بقلم: د· عبدالله الجسمي
· الشيخ عبدالله السالم كان مهتما بالثقافة العربية ومولعاً بانتمائه العربي
· الكتلة الوطنية·· أول تنظيم سياسي يشكل في الكويت عام 1938 من اثني عشر عضوا وتميزت بكونها إصلاحية
· ثلاثة أطراف رئيسة لعبت الدور الكبير في نشر الفكر القومي والإصلاحات الديمقراطية
· حقبة الشيخ أحمد الجابر تميزت بالمشاركة الـشعبية للسلطة حينما شكل مجلساً استشارياً من عدد من التجار في عام 1921
· المجتمع الكويتي اتسم بالحوار والمشورة والاستقرار والبعد عن الصراعات الداخلية منذ نشأته
تميزت الكويت وشعبها منذ القدم بحالة فريدة ميزتها عن نظيراتها في منطقة الخليج وهي حالة التسامح والتماسك والوحدة التي سادت المجتمع الكويتي، وقد شكل هذا الأمر عامل استقرار للدولة·
وكان الكويتيون متماسكين ومجتمعين على الحفاظ على كيانهم السياسي وما حدث في أثناء الغزو العراقي خير دليل على هذا التماسك والوحدة في وجه المعتدي ورفضهم للتعاون معه بل تمسكوا بوحدة وطنهم ونظامهم الدستوري·
كذلك تميزت الكويت بمشاركة الشعب في إدارة شؤونه بنفسه، وبدستور أصبح فيما بعد المرجع في بناء نظام سياسي، جاء ثمرة نضال شعبي من أطراف كثيرة ساهمت جميعها في الوصول إلى نظام ديمقراطي·
ثلاثة أطراف لعبت دورا مهما في نشر الفكر القومي والمطالبة بالإصلاحات الديمقراطية وهي: التجار، وممثلو حركة القوميين العرب، ومجموعة الشباب الكويتي الذي التحق بالتعليم العالي خارج الكويت خصوصا في مصر·
سبق وأن نشرت معظم جوانب هذه الدراسة في الكتاب الصادر بعنوان “الكويت في قلب الثقافة العربية” من وكالة الأنباء الكويتية “كونا” بمناسبة الاحتفال بالكويت كعاصمة للثقافة العربية، وبقيت جوانب أخرى منها لم تر النور ومن هذا المنطلق ننشر الدراسة كاملة لإلقاء الضوء على موضوعها بشكل كامل:
تقف المسيرة الديمقراطية كواحدة من أبرز محطات التطور السياسي للمجتمع الكويتي منذ الاستقلال وحتى اليوم والتي أخذت شكلها المؤسسي من خلال نصوص الدستور الذي أقره المجلس التأسيسي في 11/2/1962 وأصبح الوثيقة والمرجع في بناء النظام السياسي عبر تقسيمه للسلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية وتحديد صلاحيات كل منها، والمسيرة الديمقراطية المؤسسية جاءت تتويجا لمسيرة طويلة في إدارة شؤون البلاد عبر التشاور تارة أو عبر مجالس لم تكتب لها الاستمرارية كما حدث في العام 1921 و1938، بمعنى أن مشاركة الشعب في تنظيم وإدارة شؤون البلاد لم تكن وليدة الدستور الحالي فقط بل لها تاريخها الذي يمتد تقريبا منذ نشأة الكويت قبل ما يربو على ثلاثة قرون، والدستور الكويتي بشكله الحالي جاء ثمرة لنضالات شعبية واستجابة خيرة من أمير الكويت الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح الذي يعتبره الكثيرون أبو الدستور ومؤسس الكويت الحديثة حيث أسهم في قيام الكثير من المؤسسات والهيئات الشعبية قبل فترة حكمه وبعدها والتي تمتد من العام 1950 وحتى 1965، والدستور الكويتي ليس وثيقة سياسية فقط بل يعكس أبعادا ثقافية فكرية من خلال عدد من النصوص التي مزجت بين الثقافة الديمقراطية الغربية والثقافة المحلية والعربية وجاء لتلبية مرحلة من مراحل تطور المجتمع الكويتي الذي مر بنقلة نوعية بعد تصدير النفط والتخلي عن نمط الاقتصاد القديم المعتمد على الغوص والسفر، أي أن الدستور جاء لينظم هذا التحول الاقتصادي والاجتماعي والسياسي من مجتمع بسيط الى مجتمع مدني ودولة مؤسسات بعد نيل الاستقلال عام 1961 متضمنا الأسس الحديثة للإدارة·
