رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 20 رمضان 1424هـ - 15 نوفمبر 2003
العدد 1603

وتــد

لجنة الرقابة

·· "دعي المكارم"!

 

نشمي مهنانحكي في البداهة المعلومة، إن قلنا إن الكتابة الإبداعية تختلف في طبيعتها عن العلوم التطبيقية، في أن الأخيرة واضحة وضوح شمسنا الخليجية في رابعة سماء الصيف، وأنها لا تحتمل سوى الخطأ والصواب، على أن الأولى مراوغة في لغتها ومعانيها، وكحمالة أوجه شتى في سياقاتها المختلفة، وهذا ما أعطاها صفة الخلق، ودفع القارئ للسعي وراء "فكفكة" أسرارها، وتقلبه المشوق بين الكشف والغموض·

يروي تاريخنا العربي، أن شاعرا هجاء مثل الحطيئة، قد أفلح مرة في هذه المراوغة الشعرية، بعد أن توقع عاقبته إن كشف "بيت القصيد"·

هجا الحطيئة، بوضوح وبلا مواربة، كل من حوله، بما في ذلك أمه، و"حامل" وجهه، فلا جرم في أن يغضب شاعر من نفسه فيهجوها، وفي هذا الهجاء "الآمن" لا سياط ولا حبس ولا قصاص وماذا يفعل مع الزبرقان بن بدر، ونفسه تغلي بهجائه، في الوقت الذي يحاذر فيه عقاب أمير المؤمنين·

لم يفلت الحطيئة بحيلته الشعرية، وغايته الأمارة بالهجاء، حينما قال في الزبرقان بيته الشهير:

دعِ المكارمَ لا ترحل لبغيتها

واقعد فإنّك أنتَ الطاعمُ الكاسي

فتقول الرواية "استعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنشد (دع المكارم) فقال له عمر: ما أعلمه هجاك، أما ترضى أن تكون طاعما كاسيا؟

قال: إنه لا يكون في الهجاء أشد من هذا·

ثم أرسل الى حسان بن ثابت، فسأله عن ذلك، فقال: لم يهجه ولكن سلّح عليه، فحبسه عمر وقال: يا خبيث لأشغلنّك عن أعراض المسلمين"·

هذه "الفذلكة" الشعرية التي فاتت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوصفها بـ "الخبث"، هي روح الشعر، وفنيته، وألاعيبه الجميلة، التي لا تحدها أفهام "رقابة" ولا معارف وميول وأذواق أصحابها·

بفتوى حسان بن ثابت الشعرية، فُسر البيت الملغوم على أنه هجاء وبغياب حسان، أو وفق ذائقته وفهمه قد يمر··

الآن، بعد أن قطعت حركة الإبداع كل هذه الأشواط التاريخية، كيف يستدل أعضاء لجنة رقابية على "المسموح" و"الممنوع" بما لهم من قراءات شخصية، وميول واتجاهات فكرية بعيدة عن هذا الشأن؟!

أعضاء لجنة الرقابة، التي شكلتها أخيرا وزارة الإعلام وكونت من: "عبدالعزيز جعفر، د· خالد المذكور، عبدالله محارب، يوسف الشراح، محمد باقر المهري، سليمان الحزامي، يعقوب السبيعي، جعفر العريان، عبدالله خلف" مع تقديرنا لهذه الأسماء، فمن الواضح أن وزارة الإعلام "الرشيدة" قد تعمدت أن تكون هذه اللجنة خليطا من التوجهات الفكرية والطائفية، وأن هناك "حسبة" سياسية أرادتها الوزارة، لكسب مرضاة الجميع بغض النظر عن الفعل الثقافي الحقيقي الذي ينتظر من أداء عمل هذه اللجنة، وما سيترتب عليه من "منع" أو حجر على فكر وحرية الكتّاب·

أرادت وزارة الإعلام أن تتملص مسبقا من أي مسؤوليات قد تجرها لها مشاكل الرقابة، وأن تتمترس وراء حجة "تشكيل لجنة مختصة"، (ونضيف دينية!)، ساعتها لا يهم كيف يفسر أعضاؤها (مع كل التقدير) بيتا مثل: "دع المكارم··"!!

nashmi@taleea.com

طباعة  

جوائز الدولة
 
احتفال
 
شعر
 
نص كلمة صنع الله إبراهيم
 
المرصد الثقافي