
* الأنظمة القمعية والفكر الديني في العالم العربي·· وراء المشاعر المناهضة للولايات المتحدة
* مجموعة من المفكرين اليهود انشقوا عن المحافظين وأطلقوا هذا التيار المتشدد
* المحافظون الجدد ليبراليون في القضايا الداخلية وراديكاليون في السياسة الخارجية
تطرح هذه الصحيفة عددا من الأسئلة الجوهرية حول تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الذي أصبح "حديث المدينة" في واشنطن كما يقال، وذلك بعد أن سيطر على المراكز الأكثر أهمية في إدارة الرئيس بوش، وسار بها نحو المواجهة واستعداء حتى بعض الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة في أوروبا، والهدف من هذه الأسئلة هو تسليط الضوء على تيار المحافظين الجدد وجذورهم ودورهم في الإدارة وتأثيرهم في السياسة الخارجية وأهدافهم محليا ودوليا·
* فماذا يعتقد المحافظون الجدد؟
- يعتقد المحافظون الجدد أن الولايات المتحدة يجب ألا تخجل من استخدام قوتها الكاسحة عند الضرورة، من أجل نشر قيمها حول العالم، بل ويتحدث بعضهم عن الحاجة لإقامة امبراطورية أمريكية، ويعتقد المحافظون الجدد بأنه لم يعد بالإمكان الركون لاحتواء التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة وبالتالي، يجب منعها، الأمر الذي يقتضي أحيانا القيام بعمل عسكري استباقي·
ويؤمن معظم المحافظين الجدد أن الولايات المتحدة سمحت للأخطار بأن تتكالب عليها لأنها لم تنفق بما يكفي على الدفاع وبعدم التصدي للتهديدات بالقوة الكافية، ويقول هؤلاء إن أحد هذه التهديدات كان صدام حسين وسعيه لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، لقد ظل أعضاء هذا التيار ومنذ حرب الخليج 1991، يطالبون بإقصاء صدام عن السلطة·
دعم لا محدود لإسرائيل
ويشترك أركان تيار المحافظين الجدد بدعمهم اللامحدود لإسرائيل التي يرون فيها حليفا عسكريا حاسما للولايات المتحدة في هذه المنطقة المضطربة من العالم، ويرون في إسرائيل أيضا، موقعا رئيسيا متقدما للديمقراطية في منطقة يهيمن الطغاة على الحكم فيها، ويطالب المحافظون الجدد الذين يعتقدون بأن السلطوية والفكر الديني هما السبب في انتعاش المشاعر المناهضة للولايات المتحدة، بإجراء تحول ديمقراطي في المنطقة، بدءا بالعراق·
ويعتقدون كذلك أن حركة الولايات المتحدة مقيدة، بشكل لا ضرورة له، بالمؤسسات متعددة الجنسية التي لا يثقون بقدرتها على التصدي الفاعل للتهديدات التي يتعرض لها الأمن الدولي·
* ما هي جذور معتقدات المحافظين الجدد؟
- المحافظون الجدد في الأساس كانوا مجموعة صغيرة من المفكرين الليبراليين الذين كانوا في معظمهم يهودا والذين زاد سخطهم في الستينات والسبعينات مما اعتبروه تجاوزات اجتماعية من اليسار الأمريكي والإحجام عن الإنفاق بما يكفي على الدفاع، وقد عمل الكثير من هؤلاء في السبعينات كمساعدين للسيناتور الديمقراطي هنري جاكسون الذي كان من أشد المناهضين للشيوعية، ومع حلول الثمانينات، أصبح معظم المحافظين الجدد أعضاء في الحزب الجمهوري حيث وجدوا في الرئيس رونالد ريغن نصيرا لنهجهم المتشدد والذي يقوم على المواجهة مع الاتحاد السوفييتي السابق والذي تبنى الإنفاق الهائل على القوة العسكرية، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، نددوا بما وصفوه تراخيا من جانب الولايات المتحدة، وفي التسعينات، حذروا من أخطار تقليص الإنفاق الدفاعي وتراجع الدور الأمريكي في العالم·
وعلى العكس من أسلافهم، لم يحدث أن وقف المحافظون الجدد من جيل الشباب في يسار الوسط، بل ظلوا دائما يقفون على يمين الحزب الجمهوري أو - كما يطلق عليهم - "ريغانيو" الحزب الجمهوري·
* ما الفارق بين المحافظين الجدد والمحافظين؟
- أضاف الليبراليون في البداية لفظ "جدد" NEO على رفاقهم الذين انشقوا عنهم ليتبنوا مواقف أكثر محافظة في الستينات والسبعينات، وقد ظل هؤلاء المنشقون أكثر ليبرالية في بعض قضايا السياسة الداخلية، ولكن المواقف من السياسة الخارجية ظلت دائما تميز المحافظين الجدد·
ففي حين كان المحافظون يفضلون سياسة الانفراج والاحتواء مع الاتحاد السوفييتي "السابق"، دفع المحافظون الجدد باتجاه المواجهة المباشرة، وهو ما أصبح مبرر وجودهم في السبعينات والثمانينات·
حلم كارثي
