* صلة الإسلام بـ "القاعدة" كصلة المسيحية بـ "الألوية الحمراء" و"بادر ماينهوف"
* أسامة بن لادن والظواهري خرجا من عباءة "الإخوان المسلمين"
* الأغلبية في العالم الإسلامي تعتقد أن أمريكا تشكل تهديدا عسكريا لبلادهم
* المشكلة في الإسلام أن المعتدلين والمتطرفين يجد كل منهما ما يؤيده من النصوص
عن "الايكونوميست":
نشرت "الايكونوميست" في عددها الصادر 13-19 سبتمبر 2003 وبمناسبة الذكرى السنوية الثانية على هجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك وواشنطن، دراسة مطولة بعنوان "الإسلام والغرب"·
لقد حاول معد الدراسة بيتر ديفيد العثور على إجابات للكثير من التساؤلات التي في الغرب عموما وفي الولايات المتحدة خصوصا، وعلى مختلف المستويات الرسمية والشعبية والأكاديمية حول ماهية الإسلام وكونه دين سلام أم دين حرب وعلاقته بالمسيحية وبالإرهاب وبالديمقراطية، فضلا عن مفاهيم مثل "الإسلام السياسي" أو "الأصولية" و"الجهاد"·· إلخ·
وتستعرض الدراسة تاريخ نشأة الأصولية أو ما يطلق عليه "التأسلم السياسي" منذ ابن تيمية وأبو الأعلى المودودي مرورا بمحمد بن عبدالوهاب وسيد قطب وصولا الى الدكتور يوسف القرضاوي، وتأثير كل هؤلاء على "التطرف الأصولي" وظهور حركات مثل تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن و"الجماعة الإسلامية" و"الجهاد الإسلامي"·
وقد ارتأت "الطليعة" نشر هذه الدراسة على حلقات لتعريف قرائها بنظرة "الآخر" بنا - كمسلمين - وبديننا الحنيف، هذه النظرة التي اعتراها الكثير من التشويه والمغالطة والشبهات التي تعود الى جرائم ارتكبها البعض باسم الإسلام، كما أنه لا يمكننا الرد أو تصحيح المفاهيم الخطأ - إن كانت كذلك - إلا إذا تعرفنا عليها·
وفي النهاية، غني عن القول إننا في "الطليعة" لا نتفق مع كل ما ذهبت إليه هذه الدراسة، لكننا مع ذلك، نؤمن بأهمية إطلاع القارئ عليها·
تصدر عنوان "الحديث عن الحرب المقبلة" هذه الصفحة في آخر مرة نشرت فيها مجلة "الايكونوميست" دراسة عن الإسلام في أغسطس 1994، ولقد خلصنا الى أن الصراع بين الإسلام والغرب ليس مستحيلا، لكن الكاتب لم يكن مقتنعا بحتميته، والاحتمال الآخر إمكانية تحول الغضب والتحرر من الوهم اللذين اكتسحا العالم الإسلامي خلال التسعينات في اتجاه معتدل أو ليس هذا مماثلا لتحرر العالم المسيحي من الوهم خلال القرن السادس عشر والذي أدى من خلال الإصلاح الى نشأة الديمقراطية الحديثة؟
ويشكل انهيار البرجين التوأمين في نيويورك منذ عامين دليلا دراماتيكيا على صحة التوقعات الأكثر سوداوية التي خيمت خلال التسعينات، وإلا فماذا يعتبر هذا الهجوم إن لم يكن بداية لحرب جديدة بين الحضارات؟
ويستهجن كثير من المسلمين لقب "الإرهاب الإسلامي" المرتبط بعمليات القتل الجماعي التي ارتكبها أسامة بن لادن وتنظيمه "القاعدة" ويقولون إن الإسلام دين سلام ويتعايش مع ما حوله بسلام ولا تزيد صلته بإرهاب بن لادن عن صلة المسيحية بإرهاب جماعات مثل "بادر ماينهوف" في ألمانيا أو "الألوية الحمراء" في إيطاليا خلال السبعينات، ولذلك هم يقولون دعونا نسميه إرهابا ولكن افصلوا بينه وبين الإسلام، وهذا ليس ممكنا تماما·