وهنالك ميزة مهمة يتضمنها الدستور وهي أنه جاء ليراعي الخصوصية الكويتية الثقافية والسياسية فلم يكن متقدما بشكل كبير عن الواقع الثقافي والاجتماعي بالمجتمع الكويتي آنذاك ولا يتضمن المفاهيم التقليدية أو القبلية، فقد تضمن حقوقا وواجبات للمواطن والدولة احترم فيها حرية الفكر والاعتقاد والحريات الشخصية ونظم أسس المواطنة على احترام المواطن لحقوق الدولة عليه في مقابل احترام حقوقه الفردية بحيث لا يخضع الفرد فيها لتسلط سياسي أو فكري بل يكون سيد نفسه حرا في اختياراته ويمثل مع أفراد المجتمع الآخرين مصدر السلطات جميعا، والدستور جاء بشكله الحالي بعد نضالات شعبية قامت بها عدد من الأطراف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي ساهمت مجتمعة في الوصول الى نظام ديمقراطي للحكم سبقت فيه الكويت أقرانها من دول المنطقة، وهذه الأطراف كان لها امتدادها القومي أو حوت أفكارها السياسية بعدا قوميا لا يستهان به حيث تزامن ذلك مع تطور الحركة القومية في الوطن العربي بعد طرد الاستعمار العثماني ومقاومة الاستعمار الفرنسي والبريطاني والحملة الصهيونية للهجرة الى فلسطين، وإذا حددنا هذه الأطراف التي لعبت دورا مهما في نشر الفكر القومي والمطالبة بالإصلاحات الديمقراطية سنجد هناك ثلاثة أطراف أساسية وهي فئة التجار وممثلو حركة القوميين العرب، ومجموعة الشباب الكويتي الذي التحق بالتعليم العالي خارج الكويت سواء في المملكة المتحدة وجمهورية مصر العربية، وعلى وجه الخصوص، الطلبة الكويتيين الذين أنشؤوا بيت الكويت بالقاهرة الذي لعب دورا تنويريا وثقافيا مهما سواء في القاهرة أو بعد عودة عدد من الخريجين والانخراط بالعمل الرسمي أو الشعبي ذي البعد الثقافي، ويضاف الى هذه الأطراف الشعبية أمير الكويت الراحل عبدالله السالم الصباح الذي كان اهتمامه بالثقافة العربية وانتماء الكويت العربي أحد اهتماماته السياسية والفكرية، إن هذه العوامل مجتمعة لعبت دورا مهما في رسم النظام الديمقراطي والمستند على الدستور الذي اعتبر الكويت جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية، من هنا سنتناول الأطراف التي لعبت دورا أساسيا وهما فئة التجار وحركة القوميين العرب، ومن ثم ننتقل للبعثات الدراسية والتطرق للأفكار الثقافية التنويرية التي نادت بها وتضمنها عدد من نصوص الدستور·
دور التجار السياسي والثقافي:
للكويت خصوصية تميزها عن نظيراتها في منطقة الخليج فمنذ نشأتها كان الحوار والتفاهم والمشورة السياسية من أبرز سمات المجتمع الكويتي، وشكل هذا الأمر عامل استقرار مهم، حيث ابتعد المجتمع عن الصراعات الداخلية التي من شأنها إحداث عوامل تفرقة أو عدم استقرار أو مواجهات بين فئات المجتمع، فقد عرف الكويتيون روح التسامح والتعاون وطيب المعشر فيما بينهم، علاوة على اتصافهم بالمسالمة وعدم الاعتداء على الغير، وتميزوا بميزة فريدة حتى يومنا هذا وهي التماسك والتوحد في أثناء المحن فما من محطة حرجة في تاريخ الكويت منذ نشأتها وحتى الآن إلا وكان الكويتيون