بيروت جمال يحميها··
نشمي مهنا
للعواصم أرواح، فتية، منهكة، حزينة، بائسة، غنية، ومتجددة بعضها بحرق حطب اليأس· لذا، فلا كلمات شاتمة، ولا هجاء طائشا هادما يضر بعاصمة فتية غنية متكئة على كنوزها، ولا دفاعا لاهث الأنفاس ينفع·
هي وحدها هناك في البعيد الواثق·· تبتسم لغبارهم، وتهزأ بالغايات·
ما نفثه أدونيس أخيرا بوجه بيروت، قد يقتله، إن لم يكن قد شل عصب حكمته، وشوه موضوعيته، وحداثته التي حولت فضاءاته الى جهة واحدة أفقية، تتعب عين الرائي·
أن يرفع أدونيس عن بيروت صفة المدينة والمدينية، ويراها - كما يريد - مقبرة، تتقاتل أشباحها بسلاح الطائفية والهمجية والمال، لن يعري شيئا سوى خلل في شبكية عين "سائحها" المتعجل، وضيق وقته المسفوح على إسفلت شوارعها، ورغبته الغريبة في قتل أمّ قد يذكره أبناؤها بأفضال حنانها، ورعايتها الأولى، وقد كبرت قامته الكونية، ولم يبق غير هذا القتل، وبهذه الطريقة لإخماد شعوره الداخلي المزعج أولا، ولإعلان الاختلاف، خصوصا حينما يتيح الإبداع إبداعا آخر وإن في القتل·
غضبة أبناء بيروت مبررة، وإن كان التفرج والصمت أبلغ الردود على هجاء ارتبك في حضرة جمال، هم واثقون من تألقه· وواعون لاستدراج أدونيس لهم لساحات سجال (ماذا لو تركوا هذه الساحات خالية ودخنوا "الشيشة" في ساحة النجمة·· مثلا؟!!)·
غرائزنا الفائرة بحب "المكان" تخذل دائما صبرنا وانفتاحنا وحياديتنا إن مُسّ ذاك الدفء، أو رُمي نبعه بحجر·· ولو عابر·
في جانب آخر من هذه الساحة السجالية (كما أراد أدونيس) يبقى حق متاح لأي مواطن أو سائح أو ضيف اختار شكل ضيافته أن يحب بلدا أو يكره، وأن يصرح بذلك بحضرة أهلها، الأهم ألا نعامل عواصمنا كحناننا لحبيباتنا، وغيرتنا على زوجاتنا·
العاصمة المملوءة بجمالها الواثق، تعلق نوايا الهجائين على أسوارها، إمعانا بفضحهم، وتهدئ من روع أبنائها الغاضبين بالتفاتة مبتسمة·
لكن البيروتيين لهم رأي آخر، سيتركون "بيروتهم" تواجه هجاء أدونيس وحدها، لو كان عتاب محب، لا سجال حاقد!
nashmi@taleea.com