رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 6 رمضان 1424هـ - 1 نوفمبر 2003
العدد 1601

وتــد

درس من صنع الله

نشمي مهنا

حينما رفضت مجموعة من الروائيين المصريين، من بينهم صنع الله إبراهيم ومحمود أمين العالم حضور ندوة الرباط الخاصة بالرواية العربية، بحجة زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي للمغرب، كان رد أهل المغرب مفحما، إذ كشف ياسين عدنان وحسن نجمي تناقض مواقف هؤلاء الروائيين وأوقعاهم في شرك الإحراج، حيث لا يُقبل مضمون بيان في الاعتذار أو رفض المشاركة من أبناء عاصمة يرفرف في سمائها العلم الإسرائيلي·

كان ردا موفقا، لا يحتاج الى دليل لبيانه، إنما الى موقف من أهل البيان (وهذا ما بُيّت له)، يومها تذكرت البيان الشهير الذي نشره المستشار طارق البشري (رغم الفارق بين المضمونين واللغتين) الذي رفض فيه المشاركة في الندوة الفكرية التي نظمتها وزارة الأوقاف في الكويت بسبب موقفها من حرب تحرير العراق(!)· كان بيان الروائيين مهذبا ومعتذرا، وكان رد أهل الشأن عليه مفحما، بينما كانت "مسرحية" البشري المصاغة في بيان هجوما عنيفا بحق الكويت، مليئا بألفاظ تخوينية فكان أن مر - رغم ذلك - بسلام من أهل الندوة "الإسلاميين" الكويتيين، تفاديا لفضائح نشر غسيل الفكر الأصولي (في البلدين) من الحرب، وهروبا من كشف مواقفهم الحقيقية من تحرير العراق، والتحالفات التي جمعت "الأعدقاء" إثر سقوط طاغية بغداد (!)·

تذكرت هذا الموقف التنظيمي - السياسي الذي فرضته مصلحة الإسلامية المهادنين في الكويت، ورؤيتهم الحزبية الضيقة من بيان "مفكرهم" البشري، بعد متابعة السجالات بين الروائيين المصريين "أهل البيان" وبين كتّاب المغرب·

وبفتح قوس كبير نستثني فيه رد د· سليمان العسكري الذي نشره على صفحات "أخبار الأدب"، مبينا للبشري وللقراء موقف الكويت من حرب تحرير العراق ومراهنتها الصائبة على الشعب العراقي لا على أنظمة استبدادية لم تجلب للمنطقة سوى الكوارث·

ما ذكرناه فات أوانه، إلا أن موقف الروائي صنع الله إبراهيم الجريء في رفضه للجائزة الممنوحة له من المجلس الأعلى للثقافة، في مؤتمر الرواية الأخير في القاهرة، جدد هذا الحديث·

فللجوائز التي تجود بها أيادي السلطات الرسمية إغراءاتها، وشياطينها التي تصعب مقاومة وساوسها بين المادة والمكانة، أما المكانة التي منحت من أعضاء اللجنة المحكِّمة (ومن المحرج أن يكون محمود العالم مرة أخرى ضمن أعضائها) فقد نالها صنع الله، بمجرد اختياره، بل ضاعفها بموقفه الرافض، أما "المادة" فقد ردت لأنها لن تزيده إلا فقرا·

برأيي، أن كاتبا حرا مثل صنع الله إبراهيم لا يمكن أن يلدغ مرتين، فالأولى التي لم يحسب لها حسابه، جاءت من جحر المغاربة، أما الثانية (التي كانت تتصيده من جحر مؤسسة يرفض سياسات سلطتها الحاكمة) فنجا منها·

قد نختلف كقراء مع توجهات صنع الله السياسية، إلا أننا نقدر له هذا الموقف النبيل، الذي أتى كدرس أول من أحد مثقفينا العرب الى مثقفينا العرب المتلونين، والمهادنين الخانعين تحت "سيف" السلطة، والمنقادين وراء بريق خزائنها·

درس قاس، يعلمنا "شرف" الكلمة، خصوصا وأنه جاء من "صنع الله"، مهما فسر المفسرون!

nashmi@taleea.com

طباعة  

دراسة
 
المرصد الثقافي
 
معرض
 
كمال الطويل·· والمسرح التجريبي في "جريدة الفنون"
 
خبر ثقافي