واليوم، يحبذ كل من المحافظين والمحافظين الجدد وجود قوة عسكرية أمريكية فاعلة وحيوية، ولكن معظم المحافظين يعبرون عن تحفظات أكبر تجاه التدخل العسكري والقيام بمهام "بناء الأمم"، ولا يشاركهم المحافظون الجدد هذا التمنع، وتظهر الحملات التي أعقبت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتغيير النظام في أفغانستان والعراق أن المحافظين الجدد لا يخشون من فرص تغيير الأنظمة وإعادة صوغ الدول المعادية وفقا لتصور الولايات المتحدة، ويعتقد المحافظون الجدد أنه يجب القيام بكل ما يلزم ومهما كان الثمن، للقضاء على الإرهاب الذي ترعاه الدول، ويعني ذلك، بالنسبة لمعظم المحافظين الجدد، دفع الشرق الأوسط بالقوة، نحو الديمقراطية، ولكن الكثير من المحافظين ولاسيما في الجناح الانعزالي منهم، ينظرون الى ذلك، حتى بعد الحادي عشر من سبتمبر، باعتباره حلما شديد الحماس وستكون له عواقب كارثية·
* كيف أثر المحافظون الجدد في السياسة الخارجية للولايات المتحدة؟
- لقد أثر المحافظون الجدد الذين وجدوا في الرئيس ريغن نصيرا وأبا روحيا، كثيرا في السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الثمانينات·
ولكن في التسعينات، فشلت صرخات المحافظين الجدد في إيجاد صدى عملي لها، لقد نظر التيار السياسي العام لدعوات تغيير النظام في العراق خارج معاهد البحث "الريغانية" (نسبة الى الرئيس ريغن) وخارج حزب الليكود الإسرائيلي، باعتبارها استفزازية ومتطرفة، وباستثناء حالات قليلة جدا، كقرار الرئيس كلينتون شن ضربات على أهداف مشتبه في أنها إرهابية في أفغانستان والسودان عام 98، لم تقابل دعواتهم لعمليات عسكرية استباقية بالتجاهل·
وعلى الرغم من إسكاتهم على يد رئيس دعا الى ضبط النفس والتواضع في السياسة الخارجية، استخدم المحافظون الجدد حقبة التسعينات لصوغ رسالتهم وبلورة برنامجهم الخاص بالقوة الأمريكية·
وقد ساعدهم فكرهم التقدمي وصلاتهم منذ زمن طويل بدوائر الحزب الجمهوري، في تولي مناصب رئيسية في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش·
معقل المحافظين الجدد
لقد أدى هجوم 11 سبتمبر 2001 الإرهابي الى تقريب إدارة بوش أكثر من أي وقت مضى، من تبني سياسة خارجية تنطبق مع رؤى المحافظين الجدد، فبعد أيام فقط على الهجوم، كتب أحد أبرز المسؤولين في "مشروع القرن الأمريكي الجديد" وهو معهد أبحاث يخضع لتيار المحافظين الجدد، رسالة مفتوحة الى الرئيس بوش يدعوه فيه الى تغيير النظام في العراق·
ولم يمض وقت طويل قبل أن يبدأ الرئيس بوش الذي خاض انتخابات عام 2000 على أساس أجندة تعارض عمليات ما يسمى "بناء الأمة" أو التدخل العسكري الكبير في الخارج، بدأ بالدعوة الى تغيير النظام في العراق·
وفي إشارة واضحة على تأثير المحـافظين الجدد على الرئـــيس بــوش أنـــه اختار أن يلقي خطابا مهـــما في مؤســـسـة "أمريكان انتربرايز انستيتوت American Enterprise Institute التي تعتبر معقلا للمحافظين الجدد، والذي أعلن فيه أن تحقيق نصر أمريكي في العراق "يمثل مرحلة جديدة للسلام في الشرق الأوسط"، ويذكر أن هذه المؤسسة تدعو منذ أكثر من عشر سنوات الى "دمقرطة" العالم العربي·
امبراطورية أمريكية
* كيف يبدو حلم المحافظين الجدد؟
- يتخيل المحافظون الجدد عالما تكون فيه الولايات المتحدة القوة العظمى التي لا منافس لها وتكون محصنة أمام الأخطار والتهديدات، ويعتقدون أن على الولايات المتحدة مسؤولية التحرك كـ "قوة دولية مهيمنة"، وبهذه الصفة، تحافظ الولايات المتحدة على وضع الامبراطورية التي تساعد في إحلال حكومات ديمقراطية وتتبنى سياسات اقتصادية ليبرالية محل "الدول الفاشلة" أو الأنظمة القمعية التي يعتقدون أنها تشكل تهديدا للولايات المتحدة ومصالحها الحيوية·
وفي عالم الأحلام الذي يقيمه المحافظون الجدد، سيكون الشرق الأوسط بأكمله ديمقراطيا، اعتقادا منهم أن ذلك سيقضي على البيئة التي تفرخ الإرهابيين، ويزعمون بأن هذا النهج، ليس الأفضل للولايات المتحدة فحسب، بل الأفضل للعالم أجمع، ويرون أن العالم لا يمكنه تحقيق السلام إلا من خلال قيادة أمريكية قوية مدعومة بالقوة العسكرية، وليس من خلال اتفاقات ضعيفة لا يحترمها الطغاة·
ويعتقد المحافظون الجدد أن أي نظام معاد للولايات المتحدة ويمكن أن يشكل خطرا عليها، يجب أن يتم التصدي له بقوة، وليس باسترضائه أو الاكتفاء باحتوائه، كما يرون ضرورة نشر القوة الأمريكية حول العالم بما يسمح لها بمرونة أكبر وسرعة في الحركة الى البؤر الساخنة في الشرق الأوسط ووسط وجنوب شرق آسيا، ويطالبون بأن تنفق الولايات المتحدة المزيد على الدفاع، ولاسيما الأسلحة ذات التقنية العالية والدقيقة التي يمكن استخدامها في توجيه ضربات استباقية، وأن تعمل الولايات المتحدة من خلال المؤسسات متعددة الجنسية كالأمم المتحدة، حين يكون ذلك ممكنا، ولكن يجب ألا يردعها ذلك عن التحرك خدمة لمصالحها عند الضرورة·
" عن كريستيان ساينس مونيتور "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com