· بعد استحداث الضريبة والرسوم على المحال أصبح ذلك مصدرا جيدا للدخل لتصريف شؤون المشيخة
· استغنت المشيخة عمن كان يشكل مصدرا لإيراداتها بعد اكتشاف النفط
· جاء مشروع الدستور بموافقة سريعة من المغفور له الشيخ عبدالله السالم
· اقتصر المصطلح التقليدي للدولة على الأسرة والجماعة الحاكمة
· يتعرض قارئ نشأة الكويت لمعضلة "عقدة الوجود"
أحمد الخليفة
باحث في الشان الكويتي
لعل إهمالنا دروس التاريخ وتقصيرنا في استيعابها هو ما حدا بالباحث أحمد الخليفة ليبدأ من الصفر، وها نحن نعود إليه لنبدأ معه، وما ذلك إلا لما "عرف عادة عن الشباب من تأجيج المشاعر وامتلاك قدرات الاقتحام والمواجهة، خاصة وأنهم يعيشون في زمن الديمقراطية الذي لم يعش فيه أسلافهم"ü·
تمثل هذه الورقة محاولة الخليفة لقراءة وإعادة قراءة واستيعاب قضايا ومسارات عدة في التاريخ الكويتي، قرأها للمرة الأولى في الكلاسيكيات التاريخية الكويتية، فعالج اصطلاح "الدولة" من فهمه الحديث الى الفهم التقليدي، ثم طبقه على تاريخه الكويتي منذ نشأة الدولة حتى فترة الطفرة، متعمدا الوقوف على محطات بعينها يراها سببا لحالة الفوضى الدلالية والمعنوية في المجتمع والتي قدم لها الخليفة في ورقته·
إنها دعوة للقراءة، وللقارئ حرية الفهم والتحصيل والتفاعل مع ما أراد الخليفة في أن يوقفنا عليه دون تجيير للنص، وفي الختام لا نريد وصف هذه الورقة إلا بما وصفها صاحبها من أنها ورقة لمقالة ترجو رصانة البحث، ومقدمة لمشروع أوسع·
المحرر
* استعارة من الدكتور خليفة الوقيان، في مقابلته التي أجرتها معه "القبس" 30 سبتمبر 2003 العدد 10885·
إن ما سأقوم به عبارة عن عملية قراءة، وإعادة قراءة، وإعادة استيعاب لعدة قضايا ومسارات في التاريخ الكويتي·
شتان ما بين المشروع الاستقرائي الاكتشافي الحفري الإنصافي المستنطق للمغفل عنه والمزيل لأنواع التلبيس والتحجيب، الذي يعمل من أجله العقل المنبثق من واقعه، وبين الخطابات المؤدلجة لما قد تقوم به من عمليات ابتسار وانتقاء، عند قيامها بقراءة التاريخ، انطلاقاً من أيديولوجياتها، وهي رغم ذلك تهدف الى الإصلاح حسب معتنقاتها· لكن ما أملاه معتنقو تلك الإيديولوجيات من أصولية و قومية واشتراكية و ليبرالية وغيرها من البنى التي وجدت لفترة طويلة أو قصيرة على تضاريس الكويت، أدت إلى أن أصبح التقدميون والرجعيون و التحرريون والمحافظون و الحضريون والقبليون و المعتدلون والمتزمتون و الأغنياء والمتوسطون و المحرومون يعانون جميعاً من الفوضى الدلالية أو المعنوية المنتشرة ·
لست أزعم أن هذه الورقة ستقدم ما يليق بكل الصفات اللاحقة باصطلاح المشروع الذي أزعم ·· ولكنها أحق بأن توصف بأنها مقدمة باستثارات قلقة لذلك العقل المنبثق من واقعه، لقد طرح ذلك العقل أسئلة قلقة كشأنه، و رغب عن أن يركن لحصن الإجابات السقيمة المتعالية· وأحسب أن تلك الصفات كامنة في تكوين هذه المقدمة، وسبيلها للظهور هو حاجة هذه المقدمة بعد ولادتها لعمل " ورشة تعيد النظر في الأسس والمنطلقات والمسارات في حياة ثقافتنا - بالمعنى الواسع للثقافة- " دون قفز على الواقع، وستصبح هذه الورشة أكثر من ضرورية في أزمان الأزمات والاحتقانات، ويجدر أن تكون هذه المقدمة محل نظر المهتمين بهذا الشأن·
إن هذه الورقة لا تهدف إلى التشخيص - كما ألمحت - ، وهي علاوة على ذلك ليست ورقة لبحث أكاديمي كما قد يوهم لفظ ورقة، وإنما هي ورقة لمقالة ترجو رصانة البحث، ومن سيقرؤها من أي زاوية أيديولوجية كانت أو مثالية فأجزم أنه سيصاب بخيبة أمل·
