تخشاه من أسلحة بيونغ يانغ النووية، والحدود القارية التي كرّس جيانغ دبلوماسيته الحذرة لضمانها، بدأت الآن تكتظ بالأمريكان، فآسيا الجنوبية والوسطى، بدأتا تدوران بسرعة في المدار الأمني الأمريكي، وشرق آسيا أو "الثقافة الكونفوشية" التي ساد الاعتقاد ذات يوم أنها لن تتعايش مع المبادئ الديمقراطية للغرب، شهدت موت عدد من الأحزاب السياسية المحلية القائمة على السلطة الفردية، وحدثت تغيرات في تايوان التي أدخل الحزب الحاكم فيها الى غرفة العناية المركزة، وظهر في الهند جيل جديد من القيادة تخلى عن مبدأ "عدم الانحياز" الذي اتسم بضيق النظر واتخذته الهند نهجا لها طوال فترة الحرب الباردة، وتحولت باكستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الى ما يشبه الطائرة المقاتلة من طراز "اف - 16"، وربما يسير برويز مشرف على الحبل المشدود الأرفع، وربما لا يكون مسيطرا على ما يحدث على حدوده الشمالية الغربية، ولكن حالة عدم الاطمئنان التي تمر بها إسلام أباد اليوم، ربما تمثل تحسنا عما كان عليه الوضع إبان فترة الانحدار المتسارع لأوضاع البلاد في التسعينات·
ولم يعد الوضع الذي ساد قبل الحادي عشر من سبتمبر يمثل خيارا واقعيا لبكين كما هي الحال بالنسبة لبغداد، فالحزب الشيوعي الصيني يتباهى بجَلدَه ورؤيته طويلة المدى للتاريخ، ولكن ماضي خمسة آلاف عام قد يمثل عبئا في وقت يغير العالم مساراته بصورة دراماتيكية، فخلال المناورات التي سبقت الحرب على العراق، كانت الصين تكتفي بدور المتفرج وتترك القيادة للفرنسيين، لكنها لم تكن راغبة - في العلن على الأقل - بالانخراط الجدي في أي مشروع لإعاقة خطط إدارة بوش، ولست أعرف ما قد تكون القيادة الصينية قد فعلته مع كوريا الشمالية، ولكن يبدو أن بكين كانت تجهد النفس من أجل مسايرة وتيرة الأحداث·
تحالف غير مقدس
والآن، وفي الوقت الذي تدرس الصين خياراتها الاستراتيجية في عالم ما بعد الحرب على العراق، فربما تفكر في إقامة صلات أوثق مع قوى مناوئة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط الأوسع، فقبل كل شيء، كان لدى بكين مصالح منذ زمن طويل، في المنطقة، وفي الواقع، فإن هذه المصالح في ازدياد لأن النمو الاقتصادي الصيني بحاجة الى المزيد من واردات الطاقة، وبالمقابل، فإن لدى زعماء مثل الملالي في طهران، الكثير من الأسباب التي تدفعهم للبحث عن قوة عظمى ترعاهم كوقاية من الهيمنة الأمريكية في المنطقة·
وكما يذهب بيرنارد لويس في كتابه الأخير بعنوان "أزمة الإسلام" فإن خطب ود قوة عظمى مناوئة للقوة العظمى العدوة شكلت أساس سياسات حكومات الشرق الأوسط منذ غزو نابليون بونابرت لمصر عام 1798، ففي الحرب العالمية الثانية، لعبت هذا الدور ألمانيا النازية (حيث ربما أسهم ذلك التحالف غير المقدس في ولادة حزب البعث في سورية والعراق)، وفي الحرب الباردة، لعبه الاتحاد السوفييتي، وما زال لدى البعض في الشرق الأوسط اليوم ميل للبحث عن راع جديد في الحرب ضد الغرب، سواء كان هذا الراعي في الصين أو - بشكل يدعو الى المفارقة - في أوروبا·
إن من شأن قيام تحالف، حتى ولو كان فضفاضا بين الإسلاميين والشيوعيين الصينيين، أن يؤدي - مع مرور الوقت - الى تعقيد تمدد "السلام الأمريكي"، كما أنه قد يشكل، في النهاية، دليلا على توازن القوى الحقيقي بالمعنى التقليدي الواقعي للكلمة، ولهذا السبب، فإن الولايات المتحدة معنية بإلقاء كل ثقلها حتى لا يحدث مثل هذا التحالف·
مأسسة الأحادية القطبية
