رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 16 رجب 1424 هـ -13 سبتمبر 2003
العدد 1594

اغتيال الحكيم ··· أدلة منطقية

                                               

 

 

" قتلة الحكيم إرهابيون لا دين لهم ولا مذهب

" لإرهابيـون ينشرون الخراب والدمار والرعب في كل الاتجاهات والأمكنة

" القتلة انتهكوا حرمة العلم والعلماء وحرمة صلاة الجمعة

 

نزار حيدر

يتساءل الكثيرون عن سر اتهام العراقيين لعناصر تنتمي إلى الفكر الوهابي السلفي في تنفيذ العملية الإجرامية التي وقعت في مدينة النجف الأشرف الأسبوع الماضي والتي أودت بحياة الشهيد آية الله السيد محمد باقر الحكيم والمئات من المواطنين الأبرياء

كما يستغرب البعض من توجيه العراقيين لأصابع الاتهام إلى جهات لم تثبت التحقيقات بعد أنهم متورطون بالفعل في تنفيذ هذه الجريمة البشعة التي أدانها القاصي والداني وكل ذي قلب وضمير ودين وقيم وأخلاق

يتساءلون، كيف يجوز للعراقيين توجيه اتهامات من دون دليل مادي ويتسرعون في إصدار أحكام  قد تكون نتائجها سلبية فتضر أكثر مما تنفع في وأد الفتنة ؟

في البدء يجب أن نعرف أن الاتهام الشعبي العراقي لمثل هذه العصابات الإرهابية والأحزاب الظلامية، لم يأت من فراغ، كما أنه ليس رجما بالغيب أبدا وأنه يستند إلى توقعات منطقية وأدلة معنوية تعتمد التخمين والتحليل والأدلة العقلية والتاريخية والنفسية، ولكون الشعب العراقي، شعبا مؤمنا ومجاهدا وصبورا ومضحيا، لذلك فإن الكثير من قراءاته السابقة بشأن أصدقائه وأعدائه، جاءت صائبة بالرغم من أنه لم يكن يمتلك وقتها الأدلة المادية الملموسة، إلا أنه من حسن حظه أن قراءاته تلك جاءت في كل مرة صحيحة في إطار فراسته الثاقبة للأمور، طبقا للقول المشهور، "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بعين الله"·

وقبل أن نسوق الأدلة المعنوية التي اعتمدها العراقيون في قراءتهم لهوية القتلة، أود أن أوضح الحقائق التالية:

أولا: إن القتلة لا ينتمون إلى دين أو مذهب، فالإرهابي بطبعه عديم الدين والمذهب والإنسانية ولذلك استنكر العالم فعلتهم الشنيعة·

إن من ارتكب الجريمة، انتهك حرمات عدة في آن واحد، فهو انتهك حرمة المدينة المقدسة، كما انتهك حرمة المرقد الطاهر للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الذي يحترمه كل المسلمين بلا استثناء، بل كل صاحب دين ومقدسات·

كما انتهك القتلة حرمة العلم والعلماء والمرجعيات وكذلك حرمة صلاة الجمعة وهي شعيرة من شعائر الله تعالى، والتي يقول عنها القرآن الكريم، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب فضلا عن أن القتلة انتهكوا حرمة الناس الأبرياء عندما استباحوا دماءهم وأجسادهم التي بعثرها الانفجار ووزعها في الاتجاهات الأربعة·

إنهم إذن انتزعوا عن أنفسهم، كل الحرمات وتنكروا لكل المحرمات قبل أن يرتكبوا جريمتهم البشعة·

إن الإرهابي، بغض النظر عن هويته وانتمائه، يكره الحياة ويكره الإنسان ـ كإنسان ـ، إنه يحب القتل ويعشق منظر الدم، ولذلك فإنه يبلغ القمة في الشهوة عندما يرى ضحيته تتألم، إنه يكره الحب والأمل والحاضر والمستقبل والبسمة على شفاه الناس·

إنه يقتل ضحاياه بأبشع الطرق وبدم بارد، إنه يوزع الموت وينثر دم الضحايا ولحومهم في كل الاتجاهات، فمن شخص واحد يقتل أو يجرح المئات من الأبرياء، إنه عشق القتل وسفك الدماء البريئة أجل إنه يستهدف إزهاق الأرواح المحترمة وزرع الفتن التي هي أشد من القتل·

ولكل ذلك أزعم، وبضرس قاطع، إن القتلة لا ينتمون إلى دين، لأن الدين حب وتسامح وأخوة ووئام وانسجام، أما الإرهابيون فقد ملأتهم الكراهية والحقد وروح الانتقام من قمة رؤوسهم وحتى أخماص أقدامهم·