متماسكين ومجمعين على الحفاظ على مجتمعهم وكيانهم السياسي ولعل الدلائل على ذلك كثيرة منها التصدي للهجمات الخارجية قديما عبر بناء الأسوار لحماية الكويت وما حدث في الغزو العراقي للكويت ورفض الكويتيون التعاون مع المعتدي وتمسكوا بوحدة وطنهم ونظامهم الدستوري، لقد مثل هذا الأمر عامل استقرار وبيئة صالحة للنشاط الاقتصادي، فخلال قرن ونصف من نشأة الكويت حققت ازدهارا اقتصاديا دفع به موقعها الجغرافي والروح التجارية لأبنائها التي دفعتهم لتحدي الصعاب وخوض البحار للغوص والتجارة في سفن شراعية وصلوا بها الى الجنوب الشرقي لآسيا وشرق إفريقيا·
ويعتبر التجار هم العمود الفقري للاقتصاد الكويتي القديم ولعبوا الدور الأساسي والمهم في بناء الكويت بحيث لم تستطع الحكومة المركزية أن تساهم بشكل كبير في بناء المؤسسات إلا بعد التدفق التدريجي لعوائد النفط·
بمعنى أن التجار هم الفئة والقوة الفعلية التي عملت على النهوض بالاقتصاد الكويتي وتطويره في شتى المراحل قديما والى وقت قريب·
ولم يقتصر اهتمام التجار الكويتيين على التجارة أو الجوانب الاقتصادية فحسب بل تجاوزت اهتماماتهم الى جوانب سياسية وثقافية، وإذا تطرقنا الى الجانب السياسي سنرى أولا أنه من الطبيعي أن تكون هناك مطالب سياسية للتجار لكونهم القوة الاقتصادية والفعالة بالمجتمع، وقد جاءت أبرز هذه المطالب منذ الفترة التي تولى فيها الشيخ مبارك الصباح الحكم “بطريقة عنيفة مأساوية”(1) حيث تميزت هذه الفترة بكثرة الحروب وعدم الاستقرار، ومع تولي الشيخ أحمد الجابر الصباح للسلطة في العام 1921 ظهرت بعض بوادر الانفراج العام والمشاركة الشعبية للسلطة عندما شكل مجلس استشاري في العام نفسه والمكون من مجموعة من التجار ووجهاء الكويت رئيسه عبدالله حمد الصقر والشيخ يوسف بن عيسى القناعي نائبا له، إلا أن المجلس لم يدم إلا فترة وجيزة حيث عطل بعد شهرين من العمل به، واستمرت الحال على ما هي عليه الى أن جاء النصف الثاني من الثلاثينات والذي شكل نقلة نوعية في المطالب الشعبية والتي كان التجار المتنورون، في طليعتها، بتشكيلهم لأول تنظيم سياسي بالكويت وهو الكتلة الوطنية في العام 1938 (2) والتي تكونت من اثني عشر عضوا وهم: مشعان الخضير الخالد، السيد علي السيد سليمان الرفاعي، سليمان العدساني، عبدالله حمد الصقر، عبداللطيف محمد ثنيان الغانم، يوسف صالح الحميضي، سلطان إبراهيم الكليب، عبدالعزيز حمد الصقر، حمد الصالح الحميضي، يوسف المرزوق، خالد العدساني، ومحمد ثنيان الغانم (3)·
وتبنت الكتلة مبادئ ومطالب سياسية وتميزت بكونها حركة إصلاحية إذ طالب أعضاؤها بإحداث إصلاحات سياسية للطريقة التي تدار بها شؤون البلد وأن يكون هناك مشاركة شعبية حقيقية في اتخاذ القرار، فرفع أعضاء الكتلة ومناصروهم عريضة لأمير الكويت الراحل الشيخ أحمد الجابر تضمنت عددا من المطالب أهمها تشكيل مجلس نيابي منتخب له الحق في تشريع القوانين، وبعد تردد تمت الموافقة على الطلب وإنشاء المجلس في العام 1938 حيث تم الانتخاب عبر 320 فردا ممثلين عن مجموعة من العوائل الكويتية (4)، وعلى الرغم من الصلاحيات التي حصل عليها أعضاء المجلس إلا أن عوامل خارجية وداخلية حالت دون استمراره طويلا نتيجة لبعض الضغوطات من قبل المندوب السامي البريطاني والخلافات