|

هكذا كان تعبير الشعب العراقي بعد النفط العراقي ملك للعراقيين ولابد
سقوط نظامه أن يتمتعوا بعوائده
وليد خدوري
رئيس تحرير نشرة "ميس" (نيقوسيا)
مجلة الدراسات الفلسطينية الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية
* النظام العراقي البائد استهتر واستهان بكل المؤسسات والأنظمة في الدولة
* اليمين الأمريكي يرى أن الدول العربية أرض خصبة لتطبيق نظرياته لمصلحة إسرائيل
ربيع 2003
أدى الهجوم العسكري الأمريكي على العراق الى إطاحة نظام الحكم، واحتلال البلد، وتغيير معالم الخريطة السياسية العربية لفترة طويلة· ومن غير الواضح حتى الآن ردات الفعل الرسمية والشعبية على المدى البعيد· فقد صدم الشعب العربي مرة أخرى، كما صدم في سنة 1948، وبعد حرب 1967، وعند احتلال بيروت، وفي أثناء احتلال الكويت، وبعد الانتكاسات الكثيرة في فلسطين، وبالذات بعد انطفاء الانتفاضتين الأولى والثانية ·
طبعا لم يكن الهجوم غير متوقع، إذ كان واضحا وضوح الشمس· وقد بدأت معالمه الأولى مع الهجوم على نيويورك وواشنطن في 11 أيلول / سبتمبر، وبعده كانت العملية قضية وقت، لا أكثر ولا أقل، على الرغم من اختلاف الذرائع في شأن القضاء على أسلحة الدمار الشامل، أو إيقاف تهديد العراق لدول الجوار، أو تغيير النظام
فحقيقة الأمر إن الفئة الحاكمة في واشنطن استغلت هجوم 11 أيلول / سبتمبر لتغيير خريطة الشرق الأوسط السياسية وفق تصورات ودراسات كان قد تم تداولها ومناقشتها علنا خلال أعوام عدة، في كل من واشنطن وإسرائيل· وفي هذا الصدد لم يشهد الشرق الأوسط، كما لم يشهد الصراع العربي / الإسرائيلي، هذا التحالف والتناغم ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل كما نشهده اليوم، وكما سيتضح مستقبلا·
إلا أن ما يميز الفترة الحالية كذلك هو المفهوم الاستراتيجي الجديد للولايات المتحدة في إدارة سياستها الخارجية والدفاعية، وتبني مبدأ الضربة الوقائية لتفادي خطر محتمل على أمن الولايات المتحدة تقرره هي وحدها من دون موافقة مجلس الأمن· فهذا المبدأ يعطي واشنطن حرية الحركة والهجوم، بالذات مع انتهاء الحرب الباردة وغياب الاتحاد السوفييتي وانقسام أوروبا على نفسها ·
الغياب الرسمي العربي
عكس كل من مؤتمري القمة في القاهرة وقطر في أوائل هذه السنة (2003)، وقبيل الحرب، الوهن والضعف الذي أصاب النظام السياسي العربي· فقد غطت المهاترات والمعارك الكلامية ما بين بعض رؤساء الوفود على الاهتمام بالأمور الأساسية، وتم التعامل مع قشور المشكلة وترك الأمور الحيوية، الأمر الذي عكس فشل الحكام مرة أخرى في التصدي للمشكلات أو حلها·
إن الخطر الحقيقي الذي داهم المؤتمرات العربية منذ فترة طويلة هو فقدان المنظومة السياسية العربية، أي إرادة حقيقية ذات صدقية في التعامل مع الواقع من أجل الدفاع عن الأمن العربي وسيادة الدول· وبصراحة، عندما تفتقد أي حكومة الإرادة والقدرة على تحقيق أبسط شروط الحكم، وهو الدفاع عن سيادة الدولة، فهذا معناه أن أمرها ولى، ودورها انتهى , وعليها الرحيل ·