ثانيا: إن القتلة لا ينتمون إلى أي مذهب من المذاهب الإسلامية الخمسة، إنهم أحزاب وعصابات تنتمي إلى ثقافة الموت التي تكره الحياة وتبغض الحب، يتغذون من الفكر المتطرف الذي يرى أن قتل الآخر يقربه إلى الله تعالى زلفى، ولذلك استنكر علماء مختلف المذاهب الإسلامية في العراق وفي العالم، جريمتهم واعتبروها خروجا على الشريعة بل وحتى على القيم الإنسانية·

اسألوا علماء المذاهب الإسلامية في كل أرجاء العالم، هل في مذاهبهم ما يجيز ويحلل هدر دم الإنسان الذي يخالفهم الرأي ؟ هل فيها ما يجيز قتل الإنسان لمجرد أنه لا ينتمي إلى المذهب الذي انتمى إليه؟ أو لأنه يمارس عادات وتقاليد وشعائر يجيزها مذهبه ويحرمها الفكر الذي انتمى إليه ؟

إن هؤلاء القتلة الذين يهدرون دم الذي يخالفهم الرأي أو الدين أو المذهب   ليسوا من مذاهب المسلمين في شيء  إنهم خارج ملة الإسلام  وإجماع المسلمين، بكل الأعراف والقواعد والقوانين والنصوص الدينية·

إنهم يتقربون إلى الله تعالى بقتلهم الآخر - لمجرد أنه آخر - والعبث بأرواح الناس، إنهم يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، يدخلون من يشاؤون الجنة ويلقون من يكرهون في النار وكأنهم خزنتها أو أن مفاتيح الجنة بأيديهم اقرؤوا مبادئ - مذهبهم - وأسس أفكارهم ستجدون فيها جواز إباحة دم الآخر وماله وعرضه لا لشيء إلا لأنه يخالفهم الرأي والاجتهاد·

إنهم مسكونون بقتل الآخر ومهووسون بتصفية الخصم·

إن علماء المسلمين، بمختلف مذاهبهم وطوائفهم، أنكروا على حكامهم اعتقال المواطن بسبب آرائه التي يخالف فيها رأي السلطان - سجناء الرأي - فكيف يجيز هؤلاء قتل المواطن الذي يخالفهم الرأي - قتلى الرأي - من أين جاؤوا بهذه الفتاوى التي أجازوا فيها قتل الناس وإهدار دمائهم وأموالهم وأعراضهم لمجرد الاختلاف معهم في الرأي؟

إنهم يكذبون عندما يقولون إنهم يتبعون مصلحا أو فكرا إصلاحيا، بل العكس فإنهم يتبعون مخربا مثلهم، ومتطرفا يشبههم، إنهم يتبعون فكرا ظلاميا متخلفا يكره الحياة ويعشق الموت·

إن أي فكر يدعو إلى القتل، لا يمكن أن نطلق عليه صفة - الفكر الإصلاحي - وإن أي مفكر يستخف بالأرواح ويدعو إلى إزهاقها ظلما وعدوانا، لا يمكن أن نسميه مصلحا أبدا، إنه مخرب ومتجاوز على حق  الإنسان في الحياة والذي وهبه الله تعالى لخلقه يوم ابتدعهم، فكيف يجيز هؤلاء لأنفسهم إزهاق أرواح الناس التي منحها الله لهم، وهو فقط صاحب الحق المطلق في أن يهبها لمن يشاء أو يسلبها ممن يشاء لحكمة بالغة·

نعود إلى السؤال، ما الأدلة - المعنوية - التي اعتمدها العراقيون لإثبات التهمة على من أشاروا إليه بإصبع الاتهام؟

بكلمة أقول، بالنسبة إلى العراقيين، فإن طريقة تنفيذ القتلة لجريمتهم، و أسلوبهم الخسيس في الأداء ، يكفيهم كأوضح دليل يسوقونه ضد المتهم المفترض والمحتمل، إنها تدلل على هويتهم، "فالبعرة تدل على البعير" كما يقول المثل المشهور ، لأنهم خبروا الطريقة أكثر من مرة، واكتووا بنيرانها في سالف الزمان، ولذلك فبالنسبة إليهم، تكرار الجريمة بالأسلوب نفسه والأدوات دليل على وحدة المصدر·

لقد عرف القتلة بطريقتهم البشعة في التنفيذ، فهم عادة لم يراعوا أية حرمة عندما يستهدفون ضحيتهم ويقدمون على فعل فظيع كالذي شهدته مدينة النجف الاشرف يوم الجمعة قبل الماضية·