الداخلية التي دبت بين أفراده وانتهى الأمر الى حله بعد شهور معدودة من عمله، إن ما سبق يبين الدور الذي لعبته شريحة التجار في الكويت من محاولات حقيقية منذ بدايات القرن العشرين لإحداث إصلاحات سياسية في البلاد والمشاركة بالحكم، ولم يقف دور هذه القوى عند المحاولتين السابقتين بل أيضا ساهمت بدور كبير في الأربعينات والخمسينات في دعم القوى الشعبية الأخرى التي كانت تنادي بإصلاحات سياسية وبناء نظام دستوري حديث بعد التغييرات الاقتصادية التي حدثت في المجتمع الكويتي نتيجة لتدفق الثروة النفطية·
ولم يقف الأمر عند شريحة التجار والكتلة الوطنية على مطالب سياسية محلية فقط بل كان للكثير من أعضائها ميول والتزامات قومية، فقد كان عدد من أعضاء الكتلة على اتصال مع المراكز الثقافية العربية في بغداد ودمشق مثل عبدالله حمد الصقر وعبداللطيف ثنيان الغانم (5)، الذين كان لهم مع آخرين نشاط ملحوظ في دعم القضايا العربية على المستوى المحلي، ولتبيان مدى الاهتمام بالقومية واعتبار الكويت جزءا من الأمة نستشهد بما جاء في ميثاق الكتلة الوطنية حول هذا الموضوع:
1 - الإيمان بأن الأمة العربية واحدة وأن الوطن العربي وطن واحد ومن حق الأمة العربية ممارسة سيادتها واستقلالها·
2 - اعتبار الكويت بلدا عربيا وأنه جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الأكبر·
3 - توثيق الروابط والصلات بين الأقطار العربية وتشجيع المصنوعات العربية وبث الروح الرياضية والسعي الى كل ما يفيد العرب وينهضهم اجتماعيا واقتصاديا·
4 - إحياء الروح القومية في نفوس الأفراد·
5 - السعي لنشر روح الثقافة العربية في المجتمع الكويتي·
6 - السعي بكل القوة لمؤازرة الأحرار المخلصين من العرب·
يتضح من هذه المبادئ أن التوجه العام لأفراد الكتلة كان عروبيا ومرتبطا بالقومية العربية· (6)
إن المطالب السياسية والإصلاحية التي نادت بها هذه الشريحة من التجار تدل على عقلية مستنيرة، أي أن وعيها السياسي متطور بمقاييس ذلك الوقت وهذا يعكس عقلية ثقافية نالت قسطا من التعليم أو الاطلاع الممزوج بالخبرة العملية التي صقلت طريقة تفكير عناصر كثيرة من هذه الفئة، فالملاحظ أن معظم العناصر النشطة سياسيا كانت لها توجهات ثقافية أو على الأقل اهتمامات ثقافية وعلمية، وهناك شواهد سنأتي عليها بعد قليل·
وهنالك عدد من الأسباب التي دعت أن تكون طبقة التجار الطليعة المتعلمة وذات اهتمامات ثقافية ويمكن أن يوجز أهمها في ثلاثة: أولا: فرض الاعتماد على السفر والتجارة الاهتمام بالتعليم بسبب الاحتكاك مع التجار في الدول الأخرى وإجراء المعاملات والتعرف على نوعيات البضائع وغيرها، فكان من الضروري أن يكون التاجر على مستوى من التعليم وحتى الثقافة نتيجة للتنقل والسفر والاحتكاك مع الثقافات الأخرى، وهذا ما كان يدفع بالتجار للصرف على تعليم أبنائهم منذ الصغر لمساعدتهم بإدارة أعمالهم·
ثانيا يعود الى الوقت الذي يمكن أن يتوفر للتجار دون غيرهم من حيث الاطلاع والقراءة، فلو رأينا طبيعة عمل العامة آنذاك سنجد بأن الطابع العملي غالب على تلك الفئة التي تتوارث مهنتها بشكل عملي من دون دراسة نظرية فلم يكن هناك اهتمام يذكر عند هذه الفئة من حيث التعلم اللهم إلا حالات قليلة، فنجد مهنا مثل الصفار والحداد والنجار والقلاف وغيرها من يمارسها أفرادها بشكل عملي وهذا الأمر لا يساعد على القراءة والاطلاع من حيث طبيعة العمل التي تتواصل طوال اليوم، في مقابل ذلك تتوفر عند التجار مقومات الثقافة والوقت الذي يمكن استثماره بالقراءة والاطلاع·