كما أن ما سيلي من هذه الورقة ليس دعوة لأن نكون "ملكيين أكثر من الملك" لأن الداعي للطرح بهذا الشكل هو ضرورة قراءة واقعنا و إعادة قراءته كما يفهمه أسلافنا، و بعد ذلك - ومن خلال الورشة المقترحة - نضع أدوات علاجه من واقع القراءتين دون قفز أو إقحام·
إن وظيفتي - عسيرة و شاقة و مريرة، لكنها لها مذاق تاريخي لا يعرف حلاوته إلا فئة قليلة من الناسü·
تأصيل مصطلح الدولة
يتلقى طالب العلوم السياسية في الجامعات العربية مصطلح " الدولة " كما كان يتلقى أسلافه قواعد الفقه المبسطة في الأراجيز كي يسهل حفظها دون فهم و سبر لمحتواها ؛ فاستظهر الدولة بأنها الوحدة الأساسية أو الكيان السياسي· وأن الدولة تعتمد على عدة عناصر (1): مجموعة من الأفراد يعيشون فوق إقليم جغرافي معين وتسيطر عليهم مؤسسة سياسية معينة تسمى "حكومة" أي أنها باختصار شعب وأرض وسلطة حاكمة، أي أن الدولة لها أبعاد اجتماعية وجغرافية وسياسية· أما نتيجة هذا الاستظهار فيكون استيفاء الطالب لتعريف "جامع مانع" عن الدولة· وعندما يراد به الإلمام بمصطلح "الدولة" عند المدارس الغربية ولو بمفهومها الكلاسيكي عن الدولة، لأحاط بأن الدولة بناء يتمتع بحق صياغة القوانين (2) والقواعد التي يلتزم بها السكان القاطنون ضمن حدودها، والدولة بذلك لها صفات جغرافية وسياسية· وهي مؤسسة سياسية·
لقد اتخذ هذا الاصطلاح للدولة معنى تجريدياً، باعتبار أن الدولة " كيان سياسي (3) وإطار تنظيمي (مؤسسي) واسع لوحدة المجتمع والمنظم لحياته الجماعية، وموضع السيادة فيه " مع الأخذ بعين الاعتبار التعيين الجغرافي والتعيين السلطوي المسيطر في فهم العقل العربي الحديث، وشأن هذا الفهم التجريدي الصارم أن يصرف العقل العربي ويقطعه عن موروثة الحيوي الموافق لمزاجه وطبيعته، بمعنى آخر صرفه وقطعه عن فهم العقل العربي التقليدي للدولة بما يجعله قابلاً للتعايش معها، وهذا الصرف و القطع يعتبر سبباً من الأسباب التي أدت إلى حالة الفوضى الدلالية أو المعنوية التي عللت بها الحاجة لمثل هذه الورقة·
إن المعجم العربي (4) - حتى وقت قريب - يشكل أصدق وثيقة للكيفية التي يفهم من خلالها العقل العربي التقليدي معنى الدولة اصطلاحاً، ففي باب الدال، مادة (دول) قالت العرب: (تداول) القوم الشئ تداولاً و هو حصوله في يد هذا تارة وفي يد هذا أخرى، ودالت الأيام تدول مثل دارت وتدور وزناً ومعنى، أريد أن يخرج معي القارئ بحصيلة من هذا القول مفادها: أننا نلحظ مرونة في الفهم العربي التقليدي لمصطلح الدولة، أي عرضة الدولة للتغير و الانقلاب لتحل محلها دولة أخرى، تكفي الإشارة إلى اصطلاحات "الدولة الأموية" و"الدولة العباسية" و"دولة الأشراف" و"الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة" و"دولة آل حميد" - و قد قصدت حصر هذه الأمثلة للشهرة و معاصرة " دولة الكويت" لثلاث دول منها- بينما الأمثلة التاريخية كثيرة و متشعبة بتشعب التاريخ العربي والإسلامي ·
إذاً فقد اقتصر المصطلح السياسي العربي التقليدي - إلى وقت قريب في العصر الحديث - على معنى الدولة في " الحكومة " أو " النظام القائم الحاكم " أو "الأسرة و الجماعة الحاكمة " - أي معنى السلطة السياسية القائمة في زمان ما بمعزل عن عموم الكيان الجغرافي والبشري الذي تحكمه - (5)، مهما اتسعت أو تقلصت الكيانات و الحدود الجغرافية الإقليمية لهذه الدول (6)، وعلى هذا الاصطلاح السياسي العربي التقليدي سنقوم بقراءة تاريخ الكويت انطلاقاً من "النشأة"، علّنا نحل شيئاً من العقد المترسبة عند من شرعوا في التأريخ لدولة الكويت و نعيد شيئاً من الاتزان لحالة الفوضى الدلالية أو المعنوية التي تعاني منها أصناف المجتمع الكويتيü·