وفي حين أن من المعقول الاعتقاد بأن الولايات المتحدة يمكنها تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى، فإن من المعقول أيضا أن يتساءل المرء حول كيفية تحقيق ذلك بطريقة "أحادية الجانب"، التي لا تعني بالضرورة العمل بشكل منفرد وأحادي حقيقي بقدر ما هي إقامة تحالفات موقتة لأغراض محددة فقط، وفي الواقع، فإن من الصعب تصور كيف يمكن للولايات المتحدة الحفاظ على زعامتها للعالم دون المجازفة بـ "التمدد الامبريالي" ما لم تفرض قيام مجموعة جديدة من المؤسسات الدولية، أو - على الأقل - إدخال إصلاحات راديكالية على المؤسسات القائمة، فحتى القوة العظمى تحتاج لشركاء استراتيجيين·
إن "مأسسة الأحادية القطبية" ليس هدف يتعذر تحقيقه، ولدى الأمريكيين تجربة في خلق المؤسسات الدولية التي ساعدت في إدارة أزمات الحرب الباردة، وعلى الرغم من الإخفاقات الأخيرة التي منيت بها هذه المؤسسات كالناتو والأمم المتحدة، فإنها أثبتت - بشكل عام - أنها أدوات مفيدة لإدارة الحكم الأمريكية، ثانيا، هناك الكثير من الدول التي لها مصلحة كبرى في توسيع "السلام الأمريكي" مثل بريطانيا التي لا تقل التزاما عنا تجاه نظام دولي ليبرالي وهي الدولة الوحيدة باستناء أمريكا التي لديها القوة العسكرية القادرة على القيام بعمليات دولية، ودول حلف وارسو التي تحررت قريبا في أوروبا الشرقية والهند التي يعيش فيها 120 مليون مسلم ولديها مخاوف لم تحسم تجاه الصين والاقتصادات الحديثة والديمقراطيات التي بلغت مرحلة النضج في آسيا الوسطى بما فيها اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وأستراليا·
فالمصالح والمبادئ المشتركة بين الأمريكيين وهذه الدول توفر - جدلا - قاعدة أفضل لخلق نظام دولي أكثر ليبرالية من ذلك الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية، وأصبح هدف خلق "الظروف التي يمكن في ظلها أن يعيش نظامنا الديمقراطي والحر ويزدهر" على حد تعبير بول نيتشه، أكثر وضوحا مما كان عليه عام 1950، فمعسكر "التحالف" ليس فقط أكبر وأكثر ثراء مما كان عليه قبل 50 عاما، بل إن قائمة الأعداء المحتملين أضعف بكثير مما كانت عليه الامبراطورية السوفييتية، وفي حين أن من الصحيح أن الصين تملك الإمكانات التي تؤهلها أن تصبح "الند الدولي" المعترف به للولايات المتحدة وتمتلك بالفعل القدرة على تعقيد الاستراتيجية الأمريكية في الكثير من الأماكن، إلا أن مقارنة "القوى الدولية" بين القوتين يبدو في صالحنا الى حد كبير·
تحالفات راغبين
فأي شكل من أشكال المؤسسات الدولية هو الذي يساعد في الحفاظ على "السلام الأمريكي" إذن؟ لقد أظهرت الأزمة العراقية أن الأمم المتحدة والناتو لا يلائمان أهدافنا·
لقد صممت الأمم المتحدة وأقيمت - جزئيا - لحماية الدول ذات السيادة من التحديات التي تمثلها الشيوعية الثورية، وبالتالي، فقد أعطت آليات "التدقيق والتوازن" والتي من أبرز الأمثلة عليها حق النقض "الفيتو" الذي تتمتع به الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، المبنية على سيادة الدولة، وساعدت في ضبط السلوك السوفييتي - وبالتالي - في حماية النظام الليبرالي للغرب، وعلى الرغم من أن التحالف الأطلسي لعب دورا مهما في تعزيز إعادة البناء الاجتماعي والسياسي في أوروبا الغربية، فقد كان أولا وقبل كل شيء، استجابة للتهديد الذي كانت تمثله القوة العسكرية السوفييتية·
وكما رأينا بوضوح في مرحلة الإعداد للحرب على العراق، أدت التدقيقات والتوازنات داخل الأمم المتحدة والناتو، الى إعطاء نظام صدام شيئا من الشرعية، في الوقت الذي عملت على تثبيط - أو على الأقل تعقيد - محاولات تحرير العراق وإقامة نظام سياسي بديل له، وعليه، فإن هذه المؤسسات الدولية تضع حق الدولة فوق الحقوق السياسية الفردية للمواطنين·