ثالثا: ساهمت فئة التجارة في العمل على الدفع بالتعليم المؤسسي، حيث أنشأت في العام 1911 المدرسة المباركية التي كان لبعض التجار ووجهاء البلد دور مهم في إنشائها مما يعني حرص هذه الفئة على تدريس أبناء الكويت العلم لإفادتهم والاستفادة منهم في المهن والأعمال التي يحتاجون أيادي عاملة متعلمة فيها، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل طالبوا بالتوسع لتسود الفائدة على عامة الشعب كما جاء في أحد بنود البرنامج الإصلاحي الذي نشرته الكتلة الوطنية في صحيفة الزمان العراقية الصادرة من البصرة والذي ينص على “ضرورة فتح المدارس على أوسع نطاق لإعطاء أفراد الشعب فرص التعليم مثل غيرهم من المواطنين في البلاد العربية الأخرى·(7)
لعبت الأسباب السابقة دورا في كون طبقة التجار ذات تعليم واطلاع ثقافي خصوصا بعضها الذي تميز بثقافة مستنيرة وسنعرض هنا عددا من الشواهد تدعم ما تم ذكره بهذا الخصوص·
فأول ما يشار إليه في هذا الصدد الاجتماع الليلي الذي كان يقيمه المرحومان زيد وعبدالرزاق الخالد والذي يقصده عدد من المهتمين والقراء في محلهما واشتراكهما في مجلتي “المنار، والمؤيد” (8) ومناقشة الكثير من الموضوعات الثقافية والأحداث الجارية، وإذا انتقلنا للتعليم نجد أن أول مدرسة وهي المباركية قامت بجهود مجموعة من التجار الذين جمعوا التبرعات لها ومنهم الشيخ يوسف بن عيسى وإبراهيم المضف، وآل خالد الخضير وهلال المطيري، كما اتصل تجار الكويت بالتجار العرب في بمباي ومنهم عبدالرحمن ال إبراهيم وقاسم آل إبراهيم اللذان تبرعا بحصة كبيرة من المال وتبرع آل خالد ببيت يملكونه لتبني المدرسة على أرضه وقررا دعم المدرسة بألف روبية سنويا (9) وبعد بناء المدرسة تم تعيين الشيخ يوسف بن عيسى القناعي مديرا لها وكذلك مديرا لمدرسة الأحمدية عند افتتاحها، علما بأنه كان نائب رئيس مجلس الشورى في العام 1921 ولعب دورا مهما في رفع العريضة المطالبة بإحداث الإصلاحات السياسية وتشكيل المجلس، وإذا عرجنا على المكتبة الأهلية التي أنشأت في العام 1923 سنجد من بين مؤسسيها السادة عبدالرحمن النقيب ومرزوق الداود البدر والشيخ يوسف بن عيسى القناعي (10) وهم جميعا أعضاء في مجلس الشورى (1921) (11) ومن أعضاء المجلس الآخرين المرحوم عبدالعزيز الرشيد (12) صاحب أول مجلة كويتية ورائد من رواد الثقافة في الكويت، والمرحوم سلطان إبراهيم الكليب وسليمان العدساني أعضاء في الكتلة الوطنية، ولما تمت إعادة بناء المكتبة في العام 1935 شكلت لجنة ضمت أعضاء جددا من بينهم عبدالله الصقر والسيد علي بن سليمان وعبداللطيف ثنيان الغانم ومشعان الخضير (13) وهؤلاء جميعا أعضاء في الكتلة الوطنية يضاف لهم أحد أبرز أعضادها السيد خالد العدساني الذي أسس النادي الأدبي في العام 1924 (14)، والمكتبة الأهلية لم تكن مركزا للقراءة والاطلاع فقط بل كانت مقرا للزيارات وإقامة الندوات وتبادل الآراء بين الشباب الكويتي والغربي في الأدب والثقافة ويشير الى ذلك المرحوم الأستاذ عبدالرزاق البصير: “في