رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 20 رمضان 1424هـ - 15 نوفمبر 2003
العدد 1603

هجمات 11 سبتمبر
هل أطلقت صراع الحضارات؟
الحلقة السابعة 7

عن  "الايكونوميست"

نشرت "الايكونوميست" في عددها الصادر 13-19 سبتمبر 2003 وبمناسبة الذكرى السنوية الثانية على هجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك وواشنطن، دراسة مطولة بعنوان "الإسلام والغرب"·

لقد حاول معد الدراسة بيتر ديفيد العثور على إجابات للكثير من التساؤلات التي في الغرب عموما وفي الولايات المتحدة خصوصا، وعلى مختلف المستويات الرسمية والشعبية والأكاديمية حول ماهية الإسلام وكونه دين سلام أم دين حرب وعلاقته بالمسيحية وبالإرهاب وبالديمقراطية، فضلا عن مفاهيم مثل "الإسلام السياسي" أو "الأصولية" و"الجهاد"·· إلخ·

وتستعرض الدراسة تاريخ نشأة الأصولية أو ما يطلق عليه "التأسلم السياسي" منذ ابن تيمية وأبو الأعلى المودودي مرورا بمحمد بن عبدالوهاب وسيد قطب وصولا الى الدكتور يوسف القرضاوي، وتأثير كل هؤلاء على "التطرف الأصولي" وظهور حركات مثل تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن و"الجماعة الإسلامية" و"الجهاد الإسلامي"·

وقد ارتأت "الطليعة" نشر هذه الدراسة على حلقات لتعريف قرائها بنظرة "الآخر" بنا - كمسلمين - وبديننا الحنيف، هذه النظرة التي اعتراها الكثير من التشويه والمغالطة والشبهات التي تعود الى جرائم ارتكبها البعض باسم الإسلام، كما أنه لا يمكننا الرد أو تصحيح المفاهيم الخطأ - إن كانت كذلك - إلا إذا تعرفنا عليها·

وفي النهاية، غني عن القول إننا في "الطليعة" لا نتفق مع كل ما ذهبت إليه هذه الدراسة، لكننا مع ذلك، نؤمن بأهمية إطلاع القارئ عليها·

 

------------------------------------

 

التصادم بين الإسلام والغرب ليس حتميا وثلث مسلمي العالم يعيشون في دول غير مسلمة

 

·         المسلمون يتمتعون في الغرب بحريات ليست متاحة لهم في معظم بلدان العالم الإسلامي

·         لندن تحولت إلى "لندنستان" المركز لنشاط الأصوليين المنفيين من بلدانهم

·         المسلمون في الغرب منقسمون بين تيار يطالب بالاندماج وآخر يدعو إلى الانعزال

·         استغل بعض الأصوليين الغرب كملاذ لنشر الفكر المتطرف لكن الليبراليين منهم عززوا التفاهم مع الغرب

 

إذا كان المسلمون في العالم الإسلامي يتعارفون بشكل قوي فيما بينهم، فمع من يتعارف المسلمون في الغرب؟ في رؤية إيحائية لما بعد أحداث 11 سبتمبر، فإن ملايين المسلمين الذين يعيشون في الغرب يشكلون منبعا معدا لتقديم المدد لتنظيم القاعدة والتنظيمات المماثلة بشكل أكثر خطورة بسبب اغترابهم السطحي الذي يمكنهم من الامتزاج في البيئة المحلية بينما يجهزون مخططاتهم الغادرة، وطبقا لهذه الرؤية، فإن ولاءهم الحقيقي هو للأمة إذ إنهم مستعدون لشن هجمات ضد الدول المضيفة لهم نيابة عنها·

ومع هذا يجادل روفين باز العالم الإسرائيلي الذي يرفض الرؤية السابقة في أن الحركات الإسلامية تستغل التغيير في أجيال المسلمين في الغرب، فبينما سعى الجيل الأول من المهاجرين المسلمين الى الغرب للاندماج في المجتمع الغربي وانشغل بالصعوبات الاقتصادية، فقد تحول اهتمام الجيلين الثاني والثالث بالنفور من هذه المجتمعات إذ قاموا عن طريق المساعدات السخية من الدول الإسلامية الغنية ببناء "طبقة عريضة من البنى الإسلامية التحتية" داخل الديمقراطيات الغربية بحيث شكلت دعامة للمجموعات الإرهابية·