وهكذا، فإن ما نحتاجه في نظام عالمي جديد يسوده "السلام الأمريكي" هو مجموعة من المنظمات التي تضع الشرعية في أهدافها وليس في عملياتها للوصول لهذه الأهداف، إن من شأن منظمة الأمم المتحدة بعد إصلاحها - أو منظمة أخرى تحل محلها - أن تقيّم الحرية أعلى من الاستقرار وتكرس نفسها لمساعدة الشعوب المقموعة في تأمين حقوقها السياسية الفردية وليس التساهل مع الأنظمة القمعية، ويمكن للناتو الجديد أن يصف نفسه على أنه حلف أقدر على توفير القوة للقيام بمجموعة من المهام الجديدة دعما لأهداف جديدة، لا أن يكون ببساطة، تحالفا دفاعيا وفي حالات الحرب، ومن النادر إن كانت "تحالفات الراغبين" بقيادة الولايات المتحدة على مدى العقد المنصرم، عمليات رسمية للحلف، وحتى لو كانت كذلك، فإنها لم تكن تضم قوات من كل الدول الأعضاء، ومع ذلك، وفر الناتو نموذجا عمليا، فضلا عن معظم التكتيكات والتقنيات والإجراءات في هذه المهام، وفي النهاية، فإن هيكل الناتو هو الذي أتاح للمشاركين الراغبين في العمليات التي تقودها الولايات المتحدة السهولة في عمل ذلك·
ثمن باهظ
وفي الواقع، فإن الحفاظ على "السلام الأمريكي" اليوم يتطلب توسيع هذه الصلات المؤسساتية العسكرية على الأقل، خارج أوروبا بوسائل تتجاوز العلاقات الثنائية التي سادت في الماضي، فبالإضافة الى إجراء تدريبات مشتركة مع اليابان وكوريا الجنوبية والهند وأستراليا وغيرها، على أسس ثنائية، فإن الولايات المتحدة بحاجة الى بناء هيكل أمني أوسع يكون شبيها بالناتو، في مناطق أخرى ومع شركاء آخرين، ويجب أن لا تتخذ هذه الهياكل طابعا رسميا مثل التحالف الأطلسي وخاصة يجب عليها أن لا تكون نظاما متصلبا كما أثبت الحال بالنسبة لحلف الناتو في السنوات الأخيرة، ولكنها يمكن أن توفر الأساس العملي والتدريبي لمدى واسع من عمليات التحالف التي قد تصبح ضرورية في العقود المقبلة، ويمكن أن تكون هناك وسائل أخرى لزيادة التعاون بين الشركاء الديمقراطيين في النظام العالمي لما بعد حرب العراق، مثل التعاون في الصناعات الدفاعية والتعاون الاستخباراتي الحقيقي، وكل الأدوات التقليدية لأحلاف الماضي، لكن يتم تطبيقها في ظروف جديدة·
ولكن علينا أن لا نخطئ الحكم، فمهما تكن فوائد القوة والمبادىء التي تلازم القوة العظمى الوحيدة في العالم و"الأمل الأفضل الأخير لبني البشر"، فإن الحفاظ على الأحادية القطبية له ثمن باهظ، وقد كان جون ايكنبري محقا حين أشار الى أن "سر تقدم الولايات المتحدة منذ فترة طويلة على بقية دول العالم يكمن في قدرتها ورغبتها في ممارسة القوة ضمن تحالف ما وفي إطار متعدد الجنسيات"، ولكن التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة الآن يتمثل في بناء النسيج الجديد للنظام العالمي، نسيج يركز على الحقوق السياسية للأفراد، وليس فقط حقوق الدول·
* خبير في قضايا الدفاع والأمن القومي ومؤلف نشرة AEI التابعة لـ "ناشيونال سيكيوريتي آوتلوك"·
- يتولى منصب مدير الاتصالات الاستراتيجية والمبادرات في مؤسسة لوكهيد مارتين منذ عام 2002·
- تولى منصب نائب المدير التنفيذي لمشروع القرن الأمريكي الجديد خلال الفترة من 2002-1999·
- تولى منصب مدير "مجموعة السياسة" وهي لجنة مختصة بالأمن القومي التي أصبح اسمها لجنة الخدمات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي من 1999-1996·
- عضو في اللجنة ذاتها منذ عام 1995·
" عن ناشيونال سيكيوريتي آوتلوك "
National Security Outlook - (Aei-online)
--------------------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
saleh@taleea.com