عقدة الوجود
يتعرض القارئ لتاريخ نشأة الكويت إلى ما سأسميه "عقدة الوجود" عند جل الباحثين و المؤرخين الذين تناولوا هذا الموضوع ، و قد بدأت وتيرة العقدة تتصدر الأبحاث التاريخية التي تناقش نشأة الكويت بالتصاعد منذ التهديد الذي أعلن عنه الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم بضم الكويتüü، يبقى أن القانون الدولي و القرار السياسي بتعقيداتهما هما المحتكم و الحل لمثل هذه النزاعات ، لذلك ليس هذا شأن المعالجة للموضوع في هذه الورقة·
نشأة الكويت
وقع اختلاف في الآراء التي تقرر نشأة الكويت : فمنها من يرى أن وجود الكويت كان قائماً قبل حكم العتوب ، الذين ينتمي إليهم آل صباح (7) بفترة تزيد على القرن، و رأي يرى أن وجود الكويت مقترن بالسنة التي نزلها آل صباح و آل خليفه و من معهم من الأسر و الجماعات و بدؤوا في تشييد البيوت الحجرية على أرضها (8) ومن يرى أن نشأتها جاءت على مراحل، ذلك أن من المحقق أن إنشاء المدن و تمصيرها أمر لاينقضي في وقت قصير، ويدعم هذا الرأي إنشاء مدينة الكويت (9) بأنه كان في بادئ الأمر تقام أكواخ صغيرة ثم بنيت البيوت ثم تدرجت بالعمران شيئاً فشيئاً حتى اتخذت فيها الأسواق فأصبحت مدينة و أن اختلاف و تضارب الآراء بتاريخ التأسيس يعود إلى أن هناك من اعتبر إقامة الأكواخ منشأ التأسيس و منهم من اعتبر تاريخ الدور الصغيرة هو المنشأ و منهم من جعل تشييد الدور الكبيرة و اتخاذ الأسواق أساساً للتاريخ و على هذا وقع الاختلاف بين الروايات و اشتبه عليهم الأمر و الكل منهم جاد في ما قال (10)·
نقف من هذه الآراء على أن أولاها ينفي لزوم اقتران الوجود مع الحكم ، و الثاني ربط الوجود بالهجرة ، أما الرأي الثالث فاعتمد العمران كمحدد لقيام و نشأة الدول ، و نلفت هنا إلى أن أصحاب الرأي الأول يعتمدون البحث و التنقيب في الوثائق بالإضافة إلى الرجوع للخرائط القديمة و أدب الرحلات لاستجلاء عتاقة و قدم اسم الكويت والكوت والقرين ، و هم في ذلك كلما أوغلوا في التنقيب خرجوا بتاريخ يضرب في جذوره عمق التاريخü، و مثل هذه المباحث تسيئ في الحقيقة (دون قصد) عندما تعتقد أن نشأة الكويت لا تقترن مع حكم آل صباح ، وهذا القول تتفق فيه الفرق الثلاث·
و المؤسف أن أصحاب الرأي الأول اقتربوا من مصطلح الفهم الصحيح إلا أنهم غفلوا و اعتقدوا أن اصطلاحي مدينة و مشيخة (11) يؤديان إلى معنى واحد، وهذا مأخذي عليهم ، و أحسب أن سببه عدم الدقة في التعامل مع المصطلحات، إن مطلب الشخصية الجغرافية للكويت هو ما ضلل مباحث الرأي الأول و الرأي الثالث، لأن الشخصية الجغرافية و نشأتها شيء، و نشأة الدولة شيء آخر، أما تناولهما كمبحث واحد من شأنه أن يوقع اللبس·
ü ü ü
مما تقدم في مبحث مصطلح الدولة ، و كشفي عن اللبس الحاصل بين مطلب الشخصية الجغرافية و مطلب نشأة الدولة ، المدينة و المشيخةüü، يكون أصدق اصطلاح يطلق على دولة الكويت (قبل الاستقلال) هو دولة آل صباح ، كما استوعبت العرب الدولة · لكي نمضي في قراءة تاريخ الكويت دون قلق في الاصطلاحات ·
المشيخة