فعندما يحاول الناس قتلك وبخاصة إذا كانوا بارعين في ذلك، فمن الحكمة أن تصغي للمبررات التي يقدمونها، ولقد أطلق بن لادن "حربه" علانية باسم الإسلام، وفي الواقع، تكبد قبل ثلاث سنوات على هجمات 11 سبتمبر، عناء إصدار "بيان جبهة العالم الإسلامي للجهاد ضد اليهود والصليبيين" المطول الذي جاء فيه "إن قتل الأمريكيين وحلفائهم مدنيين كانوا أم عسكريين، واجب كل مسلم قادر الى أن يتم تحرير المسجد الأقصى في القدس والمسجد الحرام في مكة من قبضتهم وحتى تندحر جيوشهم من أرض الإسلام وهي مشتتة ومهيضة الجناح"·
دوافع شريرة
قد يعترض البعض قائلا إن أي مجموعة من المختلين لها دوافع شريرة قد تقول ما يحلو لها عن دوافعها، ولا يعني ارتكاب "القاعدة" جرائمها باسم الإسلام أن الصراع مع الغرب هو جزء أساسي من العقيدة، فقد يبرر إرهابي ماركسي جرائمه بقيامه بارتكابها من أجل الطبقة العاملة وأن لديه نظرية كاملة تبرر عمله هذا وأن تلك النظرية يعتنقها الكثير من الناس، فهل يعني هذا أن الطبقة العاملة تسعى بطريقة ما لشن حرب على الرأسمالية؟ بالطبع لا، لكن هذا يعني أن تتفحص المجتمعات التي تتعامل مع الإرهاب الماركسي، الأفكار الماركسية وتقيس مدى الإيمان بها·
وبالمنطق ذاته، فلا تكمن مشكلة أولئك الذين يرفضون ربط الإسلام بالإرهاب الإسلامي في كون هذا ادعاء الإرهابيين أنفسهم، بل في وجود نظرية كاملة يؤمن بها أنصار متعصبون، لا بد من التطرق إليها لتبرير هذا العمل، ولا بد من الاعتراف بأن جزءا كبيرا من هذه النظرية حديث العهد - سياسيا ودينيا - يعود الى القرن العشرين، وهي سياسية دينية، ويطلق عليها أحيانا "الأصولية" أو "التأسلم" أو "الإسلام السياسي" (وسنتطرق لتعريف هذه المصطلحات لاحقا)، لكن بعضها مرتبط أو يدعي ارتباطه ببعض الأفكار والممارسات الأصولية في ذات الدين·
الله أو الجاهلية
من الجيد أن نبدأ لمحاولة فهم تلك النظرية بتفحص أفكار سيد قطب، الناقد الأدبي الواسع الاطلاع في الثلاثينات والأربعينات ولاحقا ناشط في حركة الإخوان المسلمين في مصر، قبل إعدامه في عام 1966، قضى قطب عامين في أواخر الأربعينات في أمريكا وبالنسبة له كانت تجربة سيئة حولته ضد ما يسميه معظم من في الغرب باسم الحداثة إذ كانت من منظوره أمرا أسوأ من ذلك بكثير·
وبعد عودته الى مصر ألف قطب سلسلة من الكتب معظمها خلال سجنه، مستنكرا فيها الجاهلية، وهي حالة من العلاقات صنفها بسيطرة الإنسان على الإنسان أو بالخضوع للإنسان بدلا من الله، وقال إن مثل هذه الحالة سادت في الماضي وتسود في الحاضر وتهدد بالاستمرار في المستقبل، إنها ألد أعداء الإسلام ويضيف أنه "في كل مكان وزمان، واجه البشر ذلك الخيار الواضح: إما تطبيق قوانين الله كاملة أو تطبيق قوانين وضعها بشر بطريقة أو بأخرى، هذا هو الخيار، الإسلام أو الجاهلية، والجاهلية المعاصرة السائدة الآن في المجتمعات الصناعية في أوروبا وأمريكا تشبه تماما الجاهلية القديمة في الحياة العربية البدوية الوثنية، ففي كلا النظامين يقع الإنسان تحت سلطان الإنسان بدلا من الله"·
لم يكن قطب أول المثقفين الإسلاميين نظرا الى العالم بهذه الطريقة، فقد تأثر بأبي الأعلى المودودي في الهند، والذي نفر من الحداثة واعتبرها بربرية وكل منهما تأثر بالسابقين من المفكرين أمثال تقي الدين بن تيمية الذي دعا الى الرجوع لأصول العقيدة التي هجرها علماء الدين في ذلك الوقت من القرن الثالث عشر إبان الحملة الشرسة التي شنها المغول، وآخر مثل محمد بن عبدالوهاب الذي أوصى بتطهير الإسلام من البدع المستحدثة والاعتماد التام على القرآن والسنة، إلا أن قصة قطب تعطينا نظرة أعمق في طريقة تفكير الإرهابيين الإسلاميين اليوم·