وهذا محتمل، فقد تم الكشف عن خلايا يشتبه في كونها تابعة لتنظيم القاعدة في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، ولقد تلقى الأمريكي جون واكر لند، العضو في حركة طالبان تعليمه المبكر عن الإسلام عن طريق "جماعة التبليغ" وهي منظمة دولية للتعريف بالإسلام ولها فروع في الولايات المتحدة، وتطلق حركة "المهاجرون" في بريطانيا حملة دعائية للجهاد إذ بينت في موقعها على الإنترنت أنها تسعى لأن تصبح "طابورا خامسا" للتحضير "للثورة الإسلامية العالمية"·

لكن ما مدى أهمية مثل هذه النفوس المريضة والخلايا الحاقدة؟

لقد تحول عدد ضئيل من المسلمين في الغرب الى الإرهاب تماما كبعض المسيحيين واليهود والوثنيين والماركسيين وجماعات الخضر وأنصار الحيوان، لكن الأرقام تبقى ضئيلة حين نأخذ بعين الاعتبار حجم تعداد المسلمين المقيمين في الغرب والذي يقارب عشرة ملايين في الاتحاد الأوروبي ومثلهم في الولايات المتحدة·

بالإضافة الى ذلك، فالمسلمون في الغرب ليسوا متجانسين، فأغلبيتهم في ألمانيا من الأتراك وينحدر معظم المسلمين في بريطانيا من شبه القارة الهندية، وفي فرنسا ذات الخمسة ملايين مسلم يشكل الجزائريون الغالبية العظمى منهم بما يقارب الـ 1.5 مليون جزائري مسلم، هذا بالإضافة الى المجموعات الكبيرة الأخرى من تركيا والمغرب وتونس ودول أفريقيا جنوب الصحراء، والمسلمون في أمريكا ليسوا أقل تشرذما إذ يشكل كل من العرب والمنحدرين من جنوب آسيا والأمريكيين الأفارقة قرابة الربع، كل على حدة، ومن الحماقة إطلاق تعميم واثق حول سياسات مثل هذه الطبقة الواسعة من الناس ناهيك عن التوقع بتحول واسع النطاق للإرهاب·

 

لندنستان

وعلى الرغم من ذلك فمن الخطأ التظاهر بأن صراعات العالم الإسلامي تقف عند اصطدامها بحدود الغرب فأوروبا بالتحديد جزء من حكاية الإسلام السياسي فهي ابتداء الملجأ: حيث إن "لندنستان" ظلت لسنوات طويلة تشكل المأوى ومكان التقاء ومركز نشر للكثير من الإسلاميين المنفيين من بلادهم، وأحيانا ما تكون أوروبا ساحة للمعركة ففي عام 1989 الذي حكم فيه الخميني على سلمان رشدي بالموت بتهمة الكفر، أحرق المسلمون البريطانيون رواية رشدي المشينة "آيات شيطانية" في شوارع برادفورد، وفي أواسط التسعينيات كان للحرب الأهلية الجزائرية تبعاتها في فرنسا·

إن الإسلام السياسي يحيا في أوروبا بمعنى آخر، فتغير الأجيال الذي يقلق باز أضفى على الإسلام نكهة أصولية، فأغلبية الشباب من المسلمين الأوروبيين العاطلين عن العمل والساخطين على المجتمعات التي يعيشون فيها مستعدون أكثر من آبائهم وأجدادهم لاستغلال الإسلام للمطالبة بحقوقهم كمسلمين، ولقد أصبح الإسلام محور التظاهرات الشعبية في فرنسا لدرجة أن أعدادا قليلة من الشباب غير المسلمين في الضواحي البائسة بدأت باعتناق الإسلام· وتشكل هذه المطالبة بالحقوق كمسلمين، وليس مجرد مواطنين مشكلة محتملة مبدئيا، فليس من المحتمل - وليس من الصواب - أن تقوم الدول التي تنص قوانينها مثلا على حقوق المساواة للمرأة بحرمان النساء المسلمات من هذه الحقوق، لكن كم من الأوروبيين المسلمين يتوقعون أو يطالبون بمثل هذه المعاملة؟