لقد كان من الممكن،مثلا، وعلى الرغم من صعوبة الأوضاع، اتخاذ مبادرة جماعية شجاعة، والضغط على النظام العراقي بكل الوسائل المتاحة من أجل التخلي عن الحكم بطريقة أو بأخرى، إما من خلال اقتراح إجراء استفتاء، وإما عن طريق دعوة مجلس الأمن الى التدخل سياسيا ؛ وكل هذا من أجل إيقاف الحرب التي كان من الواضح أنها ستلحق الدمار والخراب بالبلد، وتسبب الهلاك للسكان· فالمعركة العسكرية غير متكافئة، ونتائجها كانت معروفة· ولو كان هناك ذرة من الوطنية باقية لدى الحكام في بغداد لتنحوا، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الحكم الذي كلف البلد كثيرا في حربين مدمرتين، وحصار دولي دام أكثر من 12 عاما، ودكتاتورية لا مثيل لها في النصف الثاني من القرن العشرين·
إلا أن أحدا لم يستغرب إخفاق المجموعة العربية في اتخاذ المبادرات الجادة والفعلية· فقد ضعف النظام العربي وهزل لأن حكوماته نفسها أخفقت، ومنها العراق، في التجاوب المعقول مع شعوبها· وهذا الفقدان المخيف لاحترام النفس أولا، من خلال عدم احترام الدفاع عن سيادة البلاد، ومن خلال الفساد الذي استشرى على مختلف المستويات وفي مختلف القطاعات، ومن خلال تخلف الأقطار العربية عن محاكاة الأنظمة الديمقراطية الأخرى، لا في أوروبا والدول الصناعية فقط، بل أيضا في الدول الآسيوية وبعض الأقطار الإفريقية وأمريكا اللاتينية، إلى جانب غياب أبسط حقوق الإنسان والمواطنة، كل هذا أدى إلى خلق هوة سحيقة بين الحاكم والمواطن· كما أدى هذا التخلف السياسي وفقدان أي نوع من موازين القوى في المنطقة الى فسح المجال لتمكن الدول الأخرى من استغلال الأوضاع المترهلة هذه لتنفيذ نظرياتها السياسية الجديدة، وممارسة نفوذها وقوتها بشكل لا يمكن تحقيقه في أي منطقة أخرى في العالم، بهذا النمط العسكري بالذات·
إن نتيجة جميع هذه الترسبات، وغيرها، هي الهوة النفسية ما بين السلطة والشعب، إضافة الى الازدواجية في التفكير والتصرف السياسي اللذين يسمحان للبعض بترديد الكلام الوطني عبر وسائل الإعلام، وفي الوقت نفسه الهرب من تحمل المسؤولية عند الضرورة·
الأغلبية الصامتة
لقد كان واضحا للعيان ماهية شعور الأغلبية الساحقة في أوساط الرأي العام العربي , الذي اصطلح على تسميته في وسائل الإعلام "الشارع العربي"· فمع المعرفة التامة باستحالة فوز القوات المسلحة العراقية في معركة غير متكافئة، إلا أنه كان هناك رغبة عارمة عند المواطنين العرب في حدوث نوع من المقاومة لكسر هذا المسلسل المخيف من الهزائم العسكرية التي لحقت بالدول العربية، الواحدة تلو الأخرى، منذ سنة 1948 حتى يومنا هذا ·
كما صاحب هذا التيار ثلاثة مشاعر أساسية: الأول هو الألم الذي خيم على المواطن العربي طوال السنتين الماضيتين نتيجة القهر والدمار اللذين مارستهما إسرائيل على الشعب الفلسطيني المحتل، واللذين دخلا كل منزل عربي عن طريق انتشار الفضائيات العربية؛ الثاني هو الخوف والحرص لدى الرأي العام العربي على شعب العراق والمصير المجهول الذي سيواجهه نتيجة الحرب، بغض النظر عن العذاب والقهر اللذين كان الشعب العراقي يعيشهما في ظل النظام السابق ؛ الثالث هوالصدمة والذهول من جراء إمكان احتلال العراق من قبل الجيش الأمريكي، وما يمكن أن يعنيه هذا لشعوب المنطقة ودولها·
الغريب في الأمر أن هذه المشاعر والاتجاهات طغت على وجدان الأغلبيةالساحقة في الرأي العام العربي، بغض النظر عن مواطنيةالفرد أو دينه أو ملته· لكن هذه المشاعر، ومع الأسف الشديد، لا تذهب إلى أبعد من بعض التصرفات العاطفية والمشاعر الخارجية·