كشخصية جغرافية، كانت مدينة الكويت مدينة شبه مهملة (12) فالمواصلات بينها و بين البلاد المتمدنة بسيطة إن لم تكن معدومة (13)، و ما إن أصبحت مشيخة باختيار صباح الأول حاكماً لها - كونه ورث مشيخة قومه من والده ؛ هذه المشيخة التي انتقلت معهم مذ كانوا في نجد (14) - ، أقول ما إن أصبحت مشيخة حتى طرأ عليها تغيراً نوعياً على خارطة المنطقة ، بل إنها استحقت الذكر حين زارها وزير العراق مدحت باشا في عهد الشيخ عبدالله الثاني - الحاكم الخامس - (15)، و قد توجهت إليها الأنظار بعد أن استتب فيها الأمن و اشتهر اسمها بين الأقطار و انتعشت فيها التجارة و أصبحت مرتعاً خصباً و سوقاً كبيرة و كان ذلك إبان تولي الشيخ مبارك أمور المشيخة (16)، الحال التي جعلتها قبلة هجرات اختلفت أسبابها من الأقطار المجاورة كالأحساء و نجد و العراق و فارس ، و هذه الهجرات جلها كان بعد قيام المشيخة ، و بها توسعت المشيخة ، إلا أننا ننبه هنا الى أن هذه الهجرات، كما بيّنا، لاحقة لقيام المشيخة و هذا عامل جدير بالاهتمام يجب أن لا يتغاضى عنه الباحث عند النظر في تاريخ مشيخة الصباح ، لأن المشيخة كانت قائمة بأسباب الدولة أساساً قبل وصول هذه الهجرات ، وهذا العامل عند القيام بدراسة مقارنة مع مشيخات الخليج الأخرى يعد استثناء عند التقريب ، لأن أقرب المشيخات قامت في مدن مأهولة آخذة بمقومات الدولة - بالمفهوم التقليدي و الحديث على السواء - علاوة على ذلك فإن تلك المشيخات قامت تحت مفاهيم الغزو و الفتح و الدعوة شأن الموروث السياسي ، بينما مشيخة آل صباح كانت مؤسسة لأسباب و مقومات الدولة - أيضاَ بالمفهومين التقليدي و الحديث - ، و هذا ما أدى إلى علاقة متميزة بين الحاكم و المحكوم في المشيخة و الدولة الحديثة قل أن تجدها في المشيخات الأخرى ·
كتابات الرحالة
عندما يتناول القارئ كتاباً حول تاريخ الكويت خط في الحقبة المواكبة للاستقلال فإنه يجد العملية البائسة من إقحام مفاهيم مفارقة ثقافياً و سياسياً في واقع الثقافة و السياسة المتبعة في حياة المشيخة و المختلفة بطبيعة الفهم عن تلك السائدة ، و للأسف فإن مثل هذه المحاولات آخذة بالتوسع منذ تلك الفترة لتأجج حالة من الفوضى التي أشرت إليها في مقدمة الورقة ، ومصدر ذلك كتابات الأجانب الذين حلوا على المشيخة في فترات سابقة ، مع الاستدراك بأن مؤلفي كتب التاريخ في تلك المرحلة كانوا حريصين على التحقيق و التوثق من صحة المعلومات الواردة في كتابات هؤلاء الأجانب ·
فالأجانب باختلاف بلدانهم عندما يزورون الكويت أو يقيمون فيها لأسباب العمل مثلاً ، يدونون انطباعاتهم عن الحياة في المشيخة و طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم و فق ثقافاتهم أو أمنياتهم بأن تتحقق مثل هذه العلاقة في بلدانهم ، كأن يعتبر زائر عربي طبيعة نمط الحكم قائماً على الشورى ، أو يوصفه آخر بأنه ديمقراطي، و في الحالتين فإن الوصف ليس إلا أمنية أو تقريب ويبقى منافيا للحقيقة، فنمط الحكم تولد من الواقع بخصوصيته دون قصد جعله شورياً أو ديمقراطياً كما يزعم هؤلاء، وليس الأمر واقفاً على هؤلاء الزوار الموصفين بإخلاص وفق ثقافتهم و أمنياتهم ، بل إن "الكويت ابتليت في تلك الحقبة بزمرة من الدجالين و المرتزقة من محترفي الصحافة شوهت سمعة الكويت ، و زيفت تاريخ الكويت و أضافت إليها أشياء ليست من الحقيقة في شيء، و ما هي إلا تزلف و دجل و نفاق مبتذل تمجه الأذواق السليمة" (17)·
مثال ذلك ما ذكره الزعيم (أحمد مدحت باشا) في مذكراته عن المشيخة من أن الكويتيين كانوا في شبه جمهورية، و يعلق عليه المؤرخ بأن هذا صحيح و زيادة (18)، إن مثل هذا الانطباع هو الغرر الذي يوقع أبناء ما بعد الاستقلال في أزمة القراءة للتاريخ ، و الدارس للعلوم السياسية لا يستسيغ مثل هذه التشبيهات بسبب مجافاتها حقيقة المصطلح، فما بالك في ما يفترض بالباحث المتخصص·
