في أطروحة الماجستير الأولى من نوعها في الأدب
آدم يوسف: قصيدة التفاصيل ولدت في الخليج في العقدين الأخيرين بسمات أسلوبية ولغوية مختلفة
نوقشت في جامعة الكويت يوم الأحد 19/10/2003 أطروحة الماجستير للباحث آدم يوسف بعنوان "قصيدة التفاصيل اليومية في الشعر الخليجي المعاصر" تحت إشراف د· مرسل فالح العجمي، ومشاركة د· بسام قطوس ود· عبدالله المهنا في المناقشة وقد حظي البحث بإعجاب لجنة المناقشة والمحكمين لأسباب عدة منها:
- أنه أول بحث أكاديمي يسلط الضوء على قصيدة التفاصيل اليومية وتحديدا في منطقة الخليج العربي·
- الباحث يؤسس للمصطلح ويبحث في جذوره اللغوية والأدبية، على الرغم من شح المراجع واقتصارها في أغلب الأحيان على الدوريات والمجلات الأدبية·
- البحث يتغلغل في البنية العميقة لقصيدة التفاصيل ويستخلص تقنياتها الفنية وسماتها الموضوعية·
- يتناول البحث الجيل الجديد من الشعراء الذين لم يحظوا باهتمام أدبي ونقدي·
- يعتبر البحث - في حال طباعته - حجر الأساس لهذا اللون من الكتابة الشعرية مما قد يفيد باحثين آخرين·
يتأسس البحث على دراسة ذات شقين "نظري وتطبيقي" تسلط الضوء على مفردات التفاصيل اليومية في الشعر الخليجي المعاصر، وهي مفردات تصور المشهد اليومي مع عناية فائقة بتفاصيل الأشياء الصغيرة لم تكن مدرجة ضمن مفردات النص الشعري، وهي مرتبطة الى حد كبير بظاهرة قصيدة النثر، وكذلك أثر المترجم من الشعر الأجنبي·
وهنالك دراسات عدة تناولت شعر الحياة اليومية لدى شعراء معاصرين من أمثال عباس محمود العقاد وصلاح عبدالصبور، إن لم تأخذ عنوان "قصيدة التفاصيل اليومية" مما اضطر الباحث الى الفصل بين هذين المصطلحين "شعر الحياة اليومية وقصيدة التفاصيل" وتحديد نقاط الالتقاء والافتراق بينهما، كما أن هناك دراسات قيمة عن الشعر الخليجي المعاصر، منها كتاب للدكتور سعد البازعي بعنوان "ثقافة الصحراء" ودراسة أخرى له أيضا بعنوان "من التفعيلة الى قصيدة النثر، استجلاء لبعض مرجعيات القصيدة المعاصرة في الخليج والجزيرة العربية" نشرت ضمن أبحاث دورة العدواني التي نظمتها مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري سنة 1998·
وقد أفاد البحث كذلك من الدراسة التي قدمها الباحث فخري صالح بعنوان "شعرية التفاصيل، أثر ريتسوس في الشعر العربي المعاصر"، حيث تناول بالتحليل والدراسة شعراء عرب تظهر في قصائدهم بشكل واضح السمة المميزة لقصيدة التفاصيل اليومية ومن هؤلاء: سعدي يوسف، نوري الجراح، عباس بيضون·
والدراسة مقسمة الى خمسة فصول، فصلين تمهيديين خصصهما الباحث للجانب النظري والمهاد الذي أطلق عليه فيما سبق شعر الحياة اليومية، وثلاثة فصول تطبيقية تناولت نماذج لشعراء خليجيين معاصرين·
وقد جاء الفصل الأول بعنوان "لغة الحياة اليومية عابر سبيل الديوان المفتتح"، تناول فيه الباحث بالدراسة ديوان عابر سبيل للشاعر عباس محمود العقاد، الذي يعود له الفضل في إرساء قواعد هذا اللون من الشعر في تلك الحقبة المبكرة حيث كتبت أغلب قصائد الديوان سنة 1935، ولو نظرنا الى ما كان يعانيه الشعر العربي من قيود في تلك الفترة من حيث الموضوع والصياغة، فإننا وبلا شك سنحمد للعقاد جرأته في الحديث عن أشياء الحياة اليومية ومشاهداته العابرة، وفي الجزء الثاني من هذه الفصل يتطرق البحث للشاعر صلاح عبدالصبور، الذي يعد من أوائل الشعراء العرب الذين اتسمت قصائدهم بشعرية التفاصيل اليومية، ولا سيما قصائد مثل: "الحزن، شنق زهران، حديث في مقهى" وقد أفاد عبدالصبور كثيرا من الشعر الإنجليزي المعاصر، ولاسيما الشاعر ت· س أليوت وقصيدته "الأرض اليباب"·
الفصل الثاني يقدم فيه الباحث تعريفا مطولا للمصطلح "قصيدة التفاصيل اليومية" مستعينا ببعض المعاجم والدراسات النقدية المتخصصة، مع إيضاح وبيان الإطار الزماني والمكاني، وقد كان المقترح المطروح لتأطير الحقبة الزمانية، هو أن يتناول البحث تلك الأعمال التي صدرت لشعراء خليجيين في العقدين الأخيرين، أي تلك الدواوين التي صدرت بين عامي 1980-2002 "تاريخ كتابة البحث" لأسباب عدة منها: أن قصيدة التفاصيل اليومية، موضوع الدراسة، لم تظهر إلا بعد العام 1979 حينما قام الشاعر سعدي يوسف بترجمة بعض قصائد الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس، وأما في منطقة الخليج فأكثر ما تظهر قصيدة التفاصيل لدى شعراء الثمانينات والتسعينات·
