رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 15 شعبان 1424هـ - 11 اكتوبر 2003
العدد 1598

الشركات العالمية الكبرى تسعى لتحقيق الربح والفقراء يدفعون الثمن
العولمة تزيد فقراء العالم الثالث فقرا

·         الغرب يضع حق الملكية الفردية قبل حق الحياة لمواطني الدول الفقيرة

·         المواطن الإفريقي بحاجة ليعمل 20 عاما حتى يتمكن من شراء دواء "الإيدز"

·         أمريكا تحاول من خلال "منظمة التجارة" تحقيق ما عجزت عنه عن طريق "صندوق النقد"

·         اختلال العلاقة بين الشمال والجنوب·· مؤشر على فشل الديمقراطية عالميا ومحليا

 

بقلم جوزيف ستيغلتنر* 

تصور نفسك مزارعا إفريقيا فقيرا تعيش على زراعة هكتار أو هكتارين من الأرض، وفي حين أنك لم تسمع بالعولمة، إلا أنك تتأثر بها:

افترض أنك تبيع القطن على سبيل المثال، والذي سيصنع منه عامل من موريشيوس قميصا يضع تصميمه مصمم إيطالي كي يلبسه ميسور باريسي، أنت أسعد حظا من جدك، فقد اعتمدت على الزراعة الأساسية ولكنك أيضا ضحية للعولمة وللنظام الاقتصادي الكوني الظالم الذي صممه لك الآخرون والذي يصبح أكثر ظلما يوما بعد يوم·

فسعر القطن الذي تبيعه منخفض لأن أمريكا تنفق 4 مليارات دولار سنويا كمساعدات لمزارعي القطن الأمريكيين الذين لا يزيد عددهم عن 25 ألف مزارع، لتشجيعهم على إنتاج المزيد من القطن، لدرجة أن حجم المساعدات يفوق قيمة ما ينتجونه من القطن، وكلما ينتج هؤلاء المزارعون قطنا أكثر تنخفض الأسعار العالمية للقطن أكثر·

 

تعرفة غير مشروعة

وربما تفكر في تحسين دخلك من خلال شراء بقرة لبيع حليبها، ولكن أسعار الحليب منخفضة لدرجة تجعل العملية غير مجدية، لأنه سيتعين على حليبك أن ينافس الحليب على شكل مسحوق من أمريكا وأوروبا حيث تحصل البقرة لديهم على مساعدات بمعدل دولارين للبقرة الواحدة يوميا، وهو مبلغ يفوق ما يمكن أن تجنيه أنت أو أي من جيرانك·

وقد تتساءل: كيف ستكون حياتك لو أنك حظيت بمعاملة مماثلة لتلك التي يعامل بها الأوروبيون أبقارهم؟

لقد كانت شقيقتك تساعد الأسرة من خلال عملها في أحد المصانع بالمدينة، ولكن قبل نحو 10 سنوات، أجبرت الحكومة على رفع التعرفة الجمركية البسيطة "المفروضة على السلع المنافسة من الخارج" فاضطر المصنع الى إغلاق أبوابه، فقد توصلت المفاوضات التجارية في ما عرف بـ "جولة أوروغواي" على أن التعرفات الجمركية والمساعدات المقدمة للسلع التي تنافس سلعا مماثلة في أوروبا وأمريكا أصبحت غير شرعية·

وقد أصيب ابن أختك بمرض "الإيدز" وأنت تعلم أن هناك أدوية يمكن أن تشفيه وأن حكومتك ترغب في توفير هذه الأدوية بأسعار معقولة، لكن شركات تصنيع الأدوية الأمريكية تصر على أن عليك أن تدفع السعر الأمريكي لهذا الدواء والذي يصل الى 10 آلاف دولار سنويا، وهو أمر غير معقول، فهذا المبلغ يساوي ما يمكن أن تجنيه خلال عشرين عاما! وأنت تعترف بأنك لا تفهم الاقتصادات الحديثة، ولكن يستعصي عليك فهم لماذا ينبغي أن يكون سعر هذه الحبوب الصغيرة من الدواء مرتفعا الى هذا الحد، لا سيما وأنك تعلم أن شركة في جنوب إفريقيا ترغب في بيع هذه الأدوية بسعر رمزي، ولكن الأمريكيين يعترضون وأن شيئا يدعى "حقوق الملكية الفكرية" يمنحهم الحق في منع الآخرين من إنتاج هذه الأدوية، على حساب حق ابن اختك في الحياة، أنت تتفهم رغبتهم في تحقيق الربح، ولكن أليست هناك حدود؟