توصيف حياة المشيخة
لكي نضع تصوراً للمشيخة قريب عهد بحقبة الاستقلال وقيام الدولة الحديثة ، يجب أن نتذكر طبيعة الحياة في تلك الفترة ، لما لها من فائدة تخدم غرض الورقة ، فقد كان قسم من تابعي المشيخة في نهاية القرن التاسع عشر يتبع أسلوباً بدوياً في معيشته ، و يتنقل بحثاً عن الكلأ و المراعي للمواشي ، كما عمل قسم آخر منهم صيادين و غواصين و بحارة و حرفيين و عمالاً ، وقلة قليلة منهم أصبحت تجاراً أثرياء ، بينما مارس عدد ضئيل منهم دور رجال دين و معلمين (19)، كما كان هناك القرويون التابعون للمشيخة ·
وحال كهذه تجعلنا نقرر من واقع دراسات العلوم الاجتماعية، أن البدو و الصيادين و الغواصين والبحارة و الحرفيين والعمال و القرويين منصرفون عن التدخل في شؤون حكم المشيخة، إما لطبيعة الترحال حال البدو أو البعد عن المركز حال القرويين أو السفر حال البحارة و الغواصين، والكل في المحصلة منشغل بتحصيل عيشه، وعلاقته مع المشيخة محدودة كالاحتكام إليها في حل المنازعات و تأدية الرسوم إلى آخر متطلبات المعيشة في تلك الفترة ، و المقابل كان توفير الأمان لتابعي المشيخة ·
إلا أنه كان من تابعي المشيخة من يساعد الحاكم مادياً لتصريف شؤون المشيخة من باب المساهمة ، ذلك أن القلة القليلة من التجار الأثرياء تفوق ثروتهم ثروة الحاكم كثيراً ، و ممن يساهم أيضا من أصحاب المهن ربابنة السفن - و هي مهنة تقع في الدرجات الدنيا من السلم الطبقي إلا أن لها في الكويت وضعا مقبولا، و هذا لأن جل تابعي المشيخة كانوا أصحاب مهنة فصار للربابنة أو النواخذة ذلك الوضع كونهم القائمين على المهنة التي تشكل مصدر الرزق الرئيسي لكثير من تابعي المشيخة - وكان هؤلاء الربابنة متفاوتين في مساهماتهم كل على قدر استطاعته· حتى استحدثت الضريبة الجمركية (20)·
و بعد استحداث الضريبة و الرسوم على المحال ، اعتبر ذلك مصدر دخل جيد لتصريف شؤون المشيخة ، و استمر اقتصاد المشيخة معتمداً على بناء القوارب و السفن و صيد اللؤلؤ، حتى عدت المشيخة أفضل ميناء لبناء السفن ، بالإضافة إلى أنه و في تلك الفترة ازداد ثراء بعض التجار عن طريق تهريب الذهب إلى شبه القارة الهندية ، أما البضائع فكانت تنقل مهربة إلى البلدان المجاورة (21)، وغير المساهمات المقدمة للمشيخة ، كانت هناك ديون يقدمها هؤلاء التجار للمشيخة (22)·
هذا الوضع من شأنه أن يحد من نطاق سلطة الحاكم ، و يوجد إلى جانبه من تفوق سلطتهم سلطته (23)، مما أوجد رواسب في العلاقة ساهمت في حالة الفوضى التي ألمحت إليها·
رغم ذلك فإنني لا أرى من خلال قراءتي لتاريخ العلاقة بين الحاكم و المحكوم في المشيخة ، أن الوضع اتخذ هذه السمة باطراد ، لأن شخصية الحاكم من حيث القوة و الاحتواء تختلف بطبيعة الحال ، و هي عند التتبع وصلت في فترة من فتراتها إلى مرحلة فرضت نفسها على المشيخة و ما حولها و اتبعت حكمة " شعرة معاوية " في التعاملü، لذلك ليس لزاماً أن يقطع الحاكم أمراً مهماً من أمور المشيخة دون استشارة الأعيان وأخذ رأيهم ·
الطفرة المادية
