الجنة تحت قدميك
نشمي مهنا
في كل حادثة منع كتاب ما، أو مجموعة شعرية، أو رواية، يقف بعضنا حائرا بين "نارين"، تحيطان به، فتقيدان حركته، يظل مترددا بين اعتراضه على قرار المنع رغم علمه بسخف مضمون الكتاب أو تجاوزاته وهلوساته، وبين تأييده - أو عدم اكتراثه على الأقل - بالقرار، مما يشعره بـ "الخيانة"!
كيف لا ينتصر لحرية الكتابة وهو المطالب بتوسيع فضاءاتها أو كيف ينتصر لها دون قناعة بموضوع الحدث؟!
حقيقة الموقف أن لا "نارين"، أو لا تناقض بالأحرى، بين أن تعشق الحرية وتوقف من يقطع شريان الحياة الجميلة أمامك، أن تذوب طربا في غناء مبدع وتكره النشاز·
لا نارين، هي نار واحدة فقط، عندما تقف على أرض رخوة، كالأبله، أو تصطف وراء المزدحمين بلا قناعة، مصدقا مأثورك الشعبي أن "الحشر مع الناس عيد"·
أينما كان صدقك كانت جنتك، وأينما وُجد التلّون والتمظهر كان جحيمك·
آخر حرائق هذا "المنع"، كان ديوان الشاعر المصري أحمد الشهاوي "الوصايا في عشق النساء"، حينما اعترض أحد النواب الإسلاميين على نشره ضمن إصدارات "الهيئة المصرية للكتاب"، فتلقف الشهاوي هذه "الإثارة"، ليشعل منها حريقا إعلاميا، يساعده لهيبها على إضاءة وجهه الشعري أكثر·
وبدعوى "التقدمية"، و"نصرة أخاك"، ومجاملة الشاعر (المسؤول الأبرز في المؤسسات الثقافية)، وجد الكثير من الكتّاب والشعراء أنفسهم مطالبين بأداء "دين" ثقافي، أو واجب صداقة يدفعهم لرفض تقييد حرية الشهاوي، وكبت طاقاته الشعرية التي لا تمتثل لحدود، وهو الشاعر المغموس بماء الصوفية، وتجربتها العنيفة!
بعض أصدقائه المدافعين يعلمون جيدا، حقيقة هذه "الشطحات" العرفانية التي تغمر الشهاوي بين إصدار وآخر، ويعلمون أيضا أن النائب البرلماني (لا كما ادعت الصفحات الثقافية) لم يطالب بمصادرة الديوان، إنما اعترض على تبني الهيئة وتكفلها بإصداره·
لم يصادر الديوان كما كان يتمنى الشاعر، إنما أعيد للقراءة والتأكد من احتمال ورود التجاوزات، فأفرج عنه بعد يوم واحد، ولكن المقابلات وتصريحات الشهاوي استمرت، فالقرار لم يعطه مهلة للترويج بالقدر الكافي·
مثل هذا الحريق، الذي أكل معه مصداقية بعض الكتّاب والمثقفين، شبّ في أكثر من عاصمة عربية، هنا في قضية د· عالية شعيب وبعض كتاباتها، والأهدل صاحب "القوارب الجبلية" في اليمن، وغيرهم··
لكن "غيرهم" لا تعني التعميم، أو تلك الكتابات الإبداعية، ذات الفنية العالية، التي تستحق الوقوف الى جانبها ضد سلطات المنع والحجر على الفكر الحر، الحقيقي غير المزيف ولا المصطنع· (هل كنت بحاجة للاستدراك حتى لا يلتبس القصد؟!)·
أيضا، أعود لأقول، بتكرار ممل، إن بعض كتابنا وشعرائنا وروائيينا هم كالسياسيين أو نواب البرلمانات لأنهم يفتعلون مشاكل أو "فرقعات" ثقافية، لا تمت لحرية الكتابة بصلة، لكن لأشياء وغايات أخرى· فلنبطل فرقعاتهم حتى وإن صُنفنا بخانة "الرجعيين"!
***
ولنخطُ بآرائنا على مربعات المواقف بصدق (وإن أخطأنا)، دون أن نحاذر الوقوع في "الأسود" أو "المحظور" الذي رسموه لنا·
nashmi@taleea.com