 

جولة التطوير

لقد بدأ الرؤساء الأمريكيون يزورون القارة الإفريقية أكثر مما اعتاد أسلافهم في الماضي، وكلهم يقولون إنهم يهتمون بالقارة ومشكلاتها، ولكنك لا تفهم لماذا يجعلون حياة أبناء شعبك شديدة الصعوبة·

المزارع الإفريقي ربما لم يتلق علومه الجامعية، ولكنه ربما يعرف ما دار في اجتماعات "كانكون" في المكسيك أخيرا كما هي الحال لدى المواطن العادي في أمريكيا وأوروبا، لأن حياته تعتمد كثيرا على ما تسفر عنه هذه الاجتماعات الاقتصادية·

ففي شهر نوفمبر 2001، عقد ملتقى اقتصادي عالمي في العاصمة القطرية لإجراء جولة جديدة من المفاوضات التجارية، من أجل التأكيد على أن البند الأول على جدول الأعمال هو تصحيح حالة اختلال التوازن التي سادت النشاط التجاري في العالم في السنوات الماضية، وأطلق على جولة المفاوضات تلك اسم "جولة التطوير"·

وفي كانكون أكد وزراء التجارة إحراز تقدم وأنه لم يعد هناك مبرر للقلق، ولكن أثبتت الدول الغنية - مرة أخرى - عدم تورعها من استخدام عضلاتها الاقتصادية للحصول على ما تريد على حساب الفقراء·

وكانت آخر جولة من المفاوضات التجارية مختلة التوازن لدرجة لم تحرم الدول الأكثر فقرا في العالم في إفريقيا جنوب الصحراء، من المكاسب فحسب، بل جعلتها في وضع أسوأ·

ويبدو أن الاستراتيجية التي تتبعها أمريكا - وبدرجة أقل - أوروبا هي الاستراتيجية المعتادة، أي مساومات صعبة ومواقف متطرفة وتنازلات في اللحظة الأخيرة وعمليات لَيْ ذراع وضغوط وتهديدات ضمنية بقطع مساعدات التطوير والمنافع الأخرى، ولقاءات سرية بين عدد قليل من المشاركين تستهدف انتزاع تنازلات من الأطراف الأضعف·

 

كل شيء ما عدا السلاح

ويبدو أن أوروبا علي الأقل، تبدأ على أرضية صلبة تتمثل بمبادرة "كل شيء ما عدا السلاح" والتي فتحت، من جانب واحد ودون المطالبة بأي تنازلات سياسية أو اقتصادية، الأسواق الأوروبية أمام الدول الأكثر فقرا في العالم، وقد عادت فائدة على المستهلكين في الاتحاد الأوروبي وكلف ذلك المنتجين الأوروبيين ثمنا باهظا، لكنها كانت بادرة حسن نية قوية من جانب الأوروبيين، وقد وعدت أمريكا باتخاذ خطوة مماثلة، لكنها لم تفعل شيئا ملموسا في هذا الاتجاه حتى الآن·

الزراعة عنصر مهم للدول النامية، فمعظم الناس في العالم الثالث يعتمدون عليها، ومع ذلك، يبدو أن أوروبا وأمريكا قد اتفقتا في ما بينهما، على إبقاء التقدم الزراعي "في الدول النامية" عند حدوده الدنيا·

ومنذ عام 1994، ضاعفت أمريكا من المساعدات التي تقدمها لمزارعيها، بدلا من تقليصها، أما "التنازل" الذي قدمته الولايات المتحدة فهو العودة الى مستويات المساعدات التي كانت قائمة قبل عشر سنوات، بدلا من معالجة حالة عدم التوازن في هذا الموضوع، وفي مجال الملكية الفكرية، كانت الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي رفضت إعطاء الدول الفقيرة الحق في الحصول على الأدوية التي لا تستطيع تصنيعها بنفسها، أما "التنازل" العظيم الذي يجري الحديث عنه فهو الموافقة على أمور سبق أن وافق عليها الجميع، مع عدم القيام بأي إجراء تجاه المشكلات الأكثر جوهرية كحقوق الامتياز التي تجبر فيها شركات الأدوية والمواد الغذائية، الدول النامية على دفع ما يشبه الضريبة على كل منتج تعتقد هذه الشركات أن لها حق ملكيته أو براءة اختراعه·