فقد أصبح واضحا للعيان، وبعد تجارب مريرة كثيرة، أن المواطن العربي يتأثر بما حوله، لكنه ينأى عن الانتظام في مؤسسات سياسية حديثة ذات صلة أساسية بالمجتمع المدني، وذلك من أجل كسب حقوق المواطنة وحقوق الإنسان التي تكفلها التشريعات الدولية، والمتوافرة لأغلبية ساحقة من أبناء البشر· وفي الواقع، فإنه من دون الارتفاع في العمل السياسي عن الأساليب التقليدية إلى المؤسسات الحديثة التي تثبت حقوق المواطنة، وتحرص على الحريات العامة، وتوفر فرصا اقتصادية ناجحة ومنتجة لجميع السكان، بلا مفاضلة أو استئثار، فمن غير المجدي تأمل الكثير، سوى الحسرة والندم والألم على ما يفوت ويضيع، وعلى مستقبل مجهول لا يعرف حده الأدنى·
إن تجربة الحرب الأخيرة تكشف ضعف الأنظمة العربية وما هو مخبا لها· فعلى الرغم من كل ما تنفقه الحكومات على القوات المسلحة والأمن والاستخبارات، فإن تجربة حرب العراق فضحت العورة التي كان بعض الأنظمة يستقوي بها، وهي أن الجيش سيدافع عن أرض الوطن وسيادته وشرفه وكرامته·
إن الواقع المرير الذي نعيشه يشير الى أن القوات المسلحة ستضحي بمؤسساتها ورجالها من أجل الدفاع عن الأرض والوطن، لكن لا الأنظمة، وبالذات تلك التي لا تراعي حقوق المواطنين ومصالحهم· وهذه التجربة القديمة - الحديثة ستؤدي الى نتائج خطرة وطويلة الأمد، رأينا نتائجها في الأعوام التي أعقبت حرب فلسطين في سنة 1948· ومما يزيد في الطين بلة أن الهجوم على العرب الآن هو من قبل الدولةالعظمى في العالم، والتي يعتقد اليمين الجديد الحاكم فيها أن الدول العربية أرض خصبة لتطبيق نظرياته عليها، لمصلحة أفكاره ولمصلحة إسرائيل ·
مستقبل العراق
من الصعب جدا تصور العراق تحت الاحتلال، وبالذات لفترة طويلة· فهذا أمر شاذ وغير طبيعي، لا يمكن أن يستمر· وبعد أن تنتهي فترة الذهول والصدمة اللذين أصابا المواطن العراقي، يتوقع أن يبدأ العمل السياسي لإنهاء الادارة العسكرية الأمريكية في البلد ·
ماذا حدث في العراق تماما، وكيف ولماذا قاومت ناحية أم قصر ومدينة البصرة والناصرية بينما سقطت بغداد من دون مواجهة تذكر؟ هذا الأمر يترك للمؤرخين· لكن هناك بعض الأمور التي لا يمكن إخفاؤها، أو نكرانها، أو غض النظر عنها·
لقد ظلم النظام السابق شعب العراق وأوصله الى حالة مهينة قلما نشاهدها في التاريخ، إلا في حالات استثنائية· ولا ندري ما السبب في هذا النوع من الحكم الشمولي الذي لا يفكر إلا في القهر والتعذيب والإذلال من أجل البقاء في الحكم· وما مسرحية الاستفتاء والانتخابات في الأشهر الأخيرة من الحكم، ورعب المواطن من عدم التسجيل والاستفتاء والإدلاء بالصوت الإيجابي الشامل وغير المسبوق تاريخيا، إلا تعبير واحد عن الحالة العدمية التي وصل اليها الشعب العراقي في ظل النظام السابق ·
وقد انعكست الصورة الحقيقية لهذا الواقع الأليم في مشاعر الناس بعد إطاحة نظام الحكم، من تحالف استراتيجي بين قوى سياسية وطنية (الحزبين الكرديين) مع قوات التحالف، والتفاف الرأي العام مع المسجد والاعتماد عليه من أجل إيقاف حالة الفراغ ونهب العصابات المسلحة التي انتشرت في البلد مع اختفاء السلطة وعدم استعداد السلطة الجديدة لاستلام مقاليد الحكم في الوقت المناسب، والتعاون الوثيق من قبل بعض الأفراد والتنظيمات السياسية (مثل مجموعة المؤتمر الوطني العراقي الممثلة من قبل الدكتور أحمد الجلبي) مع مؤسسات الإدارة الأمريكية، وذهول المواطن من جراء الزلزال الرهيب الذي أصابه في عقر داره وضميره·