عندما أدار الشيخ أحمد الجابر العجلة الفضية المثبته فوق أنبوب من النفط ليدشن تدفق النفط الخام من حقول نفط المشيخة إلى الأسواق العالمية، حصل نفي في علاقة الحاكم بالمشيخة مع احتفاظ هذه المرحلة الجديدة بشيء من صفات المرحلة السابقة، فقد دخل الثراء للمشيخة مما جعلها مستغنية عمن كان يشكل مصدراً لإيراداتها، و عم التحسن أصحاب المهن ، ومنهم البحارة الذين استطاعوا تصفية ديونهم ، و لم يعودوا مضطرين للعمل لصالح النواخذة الذين كانوا يثقلون كاهل البحارة بالديون، وبسرعة مذهلة ارتفع ثمن العقارات، وظهرت قضية البراميل، حتى شمل النفع أتباع المشيخة من البدو، واستمالت المشيخة تجار الأمس من خلال عقود تطوير المشيخة، و فرصة شراء الأراضي ثم إعادة بيعها بربح مرتفع جداً (24)، و هذا الوضع من شأنه أن يجعل تكلفة التطوير باهظة الثمن لاستخدام عائدات النفط في مجال الأراضي والحصول على الممتلكات وفي مجال البناء، فتراكمت ثروات طائلة، وسعى الوافدون للكسب السريع في مجال البناء من خلال إقامة أبنية دون الوسط لينهار بعض منها، و هذا لا يدعو للاستغراب إذا ما علمنا أنه حتى قائد فرقة للرقص الشعبي سابقاً قد أضحى مهندساً معمارياً (25)·
أمام هذه الطفرة المادية، يجب أن ندرك أن العقلية التقليدية للدولة - المشيخة - ظلت باقية في التعامل مع هذه الثروة غير المعهودة ، و هذه النقطة يجب أن لا تغيب عن بال المنبهر بمظاهر العمران الحديث ، فالمضمون هو ما أحاكيه في هذه الورقة ، كما أنني لا أذهب مع القائلين بلزوم إيجاد طفرة في الإدارة لهذه الثروة كما جاءت هي بطفرتها، فمثل هذا المذهب زرع في بواكيره شقاقاً قريب عهد بحالة الفوضى الملمح إليها ·
أورد روايتين حدثتا قبل قرن تقريباً من الطفرة كأفضل خاتمة لهذه الطفرة المادية، و أدع القارئ يتفاعل معها لدلالتها ، و قد حدثت في عهد الشيخ جابر الأول بن عبد الله الصباح:
وضع صباح بن جابر "ضريبة على الدكاكين بإغراء من أصحابه و من دون علم أبيه · و لم يستطع رجل فقير أن يدفع شيئاً عن حانوته · فلم يقبل صباح عذره فاضطر الرجل إلى إنهاء الأمر لدى أبيه ، وفي مجلسه العام - أي الشيخ جابر - شرح له شكايته و ما هو فيه من ضائقة و طلب منه إعفاءه من هذه الضريبة · عندئذ دهش جابر مما سمع والتفت إلى جلسائه يستفهم منهم عن الحادث فأخبروه بأن ابنه صباح وضع هذه الضريبة ، فأرسل إلى ابنه صباح و أغلظ عليه في القول لعمله المشين وقال له : إن لأهل الكويت علينا حقوقاً عظيمة ولو كان تحت يدي ثروة طائلة لقمت بحاجات الفقراء و المحتاجين منهم إلى أن يموتوا "(26)·
أما عندما فرض الشيخ صباح بن جابر أثناء حكمه رسوماً جمركية على البضائع الخارجة من المشيخة ، قال له التجار :"لا نقبل أن تجعل على أموالنا ما لم يجعله أبوك و لاجدك من قبلك " فتلطف في إقناعهم و لكنهم لم يقتنعوا و قالوا له :"كلنا تحت أمرك و طوع إشارتك و أموالنا و قف على ما ينتابك من التكاليف و ما تحتاج إليه "(27)·
ولادة الدستور
يعد الدستور هو القانون الأساسي في دولة الكويت الحديثة ، يحدد أسس نظام المجتمع و الدولة بمؤسساتها و تنظيم هيئاتها و تشكيلها و نشاطها ، و حقوق المواطنين و واجباتهم ، و يمثل الدستور تطوراً مهماً في علاقة الدولة بالمواطن ؛ إذ يحقق الدستور عملية إخضاع الدولة للقانون ، باعتباره القانون الأساسي للدولة (28)·
إن المحنة العصيبة في مقام قراءة ملحمة حكم الدستور هو بحث السبل التي تضمن المحافظة على هذا المكسب ، و للقارئ أن يبحث في ظروف ولادته ، و المواقف التي حاولت الإجهاض لهذه الولادة ، و من يتعامل معه بعقلية أورثوذكسية ، و من يسعى لتعطيله ، و من يدعو للتعامل بروحه دون الأخذ بالحرفية كون الشعب هو من وضعه ، و من يريد أن يجري عليه تعديلات تنافي غرضه لضمان دولة المؤسسات و الديمقراطية ·