 

عضلات اقتصادية

وفي حين ينبغي عمل شيء إزاء المشكلات الراهنة مثل انتشار رفع الحواجز الجمركية، تتقدم أمريكا بمطالب جديدة من الدول النامية، بأن تفتح حدودها أمام تدفق المضاربات برأس المال التي تزعزع استقرارها الاقتصادي، وفي الوقت الذي اعترف فيه صندوق النقد الدولي بأن تدفق هذه الأموال لا يشجع النمو الاقتصادي، بل إنه يؤدي الى زعزعة الاستقرار، وبالتالي تراجع عن ممارسة الضغط على الدول النامية لتحرير أسواق المال، تحاول أمريكا القيام بذلك من خلال منتدى آخر هو "منظمة التجارة العالمية"، التي قد تناسب أسواق "الوول ستريت" ولكنها لا تناسب الدول النامية·

لقد بدأت الدول النامية تدرك شيئا فشيئا أن عدم وجود اتفاقية أفضل من وجود اتفاقية رديئة، صحيح أن القانون الدولي مطلوب ليحكم التجارة الدولية، إلا أن النظام الراهن حقق بعض الخطوات للحد من الممارسة الوحشية للعضلات الاقتصادية من قبل الأقوياء·

إنها البداية لإعمال القانون الدولي حتى وإن كان غير متوازن وغير منصف للعالم النامي، لقد كان العالم المتقدم محقا حين التزم في مؤتمر الدوحة بمراجعة نقاط الاختلال، ولكن من منظور اليوم، يبدو - وبشكل متزايد - أن مؤتمر الدوحة لم يكن أكثر من محاولة لحمل الدول النامية علي الجلوس على طاولة المفاوضات·

ولم تكن نية الدول المتقدمة منعقدة هناك، على معالجة نقاط الاختلال، بل علي استخدام القوة الاقتصادية لخلق المزيد من نقاط الاختلال تلك·

 

مصالح خاصة

إن فشل مؤتمر كانكون لن يكون نكسة فقط لأولئك الذين ينشدون نظاما تجاريا عالميا أكثر إنصافا وشمولية، نظاما يعود بالنفع على الشركات متعددة الجنسية في الشمال فقط، بل على الجنوب أيضا، وسيمثل مظهرا آخر من مظاهر فشل الديمقراطية الكونية الذي برز بوضوح هذا العام، من حيث إن نظام صنع القرار العالمي لا يعكس مصالح وهموم غالبية سكان العالم، فليس لدينا نظام يكون فيه صوت واحد للشخص الواحد ولا حتى صوت واحد للدولار الواحد، كما أنه سيمثل مظهرا آخر لفشل الديمقراطية داخل مجتمعاتنا·

فمعظم الأمريكيين والأوروبيين يريدون نظاما اقتصاديا عالميا أكثر توازنا، ولو طرحت مسألة إتاحة أدوية "الإيدز" لإنقاذ حياة المنكوبين، على التصويت، لعارضت الأغلبية الساحقة موقف شركات الأدوية، ومن ناحية أخرى، تظهر مثل هذه المفاوضات السياسية، أكثر من أي شيء آخر، قوة المصالح الخاصة في البت بالمواقف السياسية، ولكن المشكلة في هذه الحالة، أنه يطلب من أفقر الناس في العالم·· المليارات من البشر الذين يعيشون على دخل يومي يقل عن دولارين، أن يدفعوا الثمن!

 

 *بروفيسور في جامعة كولومبيا في نيويورك وكان رئيسا لمجلس مستشاري الرئيس كلينتون الاقتصاديين وتولى منصب نائب رئيس البنك الدولي خلال الفترة من 1997-2000، وحصل على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2001·

" عن صحيفة الغارديان "

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

هجمات 11 سبتمبر
هل أطلقت صراع الحضارات؟
الحلقة الثالثة 3