رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 12 جمادى الأول 1424هـ -12 يوليو 2003
العدد 1585

المرصد الثقافي

جـــــزمـــــة

 

فضل الله حجاز هو ابن قريتي ريمة حازم السورية· سجين سياسي سابق (خمس سنوات) روى لي أنه قال للسجان عندما داس رأسه واتهمه بالخيانة: "شيل جزمتك عن وجهي تا أقدر شوف إسرائيل"· حدّثني أن أسوأ لحظات حياته عندما زاره أخوه في السجن للمرة الاولى· لدى سؤاله عما يقول أهل القرية عن سجنه أجاب: "إنهم يتساءلون بسخرية، هل كنت تنوي أن تصبح رئيس جمهورية؟!"، "منذ ذلك اليوم، يقول أبو ديمة، أحسست بأن سجني صار مجانياً، وبأن المعنى الوحيد للسجن هو خسارة السنين، وبتّ أرى في عينيّ السجان وجوه أهل القرية"·

أما جدي "المبدئي" في انتمائه الحزبي - كما يصفه فضل الله - لأنه استقال من الحزب إبان أول انقلاب فيه، فقد ضاعت هويته (بطاقته الشخصية) ذات يوم، وذهب ليُخرج عنها بدلاً من ضائع، ولدى التحقيق معه في سبب ضياعها سأله المحقق: "هل أنت حزبيّ؟" (المقصود بعثيّ)، أجابه جدي: "منذ عام ،1963 أي قبل أن تولد"، فأكمل المحقق سؤاله: "والآن ماذا؟"، فأجابه جدي بخبث: "أنا الآن مضيّع هويتي، وأريد هوية بدل ضائع"·

الحقيقة أن جدي كان ولا يزال من أكثر المتحمسين لفكرة "الحرية على جرعات"، مسبوقة بالتثقيف الشعبي· لذا وقف الى جانب رأي الأكثرية في القرية حيال سَجْن فضل الله حجاز· يعتبر النضال الفردي دليلاً على عدم نضج المجتمع، وعدم مقدرته على تحمّل مسؤولياته كمجتمع، وفي رأيه أن نضال الفرد في غياب المجتمع خطأ يجب على صاحبه تحمّل تبعته· وعطفاً على ذلك يقول جدي إن المجتمع السوري غير مهيأ للحرية وملحقاتها من تعددية حزبية وديمقراطية وتداول للسلطة· ويأخذ أحياناً موقفاً متطرفاً في ذلك يتجلى في سلوكياته مع الآخرين، فذات صباح وبّخ جارتنا المسكينة لأنها لبست فستاناً قصيراً، وفي مساء اليوم نفسه وبّخ جدتي - أي زوجته - لأنها شتمت جيزيل خوري بسبب فستانها "المزلَّط"· قال لها: "اخرسي، فهي تتكلم ثلاث لغات"· أذكر يومها أني استنكرت بشدة، فكيف يحق لجيزيل ما لا يحق لجارتنا؟! لكن جدي، أجابني بتصميم: "يا ولدي، عندما قلت إنها تتكلم ثلاث لغات، قصدت أنها مثقفة، وتعرف كــــيف تتــصـرف بالحرية (خاصتها)، أما جارتك التي لا تعرف أن تكتب اسمها، فكيف لها أن تفهم معنى الحرية؟ ثقّفها أولاً، وأنا سأشتري لها مايوه البحر"·

في اختصار، يبرر جدي سكوته بكساح اجتماعي، ويُجيز للقادة "رَعْي" شعوبهم ما دامت تستحق ذلك· والجزمة لديه أصغر من أن تحجب إسرائيل عن عين الشعب، بل ربما كانت هذه الجزمة من زجاج شفّاف مثلاً، فما الحجة ساعتئذ؟

بين فضل الله حجاز "نضال الفرد" وجدي "فتوى الحياد"، مسافة وطنية قد أستطيع أن أملأها باعتذار صادق، لأني كتبت عنهما من دون إذن مسبق، أسوة بالسلطة التي لا تستأذنهما في شيء·

 

ماهر شرف الدين  - ملحق "النهار"

طباعة  

دراسة
 
وتــد
 
ذاكرة الشعر
 
"العربي" تدخل الخيامية
 
"البيان" والنقاد الغارقون في "الشللية"!
 
خبر ثقافي