رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 29 شعبان 1424هـ - 25 أكتوبر 2003
العدد 1600

مقال

عن إدوارد سعيد

ملهم النزعة الإنسانية·· والجمال·· والحب

 

أناهيد محمد الأسعد - لندن

تعرفت على إدوارد سعيد للمرة الأولى في سن الرابعة عشرة من عمري حين أعطاني أبي سيرته الذاتية "خارج المكان"، وسحرني تصميم مثابرة إنسان على كتابة سيرته الذاتية وهو على ما أعتقد أنه سيكون سرير موته، وقضيت بضعة أشهر في مكتبة أبي أصارع كتابه "الاستشراق" وكتابه "تغطية الإسلام" وبقية دراساته الشهيرة على نطاق عالمي واسع، آنذاك كانت اللغة والأفكار ثقيلة علي الى حد بالغ، وواصلت الصراع حتى لم يعد بمقدوري مواصلة الصراع لسوء الحظ، لقد استسلمت ببساطة لأنني لم أستطع آنذاك فهم وإدراك عالم هذا المفكر الاستثنائي·

بعد ثلاث سنوات، وخلال نشاطي السياسي، التقيت بإدوارد سعيد ثانية، إلا أنني رأيت هذه المرة وجهه الآخر، رأيت واحدا من أبرز الأصوات في الغرب، رأيت صوتا يتحدث باسم البلاء الواقع على الفلسطينيين وكفاح العالم العربي ضد إمبريالية الغرب الجديدة·

وطيلة السنتين الماضيتين، ومع تكشف الأحداث في عالم ما بعد 11 سبتمبر، كانت كتابات سعيد مصدر إلهام بالفعل، وصوتا بين قلة من أصوات العقل في وقت بدأت تتحقق فيه نبوءات "جورج أورويل" شيئا فشيئا، في هذا الوقت لم يتخل سعيد عن ما نذر له حياته من مواجهة علنية شجاعة للظلم الفادح والبربرية اللذين أصبحا يهيمنان على عالمنا اليوم، وخلق له نقده الأخلاقي أعداء على كلا جانبي الحدود، فقد كان ناقدا لسياسة الغرب الصناعي الإمبريالية الجديدة في العالم العربي، كما كان ناقدا أيضا لأنظمة الدمى المستبدة في العالم العربي التي تخدم سادتها الإمبرياليين على حد سواء، هذا الموقف الأخلاقي العالي، الموقف الذي كلف سعيد ثمنا شخصيا باهظا، هو تحديدا ما كان مصدر إلهام دائم لي، فقد كان دائما الى جانب الشعوب والحب والجمال، وكرس حياته بأكملها وعمله جملة من أجل هدف أعلى وأسمى، مجاهدا ليجعل العالم مكانا أفضل للعيش لنا جميعا·

اليوم هو يوم حزين للفلسطينيين، لأننا فقدنا بفقده واحدا من الأصوات القليلة في صراعنا من أجل حريتنا وحقنا في تقرير المصير، واليوم هو يوم بالغ الحزن للعالم العربي، لأننا فقدنا بفقده واحدا من الأصوات القليلة التي واجهت الأنظمة الوحشية التي تخنق المنطقة، واليوم أيضا هو يوم حزين جدا للإنسانية بعامة، لأننا فقدنا بفقده إنسانا ظل يرفض حتى النفس الأخير التخلي عن رفع صوته باسم الذين لا صوت لهم وباسم المقموعين والمقتلعين·

إضافة

ولد إدوارد سعيد في القدس في العام 1935 انتقل وعائلته الى القاهرة في العام 1947 حيث افتتح والده عملا تجاريا، وهناك عاش وتعلم في المدارس الإنجليزية منذ نعومة أظفاره، ومن القاهرة انتقل الى الولايات المتحدة حيث قضى بضع سنوات في مدرسة داخلية في ماساشوستس، ثم أتم تعليمه الجامعي في جامعة برنستون في العام 1957، حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد في العام 1964 عن رسالة في الأدب الإنجليزي، موضوعها "جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية"، وبدأ حياته العملية مدرسا للإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا·

أول إنتاج فكري مجدد له بدأ بمقالة عن "تمثيل العربي" في وسائط الإعلام الغربية والبحوث والدراسات، وكانت هذه المقالة بذرة كتابه "الاستشراق" الذي هز الأوساط العلمية في حقل الدراسات الاستشراقية واقتلع من الجذور هيمنتها على دراسة العرب والإسلام والشرق عموما، وفتح الباب لإعادة قراءة تأويلات وإنشاءات المستشرقين في حقول عدة، أدبية وسياسية وتاريخية ولغوية واجتماعية وفنية، ولم يقتصر تأثير كتابه هذا على الوسط الأكاديمي الغربي بل امتد الى أوساط البحث والدراسة في قارات ولغات عدة·

بعد ذلك كتب إدوارد سعيد ما يعتبر تفصيلات على أطروحته في الاستشراق، كتب عن "الإمبريالية والثقافة" و"تغطية الإسلام" و"صور المثقف" و"قضية فلسطين"، وساهم بنشاط في الجدال السياسي والتاريخي والثقافي ببصيرة قل نظيرها في عالم اليوم، بحيث أصبح من المشروع الحديث عن عالم الفكر قبل إدوارد سعيد وبعده، لقد غير وجه البحث وطرائقه في حقول عدة تمتد من اللغة والتاريخ وتصل الى العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية في قلب العالم الغربي، ونجح في ذلك نجاحا لا مثيل له·

طباعة  

قراءة
 
وتــد
 
لقطة
 
"الخطاب الفكري الجزائري - الهوية نموذجا" في رابطة الأدباء
د· الزواوي: "الهوية" في الجزائر إشكالية ثقافية·· قمعت بحلول سياسية!

 
المرصد الثقافي
 
سنوات التكوين في الكويت