إنهم يوزعون الموت يمينا وشمالا، وينشرون الخراب والدمار والرعب في كل الاتجاهات، هذه هي طريقتهم في قتل ضحاياهم ليس اليوم وإنما منذ أن تشكلت أولى خلاياهم قبل قرنين من الزمن تقريبا، ففي يوم الثاني والعشرين من نيسان ـ إبريل ـ من سنة 1802 مثلا دخل أجداد هؤلاء القتلة بلدة كربلاء يوم ذاك على حين غرة وهم يشهرون سيوفهم، يذبحون كل من يلقونهم في طريقهم، ولم يستثنوا منهم الشيوخ والنساء والأطفال·

وقد قدر بعضهم عدد القتلى ثمانية آلاف، وقيل إنهم قتلوا عند ضريح الحسين ـ عليه السلام ـ  خمسين شخصا وفي الصحن خمسمئة ، ونهبوا كل شيء وقع في أيديهم من الدور والحوانيت والمرقد المقدس، وكان أهم ما غنموه هدايا الملوك من النفائس والتحف والأحجار الكريمة التي كانت مخزونة في ضريح الحسين ـ عليه السلام ـ وحاولوا قلع صفائح الذهب من على الجدران فلم يوفقوا

ومنذ ذلك التاريخ، واصل القتلة غاراتهم الدموية على مدينتي كربلاء والنجف كلما أتيحت لهم الفرصة، كان آخرها هجومهم على المدينتين بعيد الحرب العالمية الأولى·

إنها طريقة متميزة في القتل والذبح والتدمير واستباحة الأرواح والأعراض يمارسونها ويتفننون ويبدعون في تنفيذها كلما خدمتهم الظروف، فمارسوها في العراق وأفغانستان عندما استولوا على قندهار في العام 1996·

كذلك مارسوها من قبل في مكة المكرمة والمدينة المنورة، عندما بسط الحكام والمستعمرون أيديهم في المدينتين مطلع القرن الماضي·

ولما مروا على شمال العراق خلال السنين القليلة الماضية مارسوا الطريقة نفسها، فقتلوا الأبرياء وزرعوا الموت والرعب في ربوع كردستان الحبيبة والجميلة، أثبتت ممارساتهم أنهم متخلفون لا يفقهون معنى الحياة والحب والطبيعة الخلابة التي تنشر السلام والأمن والهدوء في تلك المناطق رائعة الجمال·

إنهم يحقدون على الإنسان ويستشيطون غضبا عندما يتمتع الناس بالأمل وبجاذبية الحياة والطبيعة الرائعة·

يتضح لي أن هناك خيطا رفيعا يصل بين القتلة على مر التاريخ، منذ عهد الخوارج ولحد الآن، مرورا بالنهج الأموي الذي عرف عنه البشاعة في التنفيذ والوسائل، وكلنا سمع وقرأ عما فعله الأمويون بسبط رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الإمام الحسين بن علي ـ رضي الله عنه ـ سيد شباب أهل الجنة وريحانة جده الرسول الكريم في كربلاء في عاشوراء عام 61   للهجرة، والذين لم يراعوا  بقتله أي حرمة، فانتهكوا بقتله حرمة الإسلام والرسول وأهل بيته·

إنهم لم يكتفوا بقتله، بل عمدوا إلى حز رأسه ورض جسده الطاهر بالخيول وسلبه وحرق خيام عياله ومنع الماء عنهم وقتل حتى الطفل الرضيع، وكل ذلك إمعانا في التشفي من الحسين وجده وأبيه، ومن الدين الذي يمثله الحسين، إنه الحقد الأعمى البغيض، إنه النهج ذاته الذي سار عليه كل الإرهابيين على مر التاريخ، إنه النهج الأموي في قتل الضحية وسفك الدم البريء وانتهاك حرمة الإنسان·

فهل يلام العراقيون إذا ما أشاروا بأصابع الاتهام إلى فئة ضالة بعينها عندما تشبهت بالنهج الأموي في تنفيذ جريمتها بمدينة النجف الأشرف المقدسة ؟

إنه خيط الدم الممتد من محراب الكوفة وحتى محراب النجف الأشرف مرورا بكربلاء، فالمنفذ واحد، والضحية واحدة دائما وأبدا·

إنها فرصة لفضح هذه العصابات ولتطهير أرض العراق الطاهرة من دنس القتلة وخطرهم، من خلال فضح وتعرية الأفكار الظلامية التي يتغذون عليها، لتحذير الناس منها قبل أن يصطادوا البسطاء والسذج من المراهقين والمعوزين·

ملاحظة· النص التاريخي نقلا عن كتاب لمحات للدكتور المؤرخ علي الوردي

nazarhaidar@hotmail.com

 

طباعة