 

إسلام العصور الوسطى

يحدث، وإن ليس كثيرا، أن تثير الحكومات الأوروبية المتاعب لنفسها وتعتبر فرنسا مثالا رئيسيا على ذلك فلربما كانت الأكثر قلقا ما بين الحكومات الأوروبية من مطالب مسلميها السياسية وهذا ليس بالضرورة بسبب كثرة تطلب المسلمين الفرنسيين بل لأن مبدأ العلمانية في فرنسا يصر بشكل استثنائي على الفصل ما بين الدولة والدين، ولا ترضى الحكومة بالمطالبة بحقوق الجماعات لأن حقوق الإنسان يفترض بها أن تصان دون منة من الدولة· وقد سبب هذا المبدأ أخيرا الذعر للسياسة الفرنسية تجاه المسلمين لدرجة أن الرئيس جاك شيراك أوكل الى هيئة جديدة هي "مجلس الدين الإسلامي" مهمة مراجعته وقد دفعه الى ذلك النتائج غير المرغوب فيها لانتخابات مجلس الجالية الإسلامية في ربيع عام 2002، وكانت وزارة الداخلية قد توقعت أن تمنح أغلبية الأصوات للمعتدلين من قادة المجتمع الإسلامي وفعليا تم تعيين الإمام المعتدل لمسجد باريس، دليل أبو بكر، رئيسا للمجلس حتى قبل بدء الانتخابات، لكن تبين لدى فرز الأصوات فوز اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا وهي منظمة يعتقد أنها مجموعة متشددة ذات صلات بحركة الإخوان المسلمين·

وعقب فوز هؤلاء "المتشددين" وجه وزير الداخلية الفرنسي وصاحب فكرة المجلس، نيكولاس ساركوزي، تحذيرا بحظر نشر الشريعة الإسلامية على المجلس الجديد، وبدلا من أن يترأس إمام المسجد الكبير مجلس "الأصوليين" هذا فقد هدد بالاستقالة وقال "إن هؤلاء الأصوليين يريدون إعادة إسلام العصور الوسطى ومنح الشريعة الصدارة على القوانين الفرنسية، لقد عملنا بجد لإنشاء المجلس لكن بدلا من أن يولد طفل جميل، حصلنا على حيوان متوحش"، ومنذ انتهاء الانتخابات قامت مجموعة من المسلمين الفرنسيين بإنشاء "حركة المسلمين العلمانيين" لتقف في مواجهة المتأسلمين، ويؤكد متحدث باسم هذه الحركة أن اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ليس سوى "حزب من المتشددين"·

ربما ولكن في فرنسا كما بقية العالم الإسلامي، تنفي المنظمات المتهمة بالأصولية هذه التهمة عن نفسها ويقول الحاج ثامي بريز رئيس الاتحاد إنه يحاول أن يكون مخلصا للإسلام وللجمهورية الفرنسية معا، وتوزع منظمته الكتب وشرائط الكاسيت عن الإسلام، ويضيف أنه لا بد من تكيف الإسلام مع فرنسا وليس العكس وهو متمسك برأيه فهو لا يتوقع ولا يطالب كذلك بتطبيق الشريعة في فرنسا وأنه معجب بالدستور الفرنسي·

لكن منتقدي الاتحاد لا يصدقون مثل هذا الإنكار، يقول أبو بكر "إن هذه الجماعات تتكلم لغة مزدوجة" ومع هذا فإن الادعاء القوي الوحيد الذي يوجهونه ضد الاتحاد هو تشجيعه للفتيات المسلمات على ارتداء الحجاب في المدارس، وهذا يثير الجدل في فرنسا حيث الثقافة السياسية حساسة تجاه فكرة حقوق الجماعات، ويمكن التماس العذر لكثير من الأوروبيين الآخرين الذين يسألون بحيرة وماذا في ذلك؟ ففي هذه المعركة يبدو أن الفرنسيين مصممون على إيذاء أنفسهم·