أحد الأسباب يتمثل في كون قطب على صلة بالوقت المعاصر، "فالإخوان المسلمون" مستمرون في العمل في مصر وغيرها، وأسامة بن لادن ونائبه أيمن الظواهري عضوان سابقان في هذه الحركة، بالإضافة الى أن القوى التي رأى قطب أنها تضعف الإسلام في الخمسينات والستينات مثل الرأسمالية، والروح الفردية، والاختلاط، والانحطاط لا تزال في نظر كثير من المسلمين اليوم تهديدات محتملة "وربما كانت أشد الآن بسبب العولمة"·
لقد فقد قطب الثقة في فكر القومية العربية الذي كان سائدا في العالم العربي خلال عصره ففي رسالة كتبها من السجن قال إن الوطن الذي يتوجب على المسلم أن يتعلق به ليس قطعة من الأرض، بل دار الإسلام بأكملها، وأن أي بقعة تعيق إقامة شرائع الإسلام وتطبيق قوانين الشريعة "تصبح جزءا من دار الحرب الواجب قتالها حتى لو وجد فيها أقاربه وأصدقاءه وقبيلته وماله وتجارته"·
وترتبط أفكار أسامة بن لادن وأتباعه من تنظيم القاعدة مباشرة برسالة قطب التي وجهها من السجن إذ يرى أتباع القاعدة - تماما مثل قطب - أن الإسلام يتعرض الى هجوم مزدوج: ليس فقط هجوما عسكريا من قبل الغرب المعادي "في العراق وفلسطين والشيشان وغيرها" بل هناك هجوم آخر من الداخل، حيث تنشر الأنظمة الفاسقة القيم الغربية مضعفة بذلك ما ينبغي أن يكون مسلما·
نظرة سلبية
ويجب مقاومة مثل هذا الهجوم المزدوج، كما يرى تنظيم القاعدة من خلال الجهاد بما يحمله هذا المصطلح من معنيين في الإسلام: مجاهدة النفس للوصول الى تسليم إيماني أعظم والنضال المسلح ضد أعداء الإسلام الذين يضمون البعيدين "أمريكا وإسرائيل" والقريبين "كالأنظمة الفاسقة أو حتى المرتدة في العالم الإسلامي" ويعتبر أسامة بن لادن النظام السعودي عدوا له تماما كالولايات المتحدة الأمريكية·
فكم تعكس وجهات النظر هذه ما يؤمن به المسلمون؟ هناك شخص مسلم في العالم من بين كل أربعة أشخاص وجزء قليل من هؤلاء الـ 1,5 بليون مسلم سمع بأفكار منظرين مثل قطب، ناهيك عن اعتناقها، ولا يزيد عدد أولئك المتورطين في أعمال العنف التي تمارسها القاعدة وأمثالها من المنظمات الجهادية عن بضعة آلاف من الناس، ولقد شجب علماء الدين المسلمون ومثقفوهم وعامة المسلمين الوحشية التي ارتكبتها منظمة القاعدة باسمهم في 11 سبتمبر 2001 وهؤلاء ليسوا جميعا من المعتدلين، فمنهم مثلا الشيخ محمد حسين فضل الله في بيروت والذي يشار إليه بأنه المرشد الروحي لحزب الله اللبناني المستوحى من حزب الله الإيراني الذي أصدر فتوى يدين فيها الاعتداء، وأصدر الشيخ يوسف القرضاوي إدانة أخرى وهو رجل دين مصري يعيش في قطر وله برنامج تلفزيوني يتابعه الملايين·
وكل هذه أمور مشجعة، لكن المشكلة أن هناك مجموعات صغيرة يمكن أن تقوم بأعمال كبيرة، فهجمات الحادي عشر من سبتمبر نفذها 19 شخصا فقط، لكنهم غيروا التاريخ، وأدى ما قاموا به الى إقدام الولايات المتحدة - خلال عامين فقط - على غزو واحتلال دولتين مسلمتين هما أفغانستان والعراق، وهذا، بالمقابل، أدى الى إلحاق ضرر كبير بصورة الولايات المتحدة وربما بالغرب بأكمله في نظر المسلمين·