يجب أن نعرف أن الدستور يعتبر قفزة في مشروع الدولة الحديثة ، و مشروعه جاء بعد موافقة سريعة للمغفور له عبدالله السالم (29)، قد تكون أربكت بسرعتها معارضي و جوده - أي الدستور - ، فأصبح أمراً واقعاً ·
أقول هذا، وأود لو يسترجع معي القارئ ما تقدم ، لنـقرر بأريحية أن العقل التقليدي لن يهضم مفهوم الدولة الحديثة بمعنى أن نظام الحكم ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعاً (30) بعد أن عاش في المشيخة، والتي تمثل آخر أشكال الدولة بمعنى الأسرة أو الجماعة الحاكمة ، و سيتعامل معها ليس بقصد إفسادها تعمداً ، و إنما لأنه جبل على هذا النوع من الممارسة ، إذاً فالوسيلة للإصلاح ليست المجابهة ، في الحقيقة إنني أخاطب المثقفين بالدرجة الأولى ، لأن هذه الورقة تعد مقدمة للنظر في الأسس و المنطلقات في حياتنا الثقافية ، و تظل هذه الورقة نظرية فكرية لمحاولة الاقتراب من الواقع و فهمه كما هو ، إذاً أعود هنا و أقول ليست المجابهة الفكرية التي تزرع شقاقاً يتصل للأجيال و يكرر حالة الفوضى الدلالية و المعنوية لانعكاساتها السلبية على المجتمع ، و إنما المجابهة السياسية لأن السياسة فن اغتنام المكاسب -التي تضمن المحافظة على الدستور و ضمان تطبيقه بأقل خسائر ، و أنا حين ألمح إلى قفزة الدستور فإنني أعني الفترة التي ولد فيها ، أما و نحن في مشارف القرن الحادي و العشرين فقد أصبح ضرورة ·
ü ü ü
في الحقيقة لقد كان بودي أن أقوم بقراءة أطروحات التيارات السياسية الكويتية التي ظهرت في عهد المشيخة وفق الفهم التقليدي، ومدى ملاءمتها لواقع المشيخة ، و ما إذا كان معتنقوها حاولوا أن يطوعوها لتلائم الواقع، و إن كانوا اعتنقوها و آمنوا بها بعقلية أورثوذكسي، إلا أنني رجعت عن هذا العزم ، لحاجته إلى مبحث خاص حذر بتناوله داخل المشروع ، ثم لحرصي على أن لا تأخذ هذه الورقة أية صبغة أيديولوجية ، و أظن العجلة بتناوله قد توقع بمثل هذا المنزلق ·
ü ü ü
يقول حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد الصباح ، عن أمور الفساد في النظام النيابي :
" و إذا كان النظام النيابي البرلماني و إطلاق الحريات الديمقراطية ، قد أديا إلى مثل هذه الأمور في بلدنا ، فذلك لا يعني فساد هذا النظام في حد ذاته أو عدم صلاحه لعصرنا ، بل يعني فقط أن بعضنا قد أساء فهمه ، وانحرف به عن طريقه السوي ·· وأن ما حدث لعدد من الدول الأخرى التي سبقتنا في الأخذ بهذا النظام ، يجب أن يكون عبرة لنا نقف عندها ونتدبر· فأين هي الآن برلماناتها و مجالسها التشريعية التي كانت إلى عهد قريب تنطق باسم شعوبها؟ لقد مزقتها المجادلات العقيمة وانصراف أعضائها إلى مصالحهم الشخصية، وكانوا مثالاً سيئاً لغيرهم ·· فقضت هذه المجالس على نفسها ، و على الحريات العامة "(31)·
ü استعارة من مدخل عبد الله فهد النفيسي لكتاب، الكويت: الرأي الآخر ، لندن 1978·
1 - عبدالرضا علي أسيري، النظام السياسي في الكويت مبادئ ·· وممارسات، مطابع الوطن بالكويت، الطبعة الخامسة، سبتمبر2000·
2 - كي لوسن، المجتمع السياسي - مقدمة مقارنة في العلوم السياسية، الطبعة الأولى، الكويت 1998·
3 - الموسوعة السياسية، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، إشراف د· عبدالوهاب الكيالي، ط1،1981، بيروت، ج2·
4 - أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقري، المصباح النير، مكتبة لبنان ،1987 ·