كما أن النظام السابق استهتر بالعقد الاجتماعي غير المكتوب، الذي قامت عليه الدولة العراقية الحديثة، واستهان بكل المؤسسات والقيم والأنظمة الإدارية، واستحوذ على خيرات البلد، وبذر الأموال والموارد بشكل استهتاري لا مثيل له ولا سبب له إلا نتيجة أعوام من عدم المحاسبة، وتلزيم البلد للزمرة الحاكمة والعائلة والأصدقاء· وكانت نتيجة هذه التصرفات الفقر المدقع الذي تمثل أمامنا فجأة على شاشات التلفزة في أثناء الحرب، لا في الأرياف فقط، بل أيضا في ضواحي بغداد وغيرها، إضافة إلى الخراب الذي أصاب المرافق العامة ومنازل السكان نتيجة الحروب المتكررة، ونتيجة أكثر من عقد من نظام حصار دولي صارم ·
إذا ثمة رسالة واضحة يجب إيصالها بسرعة الى كل من يهمه الأمر، وهي الكف عن هذا الكلام على ثروات العراق وخيراته، وعن كل هذا الكلام على عشرات المليارات من براميل النفط في أرضه الطيبة، وعن كل هذا الكلام على تقاسم الكعكة ما بين الدول والشركات الأجنبية· فمن الواضح أن لا استقرار في العراق قبل أن يستطيع أفراد شعبه جميعا التنعم بموارد البلد بطريقة عقلانية ومتساوية، وردم الفجوة الاجتماعية والاقتصادية الهائلة بين مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية· فمن دون هذا العمل لا يمكن تصور حلول الاستقرار في العراق· إذ ما فائدة هذا النفط كله اذا لم يتم توزيع الثروة على السكان كي يتمكنوا من تحسين مستواهم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بصورة متوازية ومتساوية؟!·
لكن مهما نتصور ونأمل فنحن أمام واقع جديد يفرضه علينا الاحتلال الأمريكي· فالحاكم العسكري هو الذي سيقرر الخطوات المهمة في الأسابيع والأشهر المقبلة· وستحاول الأحزاب العراقية، بمختلف أطيافها ومجموعاتها، أن توطد نفوذها من أجل التهيؤ لفترة ما بعد الاحتلال والحصول على موقع قدم في الفترة الانتقالية التي ستحضر الأرضية اللازمة للاستفتاء على الدستور المقترح والانتخابات النيابية الموعودة بعد عامين تقريبا ·
من الواضح أن تصور ما سيحدث في المستقبل المنظور صعب جدا· فأهمية الزلزال لا تكمن في طريقة حسم المعركة العسكرية فحسب، بل أيضا فيما حل في نفوس أهل البلد ووجدانهم· فمنهم من هو قابل بما يجري، لا بل متعاون معه؛ ومنهم من هو رافض ذلك رفضا قاطعا؛ ومنهم من لا يزال مذهولا من جراء ما حدث؛ ومنهم من هو موافق على التعاون ويريد أن يصل الى سدة الحكم، لكن بشروط معينة· ومن المتوقع أن تقبل الأحزاب السياسية جميعها، من دون استثناء، ببقاء القوات الأجنبية إلى حين الانتخابات العامة، هذا إذا قررت الحكومة الأمريكية الانسحاب كليا حتى بعد تلك الفترة، أو قررت ابقاء قواعد عسكرية في البلد كما ذكر في الصحافة الأمريكية ونفاه وزير الدفاع الأمريكي·
يتوقع أيضا بروز قوى سياسية جديدة على الساحةالعراقية، إلى جانب الأحزاب السياسية التي لها جذور وقواعد واسعة على الأرض الآن· لكن من غير الواضح حتى الآن ماهية هذه القوى السياسية الجديدة، ومدى نفوذها في أوساط الرأي العام العراقي: فهل ستعكس القوى الجديدة نواة مجتمع مدني جديد قائم على المؤسسات الحديثة ذات القاعدة الشعبية متعددة الأطياف، والتي تلتقي على مشروع سياسي محدد؟ أم العودة أكثر فأكثر الى العشيرة والدين والطائفة والملة ؟ ومن غير الواضح كذلك ما إذا سيتم فرز هذه القوى السياسية الجديدة بطرق سلمية وحضارية، أم عن طريق الصراع المسلح، وبالذات تحت لواء الاحتلال الأجنبي·