فقد اتضح من دراسة لمؤسسة "بو غلوبال اتيتودس بروجكت" أن النظرة السلبية للولايات المتحدة في أوساط المسلمين قد امتدت أبعد من الشرق الأوسط لتصل إلى أندونيسيا "أكثر دول العالم الإسلامي سكانا" ونيجيريا، وتعتقد الأغلبية في كثير من الدول الإسلامية أن الولايات المتحدة تمثل تهديدا عسكريا لبلادهم، وقالت الغالبية العظمى من الفلسطينيين والأندونيسيين ونحو نصف المغاربة والباكستانيين أن لديهم بعض الثقة على الأقل في أن أسامة بن لادن "يفعل الشيء الصحيح في الشؤون الدولية" وقال سبعة من أصل كل عشرة فلسطينيين إنهم يثقون في بن لادن في هذا الشأن·
وبالإضافة الى ذلك ليس من الضروري بالنسبة لكثير من المسلمين أن يكونوا قد سمعوا مباشرة عن شخصيات مثل سيد قطب أو أبو الأعلى المودودي أو محمد بن عبدالوهاب حتى تنتشر رؤيتهم في العالم، فبعض أفكار بن عبدالوهاب - على سبيل المثال - تبنتها الدولة السعودية منذ أجيال، وانتشرت في الآونة الأخيرة في المساجد في مختلف أصقاع العالم بتمويل من البترودولار·
فالوهابية تعتبر مذهبا سنيا متزمتا مناوئا للغرب، وكذلك، فإن المذهب الشيعي يتبنى أفكارا متطرفة مناهضة للغرب كتلك التي يجري الترويج لها في خطب الجمعة في المساجد الإيرانية·
الإسلام السياسي
أين يضع كل ذلك العلاقة بين الإسلام والإرهاب الإسلامي؟ بالنسبة للمسلم العادي، الإسلام هو دين يتولى تنظيم الحياة وفقا لإرادة الله، فهل هو دين سلام أم دين عنف؟ الدين الإسلامي - شأنه شأن بقية الأديان - يمتلك النصوص المقدسة التي يمكن الاستشهاد بها لدعم وجهتي النظر، ويعتمد ذلك على الظروف، فالقرآن والأحاديث النبوية يتضمن كل منها النصوص القوية والمعتدلة، ويحضان المسلمين على أعمال الخير والرفق بالآخر، صحيح أن الإسلام له مفهوم للجهاد والذي يعتقد بعض المسلمين أنه الركن السادس من أركان الإسلام، لكن القرآن يصر أيضا، على عدم الإكراه في الدين·
لقد تصادم الإسلام مع المسيحية لقرون، ولكن إذا كان هناك في جوهر الإسلام ما يحض أتباعه على خوض صراع عنيف مع الغرب، فليس من السهل تحديد هذا الشيء، والبحث عن هذا الشيء قد يكون ضربا من العبث، لاسيما في ظل الخلافات الساخنة على مسائل أساسية في هذا الدين، فليس في الإسلام بابوية أو ما شابهها كسلطة دينية مركزية "على الرغم من أن بعض الشيعة لديهم المرجعية"، وهذا يعني كما يقول البروفيسور جيمس بيسكاتوري من جامعة أكسفورد "إن السلطات الدينية و"العلاّمات" يجدون أنفسهم في منافسة مع جهات شعبية وغير رسمية من وعاظ ورجال دين وحركات صوفية ومجموعات إسلامية أخرى ومثقفين"، ويقول بيسكاتوري "إن كل هؤلاء وغيرهم يدعون فهم النص وتفسيره بروح معاصرة، وبالتالي يثيرون علامات الاستفهام حول احتكار أي فرد أو جماعة لهذا الحق المقدس، حتى في الوقت الذي يقومون هم بمصادرة هذا الحق لأنفسهم"·
والمقالات التالية لا تدور بصورة رئيسية حول الدين، بل عن استغلال الدين في السياسة إنها محاولة لفهم، لماذا يبدو العالم الإسلامي قد دخل في صراع مع العالم غير المسلم؟ الإسلام - كدين - لا يعطي الإجابة عن هذا السؤال، بيد أننا قد نعثر على الإجابة في التاريخ أو علم النفس الاجتماعي، وما من شك في أن الإسلام السياسي يقدم جانبا من الإجابة·
·· يتبع العدد المقبل
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com