 

طابور خامس

ولا يقصد مما سبق، تسليط الضوء على المشاكل المحدقة بالمسلمين في الغرب أو على المشاكل التي يمكن أن تشكلها مثل هذه الأقليات سريعة النمو على البلدان المضيفة، وكأي مجموعة كبيرة من المهاجرين، يجد المسلمون صعوبة في قبول الثقافة المضيفة وتقبلهم فيها، وبدأ المسلمون يشعرون بالمضايقة في الكثير من الدول الأوروبية منذ النجاح الخاطف والملفت للنظر لحزب "بيم فورتين" المناهض للمهاجرين في هولندا في شهر مايو 2002، لكن هل سيشكل المسلمون في الغرب طابورا خامسا؟

ينظر البعض ممن تحولوا الى الإسلام مثل البريطاني ريتشارد ريد الذي حاول تفجير طائرة أمريكية قبل عامين والأمريكي خوسيه باديلا المتهم بمحاولة امتلاك القنبلة القذرة لأنفسهم بهذه الطريقة، بينما يتم إقناع المزيد أن يفعلوا ذلك على يد أئمة بعض مساجد أوروبا المدربين على أيدي المتطرفين، لكن الديمقراطيات الغربية قادرة على التأثير العقلاني على مثل هذه القرارات الفردية بأكثر من قيامها بالتحريات وتدريب المزيد من الأئمة محليا، ولا ينبغي في الوقت ذاته أن يؤثر الخطر الذي يشكله الإرهابيون على نتيجتين جيدتين لهجرة المسلمين الى أوروبا وأمريكا·

 

اضطهاد مزدوج

الأولى تتمثل في أن أعداد المسلمين الذين يشكلون أقليات في دول غير إسلامية يجعل من الانطباع العام بأن الإسلام والغرب إنما يشكلان قالبين بطبيعتين سياسيتين محكومتين بالتصادم، مجرد هراء، إذ يعيش واحد من بين كل ثلاثة مسلمين في العالم "إذا ما أخذنا الـ 133 مليون مسلم الموجودين في الهند وحدها" كأقليات في دول غير مسلمة، ولذلك فإن الشيخ فضل الله ليس الزعيم الروحي المسلم الوحيد المتلهف على استمرار تأمين الدول المضيفة الملجأ لأتباعه الفارين من الفقر أو الاضطهاد لممارسة دينهم من دون مضايقات، فللمسلمين في الغرب أو في الهند مصلحة راسخة تتمثل في توافر أمنهم وازدهارهم وتمتعهم بالتسامح المستمر للمجتمعات غير المسلمة التي يعيشون فيها، وثانيا يعيش أكثر المسلمين برضى تام في الغرب حيث ينبغ معظم الفكر الإسلامي الخلاق، وهذه القدرة على الإبداع ليست نتيجة احتياج المسلمين في الغرب لوسيلة عملية للعيش ضمن المجتمع غير المسلم بل لأن المسلمين يتمتعون بحرية في الغرب أكثر من تلك التي يتمتعون بها في معظم بلدان العالم الإسلامي، ففي معظم الدول الإسلامية تضطهد الدولة المتأسلمين وتتم مضايقة الإسلاميين الليبراليين المستعدين لإعادة تفسير نصوص وتشريعات الإسلام لتتكيف مع الزمن الحالي بدورهم، من قبل المؤسسات الإسلامية المحافظة، وعلى النقيض من هذا فبإمكان المسلمين بشكل عام في أوروبا وأمريكا قول أو كتابة ما يريدون بحرية، وليس كل ما يقولونه ليبراليا فبعض الجماعات الإسلامية تستغل الغرب كملاذ تنشر منه الأفكار المتطرفة والعنيفة لكن هناك أصواتا ليبرالية تعمل أيضا لمصلحة الأمة وتساعد على بناء تفاهم مع الغرب·

 

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

"ليس هناك مكان لـ "دولة يهودية" في عالم اليوم
الحل القائم على دولتين تجاوزه الزمن ولا بد من دولة ثنائية القومية في فلسطين