الواقع أنني لقيت في المكتبة كثيرا من أدباء العرب منهم العراقي والخليجي والمصري والسوري واللبناني والفلسطيني، أذكر منهم على سبيل المثال محمد تقي البحارنة ومنصور العريض من البحرين، وشاكر نعمة صاحب جريدة الثغر وسليمان صفواني وحيدر الركابي وعلي الخاقاني ومحمد علي البلاغي وجعفر الخليلي وكلهم من العراق، والتقيت بكامل مروة وأديب معوض وسهيل إدريس وغيرهم من أدباء لبنان، ولقيت قدري حافظ طوقان، وكمال ناصر وعارف العارف من فلسطين، وعوض الوكيل، ودريني خشبة ومحمود الخفيف وغيرهم من مصر، هؤلاء الأدباء كنا ندعوهم الى المكتبة فتجري نقاشات أدبية حول ما يدور من نقد في مجلة الرسالة وغيرها من المجلات”· (15)
من الواضح إذن أن شريحة التجار لعبت دورا أساسيا ومهما في جوانب عدة من تاريخ الكويت فعوضا عن دورها الاقتصادي البارز لعبت دورا سياسيا مميزا ونادت بإصلاحات تتحقق فيها المشاركة السياسية في اتخاذ القرار والتي مرت بتجربتين هما مجلس 1921، 1938، كما أن اهتماماتها السياسية لم تكن محصورة على المستوى المحلي بل كان الاهتمام بالقضايا العربية والإيمان بالقومية العربية محركا وجامعا أساسيا بين أطراف كثيرة منها، ولم يقف الأمر عند الجوانب الاقتصادية والسياسية بل لعبت الجوانب الفكرية الثقافية دورا أساسيا في طرح أفكارها التنويرية واهتمامها الكبير في التعليم ونشره بين أبناء الكويت، فالمسألة لم تكن إذن اقتصادية أو سياسية بحتة بل شملت الثقافة والعلم معها وشكلت أفكارها ومطالبها السياسية وثقافتها التنويرية نواة سار عليها جيل آخر تلقى تعليمه العالي في الخارج وجاء مشبعا بالأفكار القومية والتنويرية ومطالبا بإصلاحات سياسية لواقع جديد بعد الثروة النفطية·
حركة القوميين العرب:
كان لبداية التعليم النظامي في المدرسة المباركية (1911) والمدرسة الأحمدية (1922) أن أصبح التعليم لا يقتصر على فئة التجار وميسوري الحال بل طال جميع فئات المجتمع، ومع مرور الوقت وكثرة عدد المتعلمين ومع عدم وجود تعليم ثانوي مقنن أو دراسات جامعية بدأت البعثات التعليمية للخارج تزداد في شتى التخصصات، ومع تصدير النفط توسعت البعثات لمختلف البلدان العربية والأجنبية، ومن بين أبرز الدول العربية التي ابتعث إليها آنذاك سنجد العراق ولبنان وجمهورية مصر العربية، وقد لعبت المجاميع الطلابية في بيروت والقاهرة دورا سياسيا ونقابيا بارزا كان له عميق الأثر على تقدم الحركة السياسية والثقافية في الكويت بعد عودتها من الدراسة، وإذا أردنا أن نحصر أبرز هذه التجمعات وما تمخض عنها سنجد بأن حركة القوميين العرب التي تأسست بالجامعة الأمريكية في بيروت وبيت الكويت في القاهرة الذي تأسس على أيدي الطلبة الكويتيين لعب دورا بارزا كما سنرى في الضغط لتحقيق الإصلاحات السياسية وقيام النظام الدستوري الديمقراطي، وسيتركز حديثنا على حركة القوميين العرب وإيجاز دورها الفعال على الساحة الكويتية على أن يتم لاحقا استعراض دور بيت الكويت بالقاهرة·