من المتوقع بروز قوى سياسية وزعامات محلية إلى جانب الأحزاب الكردية والتنظيمات السياسية الشيعية الرئيسية، ومن المتوقع أيضا أن يفرز النظام الجديد حدودا وقيودا على الحكومة المركزية في بغداد : إما من خلال موافقة الشعب في استفتاء يجري بعد عامين تقريبا على إقامة نظام فيدرالي، وإما من خلال تأسيس عقد اجتماعي جديد ما بين العراقيين يأخذ في الاعتبار فسيفساء المجتمع العراقي بكامل أطيافه وأنواعه، وإما من خلال طريقة توزيع أموال الدولة على التقسيمات الإدارية الجديدة· المهم في هذا الأمر ليس الشكل القانوني، وإنما الحرص على بناء مؤسسات ديمقراطية وشفافة ومسؤولة يتم تدوير السلطة فيها ومحاسبتها وفق الدستور والقوانين المرعية، وإلا لا فائدة من هذه التغييرات كلها·
أخيرا، وليس آخرا، هناك مسألة دور العراق الإقليمي· لقد تغيرت الصورة الآن، فبدلا من مغامرات النظام السابق في الاعتداء على الجيران والتدخل في شؤون الدول الأخرى، تتم الدعوة من جانب اليمين الجديد في واشنطن، وبمساندة بعض أنصاره في بغداد اليوم، إلى خلق واقع جديد، سواء أكان ذلك مع اسرائيل أم مع الدول العربية الأخرى أم مع إيران، وذلك تمشيا مع تصورات هذه المجموعة لما يجب أن يكون عليه الشرق الأوسط مستقبلا· هذه الاستراتيجيا الجديدة، وفي حال المضي فيها الى نهايتها، ستعني أعواما مديدة من النزاعات والخصومات بين العراق وجيرانه مرة أخرى، إلى أن تتضح الصورة بشأن الغالب والمغلوب في هذا الصراع·
واقع جديد
إن عدم وضوح الصورة المستقبلية نابع من أننا أمام واقع جديد في طور التكوين، واقع عسكري أجنبي قوي في مرحلة سقط فيها النظام السياسي العربي بمختلف أنواعه ومشاربه·
هناك قيم ومبادىء لا يمكن التخلي عنها، مثل رفض الاحتلال والدفاع عن سيادة البلد· لكن من الواضح أيضا أن موازين القوى انقلبت على رأسها، ومن الصعب تبني الأنماط القديمة نفسها من أجل الدفاع عن أبسط القيم الأساسية، والسبب الرئيسي في ذلك هو العقود الطويلة من كبت الحريات وإهدار حقوق الإنسان، بحيث انفصل المواطن عن نظامه، وأصبح الهدف من أي مقاومة هو الدفاع عن النظام لا عن سيادة البلد وحرية المواطنين وكرامتهم ·
إن ما يمكن تصوره، إذا لم يكن الوقت متأخرا، هو زحزحة الأنظمة الحاكمة عن أساليبها الاحتكارية في الحكم، والاعتماد أكثر فأكثر على الشعب عن طريق احترام الدساتير والمؤسسات التمثيلية الحقيقية وتدوير السلطة والشفافية والمحاسبة وتوزيع الثروات بطريقة عادلة، مع تحرير الاقتصاد بطريقة مسؤولة وحيوية في الوقت نفسه· وهنا يأتي دور الطبقة المتوسطة والمهنية، لا في الدفاع عن الأنظمة وإنما في الدفاع عن مجتمعات حديثة متحررة تستطيع أن تعيش فيها بحرية وكرامة ومساواة وتوافر الفرص للأجيال المقبلة في النهوض والتقدم بعد السنوات العجاف التي مرت بنا· كما أن في إمكان الجيل الجديد أن يبدأ باتخاذ المبادرات ببناء مؤسسات المجتمع المدني الحضاري وعدم الاتكال على مؤسسات المجتمع التقليدي في كل ما هب ودب، إذ لا مستقبل للبلد في ظل هذا النوع من القوقعة الاجتماعية· |