5 - د· محمد جابر الأنصاري، التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام مكونات الحالة المزمنة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 1995·
6 - المرجع السابق·
ü لمن أراد أن يستزيد حول إشكالية الدولة عند العرب فليرجع إلى كتاب الدكتور الأنصاري المشار إليه في المصادر، القسم الأول·
üü عقدة الوجود: اصطلاح مستوحى من كتاب "أسوار الطين - في عقدة الكويت وأيديولوجيا الضم، حسن العلوي "، و هو الكتاب الذي - كما أتى في تعريف الناشر - يبحث في جذور فكرة الضم المعمرة في السياسية العراقية، التي استقاها الملك غازي من السوديت الألماني، وتبناها عبدالكريم قاسم، ونفذها صدام حسين في الثاني من أب (أغسطس) 1990 بطريقته الخاصه·
حسن العلوي، أسوار الطين في عقدة الكويت وأيديولوجيا الضم، دار الكنوز الأدبية، 1995·
7 - الدكتور أحمد مصطفى أبوحاكمة ، تاريخ الكويت الحديث 1163-1385 هـ 1750-1965م، منشورات ذات السلاسل، الطبعة الأولى 1984·
8 - سيف مرزوق الشملان، من تاريخ الكويت ، ذات السلاسل، الطبعة الثانية، 1406هـ-1986م·
9 - حسين خلف الشيخ خزعل، تأريخ الكويت السياسي، توزيع دار ومكتبة الهلال، الجزء الأول، 1962·
10 - المرجع السابق·
ü عندما أناقش قضية البحث الأكاديمي لتاريخ الكويت، وفق ما تقدم من تناولي مقولة الدكتور أبوحاكمة، فإنني لا أنفي أهمية مثل هذه المباحث وجديتها والفائدة المحصلة منها، و لكني أريد أن يضع الأكاديميون باعتبارهم الفهم المفروض وفق المعنى الاصطلاحي لدولة الكويت، و عليه يقع عليهم عاتق الحذر في الاصطلاح، حتى لا تخرج أبحاثهم عن مقاصدها المفروضة والهدف المرجو منها·
11 - أبوحاكمة، مرجع سابق·
üü مشيخة: لفظة مولدة من منصب الشيخ، و المراد به الأمير، و هذا الاصطلاح يوافق مذهبنا في نسبة الدولة للأسرة الحاكمة وفق الفهم الصحيح، إلا نه قد أطلق على إمارات الخليج الفارسي(العربي) في الأدبيات القومية ، كلفظ يقابل صفات الرجعية لقيام هذه المشيخات باعتماد نظام حكم العشيرة في إدارة الدولة·
12 - حسين خلف الشيخ خزعل، تاريخ الكويت السياسي، توزيع دار ومكتبة الهلال، 1962، الجزء الأول ·
13 - المرجع السابق·
14- سيف مرزوق الشملان، من تاريخ الكويت، ذات السلاسل، الطبعة الثانية، 1986·
15 - حسين الشيخ خزعل، مرجع سابق·
16 - المرجع السابق·
17 - سيف الشملان، مرجع سابق، من مقدمة الأديب الشاعر الأستاذ عبد الله زكريا الأنصاري·
18- سيف مرزوق الشملان، مرجع سابق·
19 - مريم جويس، الكويت 1945-1996 رؤية انجليزية - أمريكية، ترجمة مفيد عبدوني، دار أمواج للنشر و التوزيع، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى (2001)·
20 - سيف مرزوق الشملان، مرجع سابق·
21 - مريم جويس، مرجع سابق·
22 - المرجع السابق·
23 - سيف مرزوق الشملان ، مرجع سابق·
ü راجع فترة حكم الشيخ مبارك الصباح وما سبقها لتصل إلى هذه النتيجة·
24 - مريم جويس، مرجع سابق·
25 - المرجع السابق·
26 - سيف مرزوق الشملان، مرجع سابق·
27 - عبدالعزيز أحمد البداح الرشيد، تاريخ الكويت·
28 - أحمد علي ديين، ولادة دستور الكويت - كيف تمت صياغة دستور دولة الكويت و مناقشته في المجلس التأسيسي ولجنة الدستور في العام 1962، دار قرطاس للنشر، 1996·
29 - المرجع السابق·
30 - من المادة السادسة في الدستور الكويتي·
31 - قدري قلعجي، نحو مجتمع عربي متكامل - دراسة حول البيان السياسي الذي ألقاه الشيخ جابر الأحمد الصباح أمام مجلس الأمة الكويتي في 24 حزيران 1970، دار الكتاب العربي بيروت·