وقد اقتصر البحث على دول الخليج الست التي يجمعها تطور تاريخي مشترك، وإرث ثقافي متداخل الى حد يصعب فصله في كثير من الأحيان·
الفصل الثالث يتناول العنصر القصصي في قصيدة التفاصيل اليومية، مع اتساع وازدياد أفق الرؤية المشهدية والسرد المفصل لتفاصيل المكان، كما يتناول تعريفا لمصطلح السرد والمستويات التي تنمو فيه عناصر القصة، مع تأكيد حضور الفضاء المكاني، وتحديد عنصري الزمان والشخصيات موضوع الحوار·
ويتناول البحث في هذا الفصل أيضا التفاصيل اليومية وتداخلها ما بين رحابة الصحراء وازدحام المدينة، بحيث يبدو واضحا وجليا الحنين الذين يكنه شاعر التفاصيل في منطقة الخليج الى البادية وأسلوب العيش فيها، مع أنه ينطلق من مدينة تحوي كامل عناصر الحداثة والتجدد·
الفصل الرابع يتعرض لمفاهيم مثل المفارقة والسخرية والسوريالية وعلاقتها بقصيدة التفاصيل اليومية، حيث تشكل هذه المفاهيم مرتكزات أساسية ينطلق منها شاعر التفاصيل اليومية، وفي القصيدة الخليجية المعاصرة يرى الباحث أن المفارقة تأتي بصور متعددة، ولكنها تفضي الى نتيجة واحدة، هي موقف الإنسان الساخر من الوجود وطريقة سير الأمور فيه، هذه المفارقة قد تأتي أيضا في صور سوريالية ولغة يومية، تنزع نحو التفصيل وعرض المشهد كما هو عليه بكامل متناقضاته، كما توجد أنواع من السخرية منها لفظية، وأخرى تركيبية تعتمد على تصوير شخصية شعرية تكون محورا للقصيدة، مع تداخل وتعدد الأصوات عبر حدث يتنامى ومواقف هازئة من الإنسان والوجود·
الفصل الخامس يناقش القصيدة اليومية وعلاقتها بما بعد الحداثة، مع تعريف للمصطلح وتأريخ أصوله وفترة انطلاقه، وكذلك إيضاح الأسس والمميزات التي تقوم عليها اتجاهات ما بعد الحداثة وكيف كان الاختلاف بينها وبين الحداثة، وهل يمكن إدراج القصيدة اليومية ضمن نصوص ما بعد الحداثة؟ لا سيما وأن القصيدة اليومية تحفل بمضامين تنزع نحو السخرية والاستهزاء والنظرة العبثية الى الكون، كما أن هناك نقادا كثيرين يربطون بعض المدارس النقدية التي ظهرت أخيرا بحركة ما بعد الحداثة من أشهرها التقويضية والنقد الثقافي ونظريتا السرد والتناص·
ولقد توقف البحث طويلا في الفصل الثالث عند نظريتي السرد والتناص، سواء كان تناصا موضوعاتيا أو تناصا يعتمد تداخل الأجناس الأدبية "السردي في الشعري" مثلا·
وتكتسب الدراسة أهميتها من جوانب عدة، فمن حيث الموضوع "قصيدة التفاصيل اليومية" لم يحظ بالعناية الكافية من الباحثين وهو مجال خصب يسلط الضوء على الهامشي واليومي في شعرنا المعاصر، بعد أن ظلت الدراسات الأدبية ولسنين طويلة مقتصرة على نتاج الصفوة من المبدعين، وأصبح النقد الأدبي مكرسا لدراسة هذا النص الاستعلائي المليء بالمجاز والكثافة اللغوية التي تنتج غموضا في الدلالة والمعنى، مما قد يتيح فرصة لظهور أدب يطلق عليه أدب الصفوة، وهذا البحث ينفي فرضية وجود أدب للصفوة ويتوجه الى دراسة مفردات الحياة اليومية التي تكتسب دلالاتها من البساطة والوضوح، مع وصف دقيق لتفاصيل الأشياء الصغيرة، كما أنه قد ظهر في الشعر الخليجي المعاصر خاصة في العقدين الأخيرين عدد كبير من الشعراء الذين أطلق عليهم جيل الثمانينات والتسعينات وهم يكتبون قصيدة مختلفة سواء من حيث السمات الأسلوبية واللغوية أو من حيث المضمون والمعنى·
ولقد تناول البحث في الجانب التطبيقي من الدراسة دواوين لشعراء من: السعودية، الكويت، الإمارات، وعمان، وتعذر الوصول الى أعمال شعرية تتناسب ومحاور الدراسة لدى شعراء من البحرين وقطر، لذا فقد تم الاكتفاء بالدول الخليجية الأربع، لاسيما وأن النماذج المتوافرة من هذه الدول تفي بغرض الدراسة، والبحث في مجمله ليس إحصائيا وإنما هو نموذجي يعرض فئة معينة من الشعراء·
يذكر أن كثيرا من الشعراء الذين تناولهم البحث بالدراسة لم يحظوا بدرس نقدي يوازي ما لهم من حضور أدبي في دواوين مطبوعة، تشكل نتاجا شعريا يستحق الدراسة، ومن هنا تكمن أهمية هذا البحث في محاولة تسليط الضوء على هؤلاء الشعراء وتقديم نتاجهم الشعري الى ساحة البحث العلمي والأكاديمي·