لقد لعبت حركة القوميين العرب دورا عربيا بارزا منذ تأسيسها في محاربة الاستعمار بشتى أشكاله وكان لها حضورها القوي منذ تأسيسها في منتصف الأربعينيات وحتى نكسة حزيران 1967 حيث اكتسحت الساحة العربية من المحيط الى الخليج، ولم تكن الكويت بمعزل عما يجري في الوطن العربي إذ تأثر الشارع الكويتي بشكل كبير بها وضمت في خضمها فئات اجتماعية مختلفة، ولعل من أبرز الأسباب التي أدت الى رواج الحركة في الكويت كون أحد أبرز أعضائها المؤسسين من الطلبة الكويتيين وهو أول طبيب كويتي الدكتور أحمد محمد الخطيب الذي لعب دورا بارزا وفعالا في تثبيت تنظيم للحركة في الكويت الذي ضم عددا لا يستهان به من خيرة الشباب ومن مختلف الشرائح الاجتماعية·
فمنذ عودته للكويت كرس الجانب الأكبر من وقته للعمل القومي والقضايا القومية واستطاع مع أعضاء الحركة الآخرين نشر أفكارها في المجتمع، ومع وصول الزعيم الراحل جمال عبدالناصر للسلطة في مصر أعطى ذلك دفعة قوية للحركة في معظم الأقطار العربية ومنها الكويت حيث تسيدت تقريبا الشارع الكويتي وأصبحت تلعب دورا أساسيا في التحريض ضد الاستعمار والصهيونية ودخلت في بعض الأحيان في مصادمات مع السلطة عبر المظاهرات التي كانت تدعو إليها لتأكيد السياسات والمواقف القومية التي يتخذها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر خصوصا تأميم القناة والعدوان الثلاثي الذي تلاه على مصر (16)·
المصادر:
(1) عبدالله العمر، إرهاصات الديمقراطية في الكويت، دار قرطاس للنشر والتوزيع، الكويت طـ 1، 1994، ص 12·
(2) المصدر السابق نفسه ص 15·
(3) فلاح المديرس، ملامح أولية حول نشأة التجمعات والتنظيمات السياسية في الكويت (1975 - 1938) دار قرطاس للنشر، الكويت، طـ 2 - 1999، ص 8·
(4) المصدر السابق نفسه، ص 9·
(5) المصدر السابق نفسه، ص 7·
(6) المصدر السابق نفسه، ص 11 ، 12·
(7) غانم النجار، مدخل للتطور السياسي في الكويت، دار قرطاس للنشر، الكويت طـ 3، 2000 - ص 27·
(8) عبدالله العمر، إرهاصات الديمقراطية في الكويت ص 6·
(9) عبدالله آل نوري، قصة التعليم في الكويت في نصف قرن من سنة 1300 - 1360 هجرية ذات السلاسل، الكويت، د·ت، ص 41،42·
(10) المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، المكتبة المركزية في خمسين عاماً 1935 - 1985، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1986، ص 17·
(11) غانم النجار، مدخل للتطور السياسي في الكويت، ص 17·
(12) المصدر السابق نفسه·
(13) المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب المكتبة المركزية في خمسين عاماً، ص 20، 21·
(14) مبارك الخاطر، المؤسسات الثقافية الأولى في الكويت دار قرطاس للنشر طـ 1997، صـ 76·
(15) المصدر السابق نفسه، ص 2·
(16) فلاح المديرس، ملامح أولية حول نشأة التجمعات والتنظيمات السياسية في الكويت (1975 - 1938) ص 19·
أهم المراجع:
- فلاح المديرس، ملامح أولية حول نشأة التجمعات والتنظيمات السياسية في الكويت (1975 - 1938)، دار قرطاس للنشر الكويت، طـ 3، 1999·
- فلاح المديرس، المجتمع المدني والحركة الوطنية في الكويت، دار قرطاس للنشر الكويت طـ 1، 2000·
- أحمد البغدادي، الشيخ عبدالله السالم: إنساناً ورجل دولة، دار قرطاس للنشر والتوزيع، الكويت، طـ 1، 1994·
- المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، المكتبة المركزية في خمسين عاماً، 1985 - 1935، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1986·
- مجلة البعثة، جمعها وأعاد طباعته مركز البحوث والدراسات الكويتية - الكويت - 1997·