رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 12 جمادى الأول 1424هـ -12 يوليو 2003
العدد 1585

دراسة

جدل المثقف و السياسي 1-2

بقلم : جعفر حسن

لعل المدخل الأول للموضوع أن نحاول تعريف وتحديد من هو السياسي، ونلمس فقرا شديدا في أدبياتنا العربية حول موضوعنا، و لعلنا نتطرق بدءا إلى تلك التعاريف التي ظلت متداولة على المستوى الشعبي، فحين يعرف البعض السياسي بأنه من يتحدث عن أسعار البصل، تصل المسألة بنا إلى القول بأن البائع المتجول أو صاحب الدكان الصغير رجل اقتصادي في حالة توسيع الفكرة و تمديدها، و يبدو أن المسألة خطأ إما في القياس أو في التعريف، و تتضح المسألة بتبسيطها إلى أقصى حد ، لنصل إلى نتيجة بأن كل إنسان يشارك في حوار ما إنما يكون بذلك ممارسا للسياسة وإن كان ذلك الحوار طارئا عليه، و يمكننا تلمس في اتساع ما صدق المفهوم محددا لضيق المفهوم، إذ أن المفهوم الذي يسع كل شيء في الحقيقة لا يسمي ولا يدل على شيء، من هنا نتحسس أن هناك خطأ في التعريف لعدم شموله للعينة كلها·

ولعل المنبع الأول لهذا الخلط هو دولة المدينة في اليونان القديمة، والتعريف الذي قدمه أرسطو للإنسان باعتباره كائنا سياسيا، إذ إن التعاريف التي تتعلق بالمجتمع تنتج في ظروفه العيانية المتحققة، و نحن نتناسى هنا أن دولة المدينة التي أنتج في وقتها التعريف لم تعد موجودة، ومواطنوها الذين يشاركون في اتخاذ القرارات السياسية من الشعب لهم صفات خاصة في ذلك الوقت، و على الأرجح هم الذين يدخلون تحت حد تعريف الإنسان بالنسبة لأرسطو، و ربما كان ذلك هو عينه السبب الذي من أجله استكثر أرسطو العدد الأمثل الذي اقترحه أفلاطون لأسر دولة المدينة من المواطنين، و اكتفى بأن تكون دولة المدينة قادرة على إعالة نفسها، كما تصورها صغيرة بحيث تمكن الأفراد من أن يعرفوا بعضهم بعضا، ولنا أن نلمح كلمة مواطنين لأنها كانت تعني أمرا محددا في تلك الفترة، إذ أن المواطن هو من يمتلك العبيد والأراضي، والتعريف يخرج غيرهم من صفة المواطنة فالمرأة و العبيد والعمال الحرفيون خارج المواطنة بالنسبة للقياس، وهو تعريف لا يمكن الأخذ به في زمننا لاتساع مفهوم الدولة والديموقراطية بشكل كبير، وربما كان هو ذاته السبب الذي جعل أمثال (هوبز وروسو) يعيدون التفكير في ذات الديموقراطية بناء على معطيات المجتمع الجديد، ويشير مفكر مثل برترند رسل قبل واحد و ستين عاما إلى أن الدولة المستقلة التي تستطيع تحقيق الاستقلال وهو شرط لا يمكن أن يكون لدولة أصغر من أمريكا والإمبراطورية البريطانية مجتمعتين، وربما تبين أنه حتى هذه الوحدة أصغر من أن  تستطيع القيام بذاتها بشرط الاستقلال·

و هل يمكن أن نعرف السياسي بأنه من يمتهن السياسة؟! و نقع في التوصيف في حدود الوظيفة التي يقوم بها الفرد في المجتمع، بحيث يشكل الاشتغال بالسياسة مصدر العيش الأساسي لذلك الفرد، وبالتالي نحدد مجموعات قليلة من البشر أمثال الرؤساء والوزراء و أعضاء البرلمانات و مجالس الشورى·· الخ، ويدق التعريف بتحديده في القيادات التي تكون قادرة على اتخاذ القرارات في الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهل لهذا التوصيف علاقة بتعمق التخصص في المجتمع الحالي أم أنه كان دائما موجودا بوجود الدولة؟ ولا بد أن نرجع إلى ذلك للاشتباك بين تعريف السياسة والسياسي، وكيف لنا أن ندخل الأحزاب والحركات المسلحة·· الخ في هذا التعريف؟ أليست الحرب هي ممارسة للسياسة بطرق أخرى كما يقول البعض؟ و لماذا تتحول صفة سياسي إلى تهمة في المجتمع يعتقل البعض من المعارضة بسببها؟ وهل هناك اختلاف بين السياسي والمناضل؟

بينما تتحول السياسة إلى علم يدرس في جامعات العالم حول موضوع الدولة وهي مفهوم مجرد لحالة باتت تسود كل المجتمعات البشرية الآن، و منه يمكننا أن ندرك أن السياسة بدخولها في التجريد النظري تبتعد عن الإنسان الفرد لتتحول إلى إدراك ما تشكله الجزئيات من كل يكون أكبر من مجموعها، ويبدو لنا أننا نتكلم هنا عن العلاقات التي تنشأ بين الأفراد والمجموعات التي تنتظم في أجهزة الدولة أكثر من حديثنا عن الأفراد في ذواتهم، و بالتالي فإن السياسة هي علم الدولة، والدولة لها أركان منها الحكومة و الشعب و القانون والحدود الجغرافية وتراتبيات السلطة القضائية والتنفيذية والتشريعية ··الخ و بالتالي هي أكبر من كل أجزائها ، والحكومة من الشعب و الشعب مجموعة من الأفراد تعيش في رقعة محدودة والقانون يتواضع عليه الناس ·· الخ بما فيه العقد الاجتماعي و بالتالي كيف لنا أن نفسر نشوء الدولة في المنفى؟

و ربما نقع على بعض الأدبيات التي تعرف السياسة من خلال تعلقها بتجريدات تتمحور حول السلوكيات كقول البعض إن السياسة هي فن الممكن أو هي فن حكم البشر، أو ربما رجعت إلى التاريخ الإسلامي حول مفاهيم مثل الراعي والرعية، وسوف نتوه في إعادة تعريف فن الإدارة وفن الحكم ·· الخ، و من الواضح أن تعريف الدولة أكبر من تجلياته، فالحرية ليست مجموع الحريات المتمثلة بحرية الصحافة و حرية الرأي وحرية العقيدة ·· الخ·

إن ما نريد أن نصل إليه من خلال ما سبق هو أنه لا نجد تعريفا مانعا جامعا لكلمة سياسي باعتبارها صفة لشخص ما، و يمكننا بشيء من الحذر القول أن السياسي هو العنصر الفاعل في المجتمع من حيث تحديد وتنشيط العلاقات البشرية الفاعلة في توزيع السلطة والثروة داخل المجتمع أو بين مجتمعه والمجتمعات الأخرى، كمتخصص أو غير متخصص، و هو المؤثر في قرارات الدولة في النهاية بالسلب أو الإيجاب من مؤيدين ومعارضين في شتى التنظيمات أو خارجها داخل المجتمع، ولربما كان شرط امتلاك الأيدلوجيا باعتبارها تجليا لوعي المصالح بما تمتلكه من إجابات على المشكل الاجتماعي والاقتصادي من شروط الفرد السياسي، وبالتالي وعي الانتماء و إن كان زائفا، ويمكن توزيع ذلك على مستويات هذا التأثير بين الفرد والجماعة، الأحزاب السياسية و كتل الضغط العامة و الأفراد المستقلين ·· الخ، و هم أفراد فاعلون بقوة في المجتمع، إما باعتبارهم قوة تميل للمحافظ على تماسك المجتمع في ديناميكية حركته  التي تنحو نحو التغيير السريع حينا والبطيء في كثير من الأحيان أو العكس، إذ تميل إلى تغيير الأنساق القائمة في المجتمع، و في كل الأحوال فإن القوى المؤثرة في الدولة وهي نفسها ليست إلا تعبيرا عن التقاطع بين النظام في المجتمع والفرد بمفهوم التفرد الفردي الذي يحكم المجتمع الآن، و لنلاحظ أن النظام هو إعادة استثمار لعناصر الفوضى بينما يخلق النظام فوضاه الخاصة، وعلى الرغم من ذلك فإن مجموع الأفراد المشتغلين في الحقول السياسية المتعددة لا يساوون كتلة المجتمع ككل و إن كانوا هم القوى الفاعلة و المؤثرة فيه على الأصعدة التي أشرنا إليها، فلو عددنا الأفراد المشتغلين في كل القوى السياسية في بلد ما وأفراد حكومتها فلن نحصل على عدد أفراد المجتمع، إذ إن المجتمع مفهوم أكثر اتساعا من الدولة والسياسة اللتين ليستا إلا تجل من تجلياته ·

ما الثقافة و من هو المثقف؟

لا يمكننا أن نتكلم عن المثقف دون أن نشير إلى كلمة ثقافة وهو المنسوب إليها، فيبدوا أن هناك رحلة طويلة لكلمة ثقافة، و الذي نستشفه منها أنها جاءت كرد على ما كان يفوح به مصطلح حضارة من تمايز فج بين الشعوب القاهرة والشعوب المقهورة في المستعمرات، ونجد أن المصطلح يستبطن مجموعة من المفاهيم مثل الحرية والحتمية و التوسط والثبات والتغير و الهوية والخلق والعمل، كما انه رفض مزدوج للحتمية العضوية ولاستقلال الروح، وإذا ما فهمت الثقافة على أنها تهذيب لملكات الذات الرفيعة، فإننا نستشعر وجود ملكات الذات الوضيعة بذات القوة، الإرادة و الرغبة، العقل والهوى، وربما تفترض نقصا ما في الطبيعة لذلك فإننا بها نستطيع أن نبلغ ذرى لم تبلغها الكائنات التي تشاركنا المعطيات الأولية ذاتها من الطبيعة، و إذا ما كان هناك تاريخ وسياسة محتجبان في المفهوم فيندس بينهما لاهوت أيضا، كما يفترض وجود الدولة باعتبارها عالما متعاليا يمكن فيه تسوية تلك التعارضات التي تقوم بين الأفراد، وذلك من خلال عملية التربية والتعليم التي تقوم على إطلاق الذات المثالية والجمعية في داخل كل منا، و هذا ما يشير إلى معنى قوم و عدل في اللغة العربية في المفهوم ذاته (ثقف)، لكن الثقافة تعلو على السياسة لأنها تتعامل معنا كبشر أولا ثم كمواطنين·

 

* كاتب من البحرين

طباعة  

وتــد
 
ذاكرة الشعر
 
المرصد الثقافي
 
"العربي" تدخل الخيامية
 
"البيان" والنقاد الغارقون في "الشللية"!
 
خبر ثقافي